الذكاء الاصطناعي والفجوة بين الأجيال

لم تعد الفجوة بين الأجيال مرتبطة فقط باختلاف العمر أو اللغة أو أسلوب الحياة، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بطريقة الوصول إلى المعرفة واستخدام التكنولوجيا، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، أصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل سيقلّل الذكاء الاصطناعي الفجوة بين الأجيال، أم سيزيدها؟ تبدو الإجابة الأقرب إلى الواقع أن الذكاء الاصطناعي قد يفعل الأمرين معاً؛ فهو قد يقلّل الفجوة التقنية لأنه يجعل استخدام التكنولوجيا أسهل، لكنه قد يخلق فجوة جديدة بين من يستخدمه بوعي ونقد، ومن يستخدمه بشكل محدود أو يخاف من الاقتراب منه.
قبل الحديث عن الذكاء الاصطناعي، من المهم فهم أن الفجوة الرقمية كانت موجودة أصلاً. فقد أشار تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الفجوات في استخدام الإنترنت ما زالت مرتبطة بالعمر والتعليم والدخل، وأن المشاركة الرقمية لا تتساوى بين جميع الفئات (OECD, 2024). وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يبدأ الفجوة بين الأجيال، بل دخل إلى عالم توجد فيه فجوات سابقة في الوصول، والمهارة، والثقة الرقمية.
لكن الذكاء الاصطناعي يختلف عن كثير من التقنيات السابقة. فالتكنولوجيا القديمة كانت تتطلب معرفة بالتطبيقات، والقوائم، والإعدادات، وكلمات المرور، أما الذكاء الاصطناعي فيجعل العلاقة مع التقنية أقرب إلى الحوار الطبيعي؛ يستطيع الشخص أن يسأل، يطلب شرحاً، يترجم، يلخص، أو يطلب مساعدة في كتابة رسالة، هذا التحول قد يقلّل الفجوة التقنية، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يشعرون أن التكنولوجيا معقدة، فبدلاً من أن يحتاج المستخدم إلى إتقان النظام الرقمي، يمكنه أن يتعامل معه من خلال اللغة اليومية.
مع ذلك، تشير البيانات الحديثة إلى أن الفجوة العمرية في استخدام الذكاء الاصطناعي ما زالت واضحة، فقد وجد مركز Pew Research Center أن ثلث البالغين الأمريكيين تحت سن الثلاثين يتفاعلون مع الذكاء الاصطناعي عدة مرات يومياً على الأقل، بينما قال 54% من الأشخاص بعمر 65 عاماً فأكثر إنهم يتفاعلون معه أقل من عدة مرات في الأسبوع (Pew Research Center, 2025). وهذا يدل على أن الأجيال الأصغر لا تقترب من الذكاء الاصطناعي فقط من حيث الوعي، بل من حيث كثافة الاستخدام اليومي أيضاً.
ومع ذلك، لا يعني قرب الشباب من الذكاء الاصطناعي أنهم أكثر تفاؤلاً به دائماً، فقد أظهر تقرير آخر من Pew Research Center أن نحو نصف البالغين تحت سن الثلاثين يرون أن أثر الذكاء الاصطناعي على المجتمع سيكون سلبياً، بينما قال 14% فقط إن أثره سيكون إيجابياً (Pew Research Center, 2026). وهذا يوضح أن الفجوة بين الأجيال ليست مجرد “كبار يخافون من التكنولوجيا وصغار يحبونها”، بل هي علاقة أكثر تعقيداً، يدخل فيها القلق من المستقبل، وسوق العمل، والخصوصية، ودقة المعلومات.
من جهة أخرى، تشير أبحاث AARP إلى أن كبار السن لا يعيشون خارج عالم الذكاء الاصطناعي بالكامل، فقد أظهر تقرير منشور عام 2025 أن كثيراً من البالغين الأكبر سناً يستخدمون تطبيقات قريبة من الذكاء الاصطناعي، مثل التصحيح التلقائي، والمساعدات الافتراضية، والإجابة عن الأسئلة، وتحويل الصوت إلى نص (AARP, 2025). هذا يعني أن المشكلة ليست رفضاً كاملاً للذكاء الاصطناعي، بل وجود حاجة إلى أدوات أبسط، وشرح أوضح، وتجربة أكثر أماناً.
ومن زاوية عالمية، لا تتعلق الفجوة بالعمر فقط، بل أيضاً بالبنية التحتية والقدرة الاقتصادية، فقد أوضح الاتحاد الدولي للاتصالات أن حوالي 6 مليارات شخص يستخدمون الإنترنت في عام 2025، بينما بقي 2.2 مليار شخص خارج الاتصال، وأن الشباب بين 15 و24 عاماً أكثر اتصالاً بالإنترنت من بقية السكان (ITU, 2025). وهذا مهم لأن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تتطلب اتصالاً جيداً، وأجهزة مناسبة، ومهارات رقمية أساسية.
كما يؤكد البنك الدولي أن الاستفادة العادلة من الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى أسس واضحة، منها الاتصال الرقمي، والقدرة الحاسوبية، والسياق المحلي، والكفاءة الرقمية. ويشير تقريره لعام 2025 إلى أن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل قد تواجه تحديات كبيرة في تبني الذكاء الاصطناعي إذا لم تتوفر هذه الأسس (World Bank, 2025). وهذا يوسع معنى الفجوة: فهي ليست فقط بين جيل شاب وجيل أكبر، بل بين من يملك البيئة الرقمية المناسبة ومن لا يملكها.
لذلك، يحتاج التعامل مع الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مجرد تعليم الناس كيف يستخدمون أداة جديدة، فقد أكدت UNESCO في أطر كفاءات الذكاء الاصطناعي للطلاب والمعلمين أن الذكاء الاصطناعي يتطلب فهماً نقدياً وأخلاقياً، لأنه يطرح تحديات تتعلق بالخصوصية، والشفافية، والعدالة، والمسؤولية (UNESCO, 2024/2025). وهذا يعني أن تقليل الفجوة بين الأجيال لا يتحقق فقط بإعطاء الناس أدوات الذكاء الاصطناعي، بل بتعليمهم كيف يستخدمونها بوعي.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي قد يقلّل الفجوة بين الأجيال في جانب الوصول والاستخدام الأولي، فهو يجعل التكنولوجيا أقل تعقيداً وأكثر قرباً من اللغة اليومية، يستطيع كبار السن، على سبيل المثال، استخدامه لفهم رسالة رسمية، أو ترجمة نص، أو تلخيص معلومات صحية، أو تعلم مهارة جديدة، كما يستطيع الشباب استخدامه لشرح أفكارهم لأهاليهم بلغة أبسط، بهذا المعنى، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون جسراً بين الأجيال، لأنه يحوّل التكنولوجيا من حاجز تقني إلى مساحة للحوار والمساعدة.
لكن في المقابل، قد يزيد الذكاء الاصطناعي الفجوة في جانب آخر، وهو جودة الاستخدام. فالأجيال أو الفئات التي تعرف كيف تطرح أسئلة دقيقة، وتتحقق من الإجابات، وتقارن بين المصادر، وتستخدم الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل والإبداع، قد تتقدم بسرعة أكبر من الفئات التي تستخدمه بشكل محدود أو دون فهم كافٍ، هنا لا تكون الفجوة في امتلاك الأداة فقط، بل في طريقة استخدامها، لذلك قد تتحول الفجوة من سؤال: “من يستطيع الوصول إلى التكنولوجيا؟” إلى سؤال أعمق: من يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي بوعي ومسؤولية؟


الخلاصة أن الذكاء الاصطناعي لن يزيد الفجوة بين الأجيال أو يقلّلها بطريقة واحدة ومباشرة. هو سيقلّلها عندما يجعل التكنولوجيا أسهل، ويمنح الأجيال الأكبر فرصة للتعلم والمشاركة من خلال اللغة الطبيعية والدعم الشخصي، لكنه سيزيدها إذا أصبح استخدامه الفعّال مقتصراً على من يمتلكون المهارات الرقمية، والثقة، والتفكير النقدي، والقدرة على التحقق من المعلومات، لذلك فإن مستقبل الفجوة بين الأجيال يعتمد على طريقة تقديم الذكاء الاصطناعي: إذا قُدّم كأداة سهلة وآمنة ومشتركة، فقد يصبح جسراً بين الأجيال؛ أما إذا تُرك دون تعليم عادل ودون دعم للفئات الأقل خبرة رقمياً، فقد يصبح سبباً في توسيع فجوة جديدة بين من يستخدمه بوعي، ومن يبقى بعيداً عنه أو يستخدمه دون فهم كافٍ.

قائمة المراجع
AARP. (2025, September 23). Older Adults are Navigating AI. AARP Research.
International Telecommunication Union. (2025, November 17). Facts and Figures 2025. ITU.
OECD. (2024, May 7). OECD Digital Economy Outlook 2024, Volume 1: Embracing the Technology Frontier. Organisation for Economic Co-operation and Development.
Pew Research Center. (2025, September 17). AI in Americans’ Lives: Awareness, Experiences and Attitudes. Pew Research Center.
Pew Research Center. (2026, June 17). How Americans’ Opinions and Use of AI Differ by Age. Pew Research Center.
UNESCO. (2024, September 3; updated 2025, February 20). What You Need to Know About UNESCO’s New AI Competency Frameworks for Students and Teachers. UNESCO.
World Bank. (2025). Digital Progress and Trends Report 2025: Strengthening AI Foundations. World Bank.

Facebook
Twitter
WhatsApp