ينصبّ التركيز في الفضاء الرقمي المعاصر على تفكيك بنية المعلومة ذاتها: من يصنعها؟ كيف تُنشر؟ وما هي آليات منحها الشرعية والمصداقية؟ لقد تجاوز تداول الأخبار والخطابات أطر المؤسسات الصحفية والأكاديمية التقليدية، ليتيح لأي فرد صياغة محتوى واسع الانتشار والوصول إلى جماهير عريضة، بمعزل عن اعتبارات التخصص، المنهج، أو التوثيق العلمي.
يتعاظم أثر هذا التحول الجيلي في ميدان الصحة النفسية؛ إذ تتدفق عبر المنصات تدفقات مستمرة من معلومات مضللة، أو مبسطة على نحو مخلّ، تخص الاضطرابات النفسية والمسارات العلاجية والدوائية. وتجد هذه المواد بيئة رقمية خصبة تُعلي من شأن الإثارة وسرعة الانتشار على حساب الدقة والتحقق. ولا تتوقف تبعات هذا المشهد عند حدود الارتباك المعرفي العابر، بل تمتد لتشكل أزمة مركبة تعيد صياغة مفاهيم الثقة، والانتماء، والهوية، وتؤثر مباشرة على قرارات طلب المساعدة المهنية.
المشهد الرقمي الراهن: من المؤسسة إلى المؤثر
يشير تقرير رويترز للأخبار الرقمية لعام 2026 إلى أن الفئة العمرية بين 18 و24 عامًا باتت تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها مصدرًا رئيسًا للأخبار، متقدمةً على المواقع الإخبارية التقليدية وتطبيقاتها (Reuters Institute, 2026). كما يلاحظ التقرير انتقال الثقل الإخباري لدى هذه الفئة إلى منصات مثل إنستغرام وتيك توك ويوتيوب، حيث يحل المؤثر الفردي، في كثير من الأحيان، محل العلامة الإخبارية المؤسسية.
ولا يفسَّر هذا التحول بعامل الأسلوب أو السرعة وحدهما؛ بل يتصل أيضًا بتحول أعمق في أنماط الثقة. فالكثير من المستخدمين، ولا سيما الأصغر سنًا، ينظرون إلى المؤسسات الإعلامية الكبرى بوصفها بعيدة أو معقدة أو منحازة، بينما يجدون في المؤثر الفردي صوتًا أقرب لغةً وأسلوبًا وتجربةً. وهذه القربى لا تُنتج ثقة معرفية بالضرورة، بل قد تُنتج ما يمكن تسميته بالثقة الانتمائية؛ أي الثقة المبنية على الإلفة والتشابه الشعوري أكثر من التحقق من الدليل. وهذه الثقة، حين تتشكل، تكون صعبة التصحيح حتى بعد انكشاف زيف المعلومة (Lewandowsky et al., 2017).
لماذا تبدو الصحة النفسية أكثر عرضة للتضليل؟
تقع الصحة النفسية في منطقة حساسة للغاية أمام المعلومات المضللة، لأسباب بنيوية عدة:

أولًا: غياب العلامات الحاسمة السهلة.
في كثير من الاضطرابات النفسية، لا يكون الحكم المباشر بسيطًا أو مرئيًا كما في بعض الحالات الجسدية. وهذا يفتح الباب أمام التأويلات السطحية والعبارات المختزلة من قبيل: “الاكتئاب مجرد ضعف إرادة” أو “الدواء النفسي يغيّر الشخصية” أو “القلق ليس مرضًا إنه قلة صبر”.
ثانيًا: الوصمة الاجتماعية.
حتى حين تكون المعلومة صحيحة، فإن طريقة عرضها قد تكرّس الخوف أو الخجل أو الرفض الاجتماعي. وقد بيّن Corrigan وزملاؤه (2014) أن الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي تؤثر بعمق في طلب الرعاية والمشاركة فيها، وأن التمثيل السلبي للمشكلات النفسية في الإعلام قد يردع الأفراد عن طلب المساعدة في الوقت المناسب.
ثالثًا: التشخيص الذاتي الرقمي.
تتزايد اليوم ظاهرة العودة إلى محتوى قصير ومتكرر على المنصات الاجتماعية، ثم إسقاطه على الذات، بحيث يخرج بعض المستخدمين بانطباع راسخ بأنهم مصابون باضطراب محدد بعد مشاهدة عدد من المقاطع المتشابهة. وهنا لا يكمن الخطر في الوعي الأولي وحده، بل في التحول إلى تشخيص متسرع، ثم إلى علاج ذاتي غير منضبط، وقد تناولت أدبيات “القلق الصحي الرقمي” هذا المسار بوصفه أحد وجوه الاضطراب بين المعرفة والقلق والسلوك (Doherty-Torstrick et al., 2016).
والأكثر تعقيدًا أن المعلومات المضللة لا تؤثر فقط في قرار طلب المساعدة أو تأجيله، قد تسهم في تشكيل هوية نفسية مضطربة؛ إذ يتحول الاضطراب، في بعض الخطابات الرقمية، من حالة تحتاج إلى فهم وعلاج إلى علامة تعريف ذاتية تُقدَّم للجمهور بوصفها جزءًا من السرد الشخصي. ومع تكرار هذا التعرض، قد لا يكتفي الفرد بتلقي الوعي المزيّف، بل يبدأ في تبنيه بوصفه تفسيرًا لذاته، فيغدو شاهدًا على تزييف وعيه الخاص بدل أن يظل قادرًا على مساءلته.
الخوارزمية كآلية انتقاء: من يصل إلى الجمهور؟
لفهم هذه الظاهرة، لا يكفي التركيز على المحتوى وحده، بل يجب النظر إلى البنية التي تمنح المحتوى انتشاره. فخوارزميات التوصية في المنصات الرقمية لا تميز، في الغالب، بين ما هو موثوق وما هو مضلل بقدر ما تميز بين ما يثير التفاعل وما لا يثيره. والمحتوى العاطفي المكثف، الصادم، أو الاستثنائي يحظى عادةً بأفضلية في الوصول والانتشار (Roozenbeek et al., 2020).
وفي هذا السياق، أظهرت دراسات حديثة أن كثيرًا من المنشورات المتعلقة بالمعلومات الصحية على المنصات البصرية والقصيرة تفتقر إلى الإحالة الواضحة للمصادر، وأن بعض صانعي المحتوى قد يرتبطون بمصالح تسويقية مباشرة أو غير مباشرة تتجاوز حدود التوعية إلى الترويج (Nickel et al., 2025; Morais & Fernandes, 2026).
وهكذا تنشأ بيئة يمكن وصفها بـفراغ الثقة المعلوماتية: فراغ لا يملؤه التخصص، بل يملؤه الصوت الأقرب عاطفيًا والأسرع انتشارًا. وفي هذا الفراغ، تصبح القصة الشخصية أكثر إقناعًا من الدليل، ويغدو الأسلوب الودود بديلًا عن المنهج، وتستبدل الجماهير التحقق بالإلف.
المتخصص في الفضاء الرقمي: حضور أم انسحاب؟
هذا الواقع يفرض على أخصائيي الصحة النفسية والباحثين سؤالًا أخلاقيًا مباشرًا: هل يبقى الابتعاد عن المنصات الرقمية موقفًا مهنيًا محايدًا، أم يتحول تدريجيًا إلى تخلٍّ غير معلن عن المسؤولية العامة؟
في تقديري، لم يعد الحضور في الفضاء الرقمي خيارًا ثانويًا. فالمعرفة المتخصصة، حين تنعزل عن الجمهور، تترك المجال مفتوحًا لبدائل أقل دقة وأكثر جاذبية. غير أن هذا الحضور لا ينبغي أن يكون مجرد نقل للمعلومة، بل يجب أن يقوم على ثلاث قواعد أساسية: الدقة، والوضوح، والتمييز بين التثقيف وبين محاكاة العلاقة العلاجية.
ويتجلى ذلك، مثلًا، حين يشرح أخصائي فرقًا بسيطًا بين الحزن الطبيعي والاضطراب الاكتئابي، فيقول إن الحزن قد يكون استجابة إنسانية مباشرة لفقدٍ أو ضغطٍ عابر، بينما الاكتئاب حالة أوسع وأعمق، تتداخل فيها المدة والأثر والتعطّل الوظيفي، دون أن يدّعي تشخيص المشاهد أو يمنحه حكمًا تشخيصياً عبر الشاشة.
فالأخصائي النفسي حين يكتب أو يتحدث على منصة عامة لا يمارس تشخيصًا، ولا يقدم علاجًا مباشرًا، ولا يختصر التجربة الإنسانية في مقطع قصير؛ إنه يوفّر إطارًا معرفيًا وآمنًا يساعد الجمهور على الفهم، ويمنع الخلط بين الوعي الأولي والتفسير الطبي، وبين الاهتمام الذاتي والتشخيص السريري. وهنا تبرز قيمة المحتوى المتخصص الرصين: فهو لا يكتفي بتقديم المعلومة، بل يخفف القلق، ويعيد ترتيب الفهم، ويمنح المتلقي لغة أدق للتعامل مع ذاته أو مع من حوله.
مسؤولية المنصات: ما بعد خوارزمية التوصية
لا تكفي جهود المتخصصين وحدها إذا بقيت المنصات ذاتها تعمل بمنطق يكافئ المحتوى المثير أياً كانت كلفته المعرفية. لذلك، فإن مسؤولية المنصات ليست هامشية، هي جزء من الحل.
وقد أظهرت تجارب الاستجابة إلى المعلومات المضللة أثناء الأزمات الصحية أن التعاون بين المؤسسات الصحية والمنصات الرقمية يمكن أن يساهم في الحد من التضليل وتعزيز الرسائل السليمة (WHO, 2020). غير أن نجاح مثل هذه الجهود يظل مرهونًا بوجود سياسات واضحة للإفصاح، وتنبيه المستخدمين إلى المحتوى غير الموثق، وتقييد الترويج للمعلومات الصحية ذات الأثر المحتمل على السلامة العامة.
وعليه، فإن المطلوب ليس مجرد “إضافة صوت الخبير”، بل إعادة تصميم بيئة الوصول إلى المعلومة بحيث لا يكون الوصول إلى المحتوى المضلل أسهل من الوصول إلى المحتوى الدقيق.
في السياق العربي: هشاشة مضاعفة وفراغ متسع
تزداد خطورة هذه المسألة في السياق العربي لثلاثة أسباب رئيسية:

أولًا: ضعف البنية التحتية للصحة النفسية.
في عدد من البلدان العربية، ومنها مثلًا سوريا والعراق ومناطق واسعة من شمال إفريقيا، ما تزال الخدمات النفسية أقل من الحاجة الفعلية، سواء من حيث الكادر أو التغطية أو الوصول، ما يجعل الإنترنت بالنسبة لكثيرين المصدر الأول وربما الوحيد للمعلومة.
ثانيًا: الوصمة المتراكبة.
لا تقتصر الوصمة هنا على البعد الاجتماعي، بل تتداخل معها أحيانًا اعتبارات ثقافية ودينية وأسرية، ما يدفع كثيرًا من الأفراد إلى الانسحاب الصامت بدل طلب المساعدة.
ثالثًا: ندرة المحتوى العربي المتخصص.
ما يزال المحتوى الرقمي العربي في الصحة النفسية، ولا سيما المحتوى الذي يجمع بين الدقة العلمية واللغة المبسطة والوعي السياقي، أقل بكثير من مستوى الحاجة. ويزداد هذا الفراغ وضوحًا حين نلاحظ أن المحتوى المتخصص الجيد ما يزال محدود الحضور مقارنةً بسيول المحتوى السريع، الانطباعي، أو التجاري، الأمر الذي يفتح المجال واسعًا أمام مواد شعبية غير موثقة أو خطاب توعوي حسن النية لكنه غير منضبط.
ومن هنا، يتجاوز المحتوى النفسي العربي حدود الترف الفكري، ليكون حاجة وقائية وأخلاقية وصحية في آن واحد.
نحو بيئة معلوماتية محتضنة
تتجاوز معضلة التضليل الرقمي حدود الخطأ المعرفي العابر، لتشكل البنية الكاملة التي يستقي منها الفرد وعيه بذاته وصحته النفسية. فالاستقرار النفسي يتطلب بالضرورة فضاءً معلوماتياً وعلائقياً يمنح الفرد ما يكفي من الفهم والأمان والثقة لطلب المساعدة المتخصصة في الوقت المناسب.
يتطلب الواقع الراهن بناء بيئة رقمية احتوائية واستباقية تتكامل فيها ثلاثة مستويات: حضور مهني رصين، ومنصات محكومة بالمسؤولية، ومستخدم يملك الكفاءة للتمييز بين المعلومة والانطباع، وبين الخبرة الحقيقية والادعاء الزائف.
وفي انتظار هذا التحول، تبرز المسؤولية الأخلاقية للمتخصصين في الكتابة، والشرح، والتواجد الرقمي الفاعل لملء الفراغ المعرفي قبل أن تستحوذ عليه خطابات المبالغة والوهم. إن الانكفاء عن هذا الفضاء يمثل تخلياً ضمنياً عن الفئات الأكثر احتياجاً، وتركاً لهم بمواجهة ضجيج رقمي مشوش ومستمر.
المراجع
Corrigan, P. W., Druss, B. G., & Perlick, D. A. (2014). The impact of mental illness stigma on seeking and participating in mental health care. Psychological Science in the Public Interest, 15(2), 37–70. https://doi.org/10.1177/1529100614531398
Doherty-Torstrick, E. R., Walton, K. E., & Fallon, B. A. (2016). Cyberchondria: Parsing health anxiety from online behavior. Psychosomatics, 57(4), 390–400. https://doi.org/10.1016/j.psym.2016.02.002
Lewandowsky, S., Ecker, U. K. H., & Cook, J. (2017). Beyond misinformation: Understanding and coping with the “post-truth” era. Journal of Applied Research in Memory and Cognition, 6(4), 353–369. https://doi.org/10.1016/j.jarmac.2017.07.008
Morais, R., & Fernandes, C. E. (2026). Source attribution in science communication on TikTok. Journal of Science Communication, 25, A03.
Nickel, B., et al. (2025). Misleading information about medical screening tests from Instagram and TikTok posts. JAMA Network Open, 8, e2461940. https://doi.org/10.1001/jamanetworkopen.2024.61940
Reuters Institute. (2026). Digital News Report 2026. Reuters Institute for the Study of Journalism, University of Oxford.
Roozenbeek, J., Schneider, C. R., Dryhurst, S., Kerr, J., Freeman, A. L. J., Recchia, G., & van der Linden, S. (2020). Susceptibility to misinformation about COVID-19 across 26 countries. Royal Society Open Science, 7(10), 201199. https://doi.org/10.1098/rsos.201199
World Health Organization. (2020). Managing the COVID-19 infodemic: Promoting healthy behaviours and mitigating the harm from misinformation and disinformation. WHO Press.









