في البيئات التي خرجت من حرب، أو ما زالت تعيش توتراً سياسياً واجتماعياً، يصبح الحديث عن “حياد المعالج” موضوعاً بالغ الحساسية، ولربما تحول إلى موضوع خلافات واتهامات بين زملاء المهنة.
كثير من المختصين يتمنّون حياداً بسيطاً، حياداً يعني “أنا لست سياسياً”، أو “لا أريد التورّط”، أو “أنا هنا للعلاج فقط”لكن هذا النوع من الحياد — مهما كانت نواياه طيبة — يتحوّل في الواقع إلى حياد وهمي.
الحياد الوهمي
هو حياد يقوم على الامتناع:
امتناع عن التسمية، عن الاعتراف، عن رؤية البُنى التي تصنع الألم.

وفي بيئات ما بعد الحرب، الامتناع نفسه يُقرأ كرسالة:
- الصمت يُفهم كإنكار
- تجنّب السياسة يُفهم كسياسة
- عدم التسمية يُفهم كتحيّز
- الحياد يُفهم كاصطفاف غير معلن
الحياد الوهمي يترك المتعالج وحيداً داخل روايته، ويترك المعالج خارج الحقيقة.
الحياد الحقيقي
ليس انسحاباً، وليس صمتاً، وليس خوفاً من التورّط، هو ممارسة دقيقة، أخلاقية، ومسؤولة، تقوم على ثلاثة أركان:
- عدم تبنّي سرديات سياسية
المعالج لا يصبح جزءاً من رواية الحرب، ولا يكرّر خطاب الجماعات، ولا ينحاز إلى طرف.
- الاعتراف بالحقائق والألم
“ما مررتَ به حقيقي، حتى لو اختلفت الروايات حول تفسيره”
هذا الاعتراف حماية للكرامة الإنسانية وليس انحيازاً.
- انتظار الصورة الكلية والدعوة إليها
المعالج لا يستعجل الحقيقة، ولا يختزلها، ولا يختار لها اتجاهاً، لكنه يفتح مساحة تسمح للمتضرر أن يرى نفسه خارج الاستقطاب، وخارج ثنائية الضحية–الجلاد التي تتبدّل بتبدّل السرديات.

لماذا يهمّ هذا؟
لأن الممارسة العيادية في بيئات متعددة المظلوميات لا يمكن أن تعتمد على نماذج العدالة الاجتماعية القادمة من سياقات مستقرة، ولأن المعالج الذي يتبنّى سردية يخسر حياده، والمعالج الذي يختبئ خلف حياد وهمي يخسر المتعالج.
أما المعالج الذي يمارس الحياد الحقيقي، فيحمي المساحة العلاجية من إعادة إنتاج الحرب، ويمنح المتعالج فرصة للشفاء دون انتظار “غودو” سياسي قد لا يأتي.









