التربية العملية وقلق التدريس

يمر الطالب الذي يدرس في كلية التربية في قسم معلم صف بمرحلة مهمة في أثناء رحلته الدراسية في الجامعة، وهي مرحلة التربية العملية، ففي هذه المرحلة سيكون الطالب معلمًا ويبدأ التدريب العملي في الصف؛ إذ يحوّل المعرفة النظرية إلى تطبيق عملي، ويكون الطالب هنا أمام موقف جديد يتفاعل فيه مع التلاميذ في الواقع، ويدير الموقف التعليمي، ويطبّق ما اكتسبه من معارف ومهارات، ويضبط الصف، ويشرح الدرس، ويتعامل مع أسئلة التلاميذ، إضافة إلى وجود المشرف التربوي، وكل ما سبق يؤدي في معظم الأحيان إلى القلق.

وتتعدد العوامل التي تؤدي إلى قلق الطالب المعلم في هذه المرحلة، ومن ذلك: توقع الفشل، وتوقع عدم القدرة على الوقوف أمام التلاميذ، وتوقع التعرض للنقد الشديد إليه من زملائه ومشرف التربية العملية، وتوقع نسيان خطوات الدرس.

يتكرر قلق التدريس بين كثير من الطلبة المعلمين، لذلك أوضح في هذه المقالة مرحلة التربية العملية وأهميتها، وقلق التدريس، ثم أقدّم مجموعة من المقترحات التي تساعد على التعامل مع هذا القلق.

أولًا: التربية العملية وأهميتها:

        يطلق بعضهم على التربية العملية اسم التربية الميدانية أو التدريب الميداني أو التطبيقات المسلكية، ومهما كانت التسمية فإن مفهوم التربية العملية ينحصر في كونها عملية تربوية منظمة هادفة تتيح للطلبة المعلمين من خلال مجموعة من الأنشطة والفعاليات تطبيق معظم المفاهيم والمبادئ والنظريات التربوية تطبيقًا سلوكيًا بالشكل الذي يؤدي إلى اكتساب الطالب المعلم الكفايات التربوية المطلوبة بعد التخرج، وذلك من خلال الخبرة الواقعية والحقيقية التي تتأتى من خلال التدريب على التدريس، والاحتكاك المباشر بالبيئة ومكوناتها في خلال مدة زمنية محددة. (المطلق، 2010، ص. 64)

تتجلى أهمية التربية العملية في النقاط الآتية:

  1. تهيِّئ للطالب المعلم فرصة التدريب الميداني، وربط المعارف النظرية بالتطبيق العملي.
  2. تزوِّد الطالب المعلم بالكفايات والمهارات اللازمة لمهنة التدريس.
  3. توفِّر للطالب المعلم الفرص المباشرة لمعرفة خصائص المعلمين، والاطلاع المباشر على كل ما يتعلق بالعمل المدرسي.
  4. توفِّر للطالب المعلم فرصة اكتساب مهارات عملية لا يمكن إتقانها إلا بالممارسة الفعلية.
  5. توفِّر للطالب المعلم فرصة الاحتكاك المباشر بعناصر النظام التعليمي. (عطية والهاشمي، 2008)

يتضح مما سبق أن التربية العملية هي القلب النابض في برنامج إعداد المعلم، فالتفاعل المباشر مع البيئة المدرسية والصفية يضع الطالب المعلم أمام الواقع بتفاصيله كلها، ويكتسب مهارات لا تُكتسب من المحاضرات النظرية وحدها مهما بلغت جودتها، وبحُسن استثمار مرحلة التربية العملية، ووعي الطالب المعلم بقيمتها، تكون فرصة للنمو وبداية حقيقية لمسيرته في مهنة التعليم.

ثانيًا: قلق التدريس:

        عرّفه الشهراني (2003) بأنه: قلق الموقف الذي ينتاب الطالب المعلم خلال فترة التربية الميدانية، خوفًا من الفشل وعدم القدرة على القيام بالمهام التدريسية على الوجه الأكمل. (ص. 51)

قلق التدريس أحد أنواع قلق الحالة، ظاهرة طارئة ووقتية، ناتجة عن المواقف التي يمر بها الطالب المعلم، حيث إنه يشعر بالخوف من الفشل في بداية حياته العملية في التدريس الذي هو عملية معقدة، ومنظومة متكاملة من العلاقات والتفاعلات له مدخلات وعمليات ومخرجات ثم يتعرض فيه الطالب المعلم في أثناء مدة التربية الميدانية للكثير من المواقف الضاغطة بسبب التحدث أمام الآخرين والخوف من الوقوع في الخطأ. (إبراهيم، 2012)

ومما سبق يمكن فهم قلق التدريس بوصفه استجابة طبيعية في بداية مرحلة التطبيق، إذ إن شعور الطالب المعلم بالقلق حِيال موقف جديد بمستوى يتناسب مع المثير، ينبهه إلى أهمية الموقف، ويدفعه إلى مزيد من الإعداد والتركيز والحرص على الإتقان، لكنه يصبح مشكلة عندما يتجاوز الحدّ الطبيعي ويصبح معطّلًا ومعيقًا.

ثالثًا: مقترحات للتعامل مع قلق التدريس لدى الطالب المعلم:

ننصح الطالب المعلم بما يأتي:

  1. الاستعانة بالله.
  2. التهيئة والاستعداد لهذه المرحلة.
  3. القراءة حول كل ما يتعلق بالتربية العملية لتكوين صورة واضحة عن المرحلة، فالمعرفة تخفف الغموض (وقد تزيله)، والغموض من أكبر ما يثير القلق.
  4. الاطلاع على نقاط التقييم والمهام المطلوبة من الطالب، فعندما تكون معايير التقييم والمهام المطلوبة واضحة، ينتقل الطالب من الانشغال بالسؤال: “كيف سيقيّمونني؟” إلى سؤال: “كيف أحقق هذه المعايير؟”.
  5. مقابلة مشرف التربية العملية والاستفسار عن كل النقاط الغامضة أو التي تثير القلق، لأن جزءًا كبيرًا مما يثير القلق يرتبط بتفسيرات وتوقعات (كارثية أحيانًا) غير مؤكدة.
  6. التدرب على الإلقاء والتدريس، فتجنب الموقف يزيد القلق، بينما مواجهته تدريجيًا تقلله.

الخوف الشديد من الإلقاء يتلاشى بالممارسة، كالماء الساخن الذي تشعر بسخونته في لمساتك الأولى له، إلى أن تقول إن الماء بارد وهو ليس ببارد ولكنك استطعت أن تتكيف معه بالتدريج. (الحزيمي، 2013، ص. 17)

في المرحلة الأولى ابدأ وحدك في غرفتك وتدرب أمام المرآة، ويمكن أن تصوّر نفسك وتقوم بالتقييم بعد ذلك، ثم تدرب أمام أشياء كالوسائد، ثم أمام مجموعة من الأصدقاء المشجعين وتطلب تقييمهم بعد ذلك. (الحزيمي، 2013)

التدريب مهم جدًا ولا سيما للمبتدئين، نعم لن يجعلك التدريب كاملًا ومثاليًا ولكنه سيساعدك على تجاوز الكثير من الأخطاء بالإضافة إلى زيادة ثقتك بنفسك، وكلما زاد تدريبك تحسن أداؤك. (السويدان، 2003، ص. 112)

  • الثقة بالذات.

تذكر نجاحك وراجع ذكريات الفوز والنجاح ولحظات الثناء والمدح وطعم الإنجاز فإذا جاءتك فكرة سلبية فناقشها: كيف أكون فاشلًا وقد نجح يوم كذا وفزت يوم كذا وتفوقت يوم كذا.(الحزيمي، 2013، ص. 70)

لتكون متحدثًا بارعًا كن عميقًا في علمك، سهلًا في طرحك، مشوّقًا في عرضك، مستعينًا بربك، فالأولى تمنحك التكامل، والثانية التواصل، والثالثة التفاعل، والرابعة كلّ شيء. (الحزيمي، 2013، ص. 167)

  • الإعداد الجيد لكل درس ولكل خطوة.

اتعب في الإعداد تسترح في الإلقاء، اقرأ واطلع، وراجع واحفظ، فمن زاد تهيؤه قلَّ تهيّبه. (الحزيمي، 2017، ص. 206-211)

  • الاهتمام ببداية الدرس، فدقائق البداية مهمة وهي تشبه مرحلة إقلاع الطائرة.

الإقلاع القوي، يمكّن الطائرة من الطيران بنجاح. (العشماوي، 2009، ص. 77)

  1. الاستعداد لجلسة النقد البنّاء والإصغاء لكل ما يقال.

تقبَّل النقد فأنت بشر تصيب وتخطئ، والناقد بشر يصيب ويخطئ… قابل الناقد بالقبول والمنقود بالإصلاح، والعاقل لا يكسر ساعة المنبه لأنها أيقظته. (الحزيمي، 2017، ص. 133-138)

الاستعداد والإعداد لهذه المرحلة خير زاد يعين الطالب المعلم على النجاح

تُعدّ التربية العملية مرحلة أساسية في بناء شخصية الطالب المعلم وتكوين هويته المهنية، فهي تنقله إلى تطبيق ما تعلّمه في الجامعة، وتضعه أمام الواقع الحقيقي لمهنة التدريس بما فيها من مسؤوليات وتحديات ومواقف إنسانية وتعليمية متجددة.

ومن هنا فإن التعامل الواعي مع قلق التدريس يبدأ من التهيئة الجيدة، وفهم متطلبات التربية العملية، والتدرب التدريجي على الإلقاء والتدريس، والإعداد المتقن للدروس، والطالب المعلم لا يُطلب إليه أن يكون كاملًا منذ البداية، لكن ينبغي أن يكون مستعدًا للتعلم، وقادرًا على المحاولة، ومتقبلًا للتطوير، وبقدر ما يتعامل مع قلقه بخطوات عملية ووعي، يتحول هذا القلق من عبء يعيق الأداء إلى طاقة تساعده على النمو، وتقرّبه من صورة المعلم الفعّال.

المراجع:

  1. إبراهيم، أحمد. (2012). برنامج تدريبي مقترح قائم على التعلم الإلكتروني لتنمية الكفايات المهنية واختزال القلق التدريسي لدى الطلاب معلمي اللغة العربية بكلية التربية. مجلة كلية التربية بالزقازيق. (75). 135-201.
  2. الحزيمي، ياسر. (2013). المتحدث البارع. (ط.5). قرطبة للنشر والتوزيع.
  3. الحزيمي، ياسر. (2017). الشخصية القوية. (ط.2). وكالة براتك.
  4. السويدان، طارق. (2003) فن الإلقاء الرائع. شركة الإبداع الفكري.
  5. الشهراني، محمد سعيد. (2003). العلاقة بين قلق التدريس وأداء الطلاب المعلمين “علوم” في التربية الميدانية. مجلة الملك خالد. 1(2). 42 – 67.
  6. العشماوي، عبد الرحمن. (2009). فن الإلقاء المتميز. مكتبة العبيكان.
  7. عطية، محسن، والهاشمي، عبد الرحمن. (2008). التربية العملية وتطبيقاتها في إعداد معلم المستقبل. دار المناهج للنشر والتوزيع.
  8. المطلق، فرح. (2010). واقع التربية العملية لطلبة معلم الصف في كلية التربية بجامعة دمشق وآفاق تطويرها. مجلة جامعة دمشق. 26(1+2). 61 – 96.
Facebook
Twitter
WhatsApp