تُخبرك رئتاك أنك تختنق في اجتماع عملٍ عادي، ويصرخ عقلك أنّ الطائرة ستسقط رغم أنها في رحلةٍ روتينية آمنة، ويُؤكّد لك صوتٌ داخلي أنّ رسالةً لم يُردَّ عليها بعدُ تعني بالضرورة أنّ شيئاً سيئاً قد حدث، في لحظات القلق الحاد، لا يعمل الدماغ كمراقبٍ محايد للواقع، ويتحوّل أحياناً إلى راوٍ غير موثوق يُبالغ في تقدير الخطر ويُقلِّل من قدرتنا على مواجهته، وفهم كيف «يكذب» الدماغ في هذه اللحظات ليس مفتاح عملي لفهم القلق المرضي والتعامل معه.

أولاً: التحيُّز الفطري نحو السلبية
يميل الدماغ البشري — بحكم تطوّره — إلى إعطاء وزنٍ أكبر للمعلومات السلبية والمهدِّدة مقارنةً بالمعلومات الإيجابية أو المحايدة، فيما يُعرف بـالتحيُّز السلبي (Negativity Bias). فمن الناحية التطورية، كان تجاهلُ خطرٍ حقيقي أكثر كلفةً بكثير من المبالغة في تقدير خطرٍ غير موجود: مَن أخطأ بالحذر الزائد نجا، ومن أخطأ بالتهاون قد لا يحصل على فرصةٍ ثانية (Rozin & Royzman, 2001). هذا الميراث التطوري ما زال يُشكّل طريقة معالجتنا للمعلومات اليوم، حتى في بيئةٍ لم تعد تحمل المخاطر البدائية نفسها.
ثانياً: كيف «يكذب» الدماغ تحديداً في القلق؟
يصف النموذج المعرفي لاضطرابات القلق سلسلةً من التشوّهات المنهجية في التفكير، أبرزها: المبالغة في تقدير احتمال وقوع الحدث السيئ (Probability Overestimation)، والمبالغة في تقدير فداحة نتيجته لو وقع (Catastrophizing). ويُوضّح أحد النماذج المعرفية المؤسِّسة لفهم نوبات الهلع أنّ التفسير الكارثي الذي يُعطيه الشخص لأحاسيسه الجسدية العادية — كخفقان القلب أو ضيق التنفس — هو ما يُحوِّل استجابةً فسيولوجية طبيعية إلى دائرة ذُعرٍ متصاعدة تُغذّي نفسها بنفسها (Clark, 1986). أي أنّ المشكلة ليست في الإحساس الجسدي نفسه، بل في القصة التي يرويها الدماغ عنه.

ثالثاً: الأساس العصبي لهذا الانحياز
على المستوى العصبي، يرتبط القلق المرضي باختلالٍ في التوازن بين نشاط اللوزة الدماغية — المسؤولة عن الاستجابة السريعة للتهديد — وقدرة القشرة الجبهية الأمامية على تقييم الموقف بعقلانيةٍ وكبح الاستجابة المُبالغ فيها حين لا يستدعيها الموقف فعلياً، وتُشير المراجعات العصبية المعرفية إلى أنّ اضطرابات القلق ترتبط بضعفٍ نسبي في هذا الكبح التنظيمي القادم من القشرة الجبهية، ما يسمح لإشارات التهديد القادمة من اللوزة الدماغية بالهيمنة على المعالجة الذهنية للموقف (Bishop, 2007). بعبارةٍ مبسَّطة: حين يفوق صوت «منبِّه الخطر» قدرة «مركز التقييم المنطقي» على ضبطه، يبدأ الدماغ في تصديق أفكاره غير الدقيقة عن نفسه.
رابعاً: لماذا لا يكفي أن «تُفكِّر بإيجابية»؟
يوضّح فهم هذا الأساس العصبي لماذا تفشل النصيحة الشائعة «فكِّر بإيجابية فقط» في التعامل مع القلق المرضي: فالمشكلة ليست غياب الأفكار الإيجابية، المشكلة استحواذ منظومةٍ عصبية كاملة على المعالجة الذهنية للتهديد بطريقةٍ تلقائية سريعة تسبق أي محاولة واعية للتفكير المنطقي، لهذا السبب، حين يستمرّ هذا النمط ويتكرّر بشدةٍ تُعطّل الحياة اليومية، يُصبح التقييم الطبي النفسي المتخصّص ضرورياً لفهم درجة الاختلال — لا مجرّد بذل مزيدٍ من «الجهد الذهني» الذي قد لا يكفي وحده لتصحيح مسارٍ عصبي متجذّر.
خاتمة
حين يقلق دماغك، تذكّر أنه لا يكذب عليك بسوء نية، إنه يستخدم منظومةً قديمة صُمّمت لحمايتك في بيئةٍ مختلفة تماماً عن التي تعيش فيها اليوم. فهم هذه الآلية لا يُلغي القلق، لكنه يمنحك مسافةً نقدية مهمّة بينك وبين أفكارك، ويفتح الباب لتقييمٍ مختصّ حين تتجاوز هذه الآلية وظيفتها الوقائية إلى عبءٍ يومي معطِّل.
المراجع
Bishop, S. J. (2007). Neurocognitive mechanisms of anxiety: An integrative account. Trends in Cognitive Sciences, 11(7), 307–316. https://doi.org/10.1016/j.tics.2007.05.008
Clark, D. M. (1986). A cognitive approach to panic. Behaviour Research and Therapy, 24(4), 461–470. https://doi.org/10.1016/0005-7967(86)90011-2
Rozin, P., & Royzman, E. B. (2001). Negativity bias, negativity dominance, and contagion. Personality and Social Psychology Review, 5(4), 296–320. https://doi.org/10.1207/S15327957PSPR0504_2









