علم نفس الحروب: نحو تأصيل معرفي عربي للصحة النفسية المجتمعية في سياقات الصراع

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقتنا العربية، وتصاعد وتيرة النزاعات المسلحة والحروب الهجينة، تبرز الحاجة الملحة إلى مقاربة معرفية جديدة تعيد قراءة الصراع من زاوية مغايرة، تتجاوز التحليلات السياسية التقليدية إلى استكشاف الأعماق النفسية للفرد والمجتمع في ظل الحرب. لقد بات واضحاً أن الحروب المعاصرة لا تقتصر على الاشتباك بالطائرات والدبابات فحسب، بل تمتد لتستهدف العقول والنفوس، مخلفة وراءها ندوباً نفسية قد تستمر لأجيال. من هنا، يأتي هذا المقال ليقدم تصوراً أولياً لحقل معرفي عربي مستقل يمكن تسميته “علم نفس الحروب”، مستنداً إلى المرجعية العلمية التي قدمها كتاب “علم نفس الحروب: تحليل ومعالجة”(عياش، 2024)
ويسعى هذا الحقل إلى ردم الفجوة المعرفية بين الدراسات النفسية التقليدية وتحليل الصراعات، مع التركيز على أهمية هذا الحقل في تعزيز الصحة النفسية المجتمعية وبناء استراتيجيات فعالة للتدخل والتعافي في مرحلة ما بعد الصراع.

أولاً: الإطار المفاهيمي والتأسيسي: لماذا علم نفس الحروب؟
يشكل علم نفس الحروب فرعاً معرفياً متعدد التخصصات يتقاطع فيه علم النفس السريري مع علم النفس الاجتماعي وعلم النفس السياسي وتحليل النزاعات، بهدف فهم الآليات النفسية التي تحكم سلوك الأفراد والجماعات في سياقات الحرب والعنف المنظم. لا يقتصر هذا الحقل على دراسة اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) وتداعياته الفردية، بل يتسع ليشمل تحليل الصدمة الجماعية وكيفية تشكل الذاكرة الجماعية في ظل النزاعات، وآليات انتقال الصدمات عبر الأجيال، وتأثير الحرب على الهوية الوطنية والنسيج الاجتماعي.

تكمن خصوصية هذا الحقل في كونه ينطلق من فهم عميق للسياقات المحلية والثقافية، متجاوزاً النماذج الغربية الجاهزة التي غالباً ما تتجاهل خصوصية المجتمعات العربية والإسلامية في استجابتها للصدمات وعمليات التعافي. فالثقافة العربية، بنسيجها الأسري المتماسك وقيمها الدينية والاجتماعية، تقدم أشكالاً مختلفة من آليات التكيف والمواجهة، مما يستوجب أدوات تشخيصية وتدخلات علاجية متوافقة مع هذه الخصوصية.

كما يكتسب هذا الحقل أهميته من كونه يقدم مقاربة وقائية، تهدف إلى فهم المؤشرات المبكرة للعنف المجتمعي والتطرف، والتنبؤ بمناطق التوتر قبل تفجرها، مما يسهم في بناء مجتمعات أكثر صموداً وقدرة على مواجهة التحديات.

ثانياً: الديناميات النفسية للصراع: من الفرد إلى المجتمع
يكشف التحليل النفسي للنزاعات المسلحة عن مجموعة من الديناميات المعقدة التي تتفاعل على مستويين رئيسيين:

على المستوى الفردي: تتجلى آثار الحرب في مجموعة واسعة من الاضطرابات النفسية، يأتي في مقدمتها اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، واضطرابات القلق، وزيادة معدلات الانتحار وتعاطي المخدرات كآلية تكيف غير صحية. غير أن التأثيرات لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل تغيرات في البنية الشخصية، وتشوهاً في إدراك الذات والآخرين، وفقداناً للمعنى والثقة بالحياة والمستقبل. ففي قطاع غزة، أظهرت دراسة أجريت بين يونيو وأغسطس 2024 أن نسبة انتشار الاكتئاب بلغت 99.5%، والقلق 99.7%، والتوتر 93.7% بين النازحين داخلياً، مع ملاحظة أن الأفراد الذين اضطروا لتغيير مأواهم أكثر من 4 مرات والفئة العمرية فوق 40 عاماً كانوا الأكثر عرضة لهذه الاضطرابات. كما أن اللاجئين السوريين يعانون من انتشار عالٍ للاضطرابات العقلية، بما في ذلك الضيق العاطفي بنسبة 84.6
(Albelbeisi et al., 2025)

على المستوى الجماعي: تبرز ظاهرة “الصدمة الثقافية” أو “الصدمة الوطنية”، حيث يتحول الألم الفردي إلى ذاكرة جماعية جرحى تغذي سرديات الهوية والعداء، وتنتقل عبر الأجيال لتتحول إلى جزء من الموروث النفسي والثقافي للمجتمع. قد تؤدي الصدمة الجماعية غير المعالجة إلى:
 • تصلب الهويات وتعزيز النزعات الانعزالية.
 • تشكيل ثقافة انتقامية تعيد إنتاج دورات العنف.
 • فقدان الثقة بالمؤسسات الرسمية والمجتمعية.
 • انتشار خطاب الكراهية والتطرف.
 • تغير في أنماط التنشئة الاجتماعية والتربية.

يشير الباحثون إلى أن الصدمة الجماعية غير المعالجة قد تتحول إلى ما يسمى “الجروح المفتوحة” في الذاكرة الوطنية، تستثمرها النخب السياسية والدينية لأغراض أيديولوجية، مما يعيق أي عملية سلام حقيقية (Volkan, 2001).

ثالثاً: التطبيقات العملية لعلم نفس الحروب في تعزيز الصحة النفسية المجتمعية
لا يبقى علم نفس الحروب في إطار التحليل النظري فحسب، بل يمتد ليشمل تطبيقات عملية ملموسة تسهم في تعزيز الصحة النفسية المجتمعية وبناء استراتيجيات فعالة للتدخل والتعافي. من أبرز هذه التطبيقات:

1. الإسعاف النفسي الأولي والتدخل المبكر: يمثل الإسعاف النفسي الأولي أداة حيوية في اللحظات الأولى لوقوع النزاع أو الكارثة، حيث يهدف إلى تقديم دعم نفسي واجتماعي عاجل يخفف من حدة الصدمة، ويعزز مشاعر الأمان والتماسك، ويمنع تطور اضطرابات نفسية مزمنة. يتطلب هذا النوع من التدخل فرقاً مدربة تدريباً عالياً وقادرة على التعامل مع تنوع الاستجابات البشرية للصدمات، وتقديم الدعم بطرق متوافقة مع السياق الثقافي المحلي. تفاصيل إجرائية: يتم تدريب فرق محلية من المتطوعين والمعلمين على مهارات الاستماع الفعال وتقييم الاحتياجات العاجلة، مع التركيز على توفير “مساحات آمنة” عاطفياً وجسدياً فور وقوع الحدث لتمكين الأفراد من التعبير عن مشاعرهم وتلقي الدعم الأولي (WHO, 2024).

2. العلاج النفسي المجتمعي: يتجاوز العلاج النفسي التقليدي في سياقات ما بعد الصراع ليشمل مقاربات مجتمعية تستهدف شفاء النسيج الاجتماعي ككل. من أبرز هذه المقاربات: العلاج الجماعي، العلاج بالدراما والموسيقى، العلاج بالسرد والرواية، ومشاريع الذاكرة المشتركة التي تجمع ضحايا من أطراف النزاع المتصارعة. أثبتت تجارب عديدة أن بناء مساحات آمنة للحوار بين الضحايا يسهم في تفكيك الصور النمطية، وإعادة بناء الثقة، وتعزيز التسامح والمصالحة. تفاصيل إجرائية: يمكن استخدام نهج “نقل المهام” (Task shifting) لتمكين الأفراد غير المتخصصين من تقديم دعم نفسي أولي تحت إشراف متخصصين، مما يوسع نطاق الوصول للخدمات. كما يمكن دمج الفنون التعبيرية مثل الدراما والرسم في جلسات التفريغ الجماعي لمساعدة الأفراد على معالجة الصدمات والتعبير عن تجاربهم (GIZ, 2024).

3. بناء أنظمة إنذار مبكر اجتماعية-نفسية: يقدم علم نفس الحروب أدوات تحليلية يمكن توظيفها في بناء أنظمة إنذار مبكر قادرة على رصد المؤشرات النفسية والاجتماعية للعنف المتنامي، مثل:
 ◦ انتشار خطاب الكراهية والتحريض في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.
 ◦ تصاعد مشاعر الإحباط والغضب واليأس بين فئات الشباب.
 ◦ تزايد حالات العنف الأسري والمجتمعي.
 ◦ تنامي النزعات الانعزالية والطائفية.

تساعد هذه الأنظمة صناع القرار والمجتمع المدني على التدخل المبكر وتطوير برامج وقائية تستهدف المجتمعات الأكثر هشاشة قبل تفجر العنف.تفاصيل إجرائية: يتم مراقبة منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام لرصد انتشار خطاب الكراهية والتحريض، وتحليل محتوى النقاشات العامة لتحديد مؤشرات اليأس والغضب بين الشباب. يمكن أيضاً تتبع معدلات التسرب الدراسي والبطالة كدلالات على تدهور الأوضاع النفسية والاجتماعية

4. برامج دعم العاملين في المجال الإنساني: يعتبر العاملون في المجال الإنساني من أكثر الفئات تعرضاً للصدمات النفسية والإرهاق المهني (Burnout) نتيجة عملهم اليومي في ظروف استثنائية ومشاهدتهم المتكررة للمعاناة الإنسانية. يقدم علم نفس الحروب برامج متخصصة لحماية هؤلاء العاملين من “الصدمة الثانوية”، وتزويدهم بمهارات التكيف والرعاية الذاتية، وبناء أنظمة دعم نفسي داخل فرق العمل. تفاصيل إجرائية: توفير جلسات دعم نفسي دورية للعاملين، وورش عمل حول إدارة الإجهاد والوقاية من الإرهاق المهني. تشجيع ثقافة الدعم المتبادل بين الزملاء وتوفير آليات للإبلاغ عن حالات الضيق النفسي دون وصمة (GIZ, 2024).

رابعاً: التأصيل العربي لعلم نفس الحروب: ضرورة ملحة
يمثل كتاب “علم نفس الحروب: تحليل ومعالجة” محاولة جادة لتأصيل هذا الحقل المعرفي في السياق العربي، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن المجتمعات العربية تمتلك خصوصية ثقافية وتاريخية تستوجب أدوات معرفية وتشخيصية وعلاجية تتوافق معها، لا مجرد استيراد نماذج غربية جاهزة. تتجلى أصالة هذه المقاربة في عدة جوانب:

 • الانطلاق من التجربة الحية: استفادة الكتاب من التجربة السورية المباشرة، التي تمثل أحد أكثر النماذج تعقيداً في تاريخ الصراعات الحديثة، حيث تتشابك الحرب الأهلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، والنزوح القسري مع الحصار والتجويع والتدمير، وتفكك مؤسسات الدولة مع تفكك النسيج الاجتماعي.
 • مراعاة الخصوصية الثقافية: تقديم نماذج تدخل تراعي القيم الدينية والاجتماعية العربية، وتستثمر شبكات الدعم التقليدية (كالأسرة والجوار والجماعات الدينية) في عمليات التعافي المجتمعي.
 • الجمع بين النظرية والتطبيق: دمج التحليل النظري العميق مع تقديم أدوات عملية قابلة للتطبيق في الميدان، تستفيد من خبرات عاملين محليين وإقليميين.
 • بناء قاعدة بحثية عربية: توثيق حالات وبيانات من السياق العربي، تشكل نواة لأبحاث مستقبلية، وتسهم في تطوير نظريات عربية في فهم الصراع والتعافي.

خامساً: تحديات ومعوقات
على الرغم من الأهمية الاستراتيجية لعلم نفس الحروب، يواجه هذا الحقل المعرفي الناشئ عدة تحديات على المستويين العربي والعالمي:

ضعف التمويل والاهتمام المؤسسي
 ندرة الكوادر المتخصصة: وغياب برامج تدريبية أكاديمية ومهنية متخصصة في هذا المجال.
 الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض النفسي: مما يحول دون طلب المساعدة والعلاج.
 صعوبة الوصول إلى المجتمعات المتضررة: في مناطق النزاع النشط.
 ضعف التنسيق بين الجهات الفاعلة: في المجال الإنساني والجهات الأكاديمية والحكومية.
 تحديات التوثيق والبحث الميداني: في ظروف الحرب وانعدام الأمان.

خاتمة وتوصيات
يمثل علم نفس الحروب ضرورة استراتيجية للمجتمعات العربية التي عانت وما زالت تعاني من ويلات الحروب والنزاعات. إنه ليس مجرد حقل أكاديمي، بل هو أداة عملية لبناء سلام دائم، وتعزيز الصحة النفسية المجتمعية، وتحويل آلام الماضي إلى طاقة إبداعية لبناء مستقبل أكثر إنسانية وأماناً. لتحقيق هذه الغاية، أوصي بما يلي:

  • إنشاء مراكز بحثية متخصصة في علم نفس الحروب بالجامعات العربية: تمول برامج بحثية طويلة الأمد تركز على دراسة الآثار النفسية والاجتماعية للنزاعات في السياق العربي، وتطوير نماذج تدخل مبتكرة.

تفاصيل إجرائية: تخصيص ميزانيات بحثية لدعم الدراسات الميدانية، وإنشاء شراكات مع منظمات دولية ومحلية لتبادل الخبرات والبيانات.

  • تطوير برامج تدريبية أكاديمية ومهنية (دبلوم، ماجستير، دكتوراه) في هذا التخصص: لتأهيل كوادر متخصصة قادرة على العمل في سياقات الصراع وما بعده. تفاصيل إجرائية: تصميم مناهج دراسية شاملة تتضمن الجوانب النظرية والعملية، وتوفير فرص تدريب ميداني في مناطق النزاع، مع التركيز على الجوانب الثقافية والأخلاقية للتدخل.
  •  بناء شبكات عربية للباحثين والممارسين: لتبادل الخبرات والمعرفة، وتعزيز التعاون البحثي والميداني.

تفاصيل إجرائية: تنظيم مؤتمرات وورش عمل دورية، وإنشاء منصات إلكترونية لتبادل الموارد والأدوات، وتسهيل التواصل بين المتخصصين في المنطقة.

  • إدراج مفاهيم علم نفس الحروب في مناهج التعليم العالي وبرامج تدريب العاملين في المجال الإنساني والأمني: لزيادة الوعي بأهمية الصحة النفسية في سياقات الأزمات.

تفاصيل إجرائية: تطوير وحدات دراسية حول الصدمة النفسية الجماعية وآليات التعافي، ودمجها في برامج كليات الطب والعلوم الاجتماعية والخدمة الاجتماعية. تقديم دورات تدريبية متخصصة للعاملين في الخطوط الأمامية حول الإسعاف النفسي الأولي والدعم النفسي.

  •  إطلاق مبادرات توعوية مجتمعية لمكافحة الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي: وتعزيز ثقافة طلب المساعدة.

تفاصيل إجرائية: استخدام حملات إعلامية متعددة الوسائط (تلفزيون، راديو، وسائل تواصل اجتماعي) لنشر الوعي، وتنظيم فعاليات مجتمعية وورش عمل لكسر حاجز الصمت حول قضايا الصحة النفسية.

  •  تطوير أدوات تشخيصية وعلاجية متوافقة ثقافياً مع السياقات العربية: لضمان فعالية التدخلات.

تفاصيل إجرائية: إجراء دراسات بحثية لتكييف وتطوير المقاييس النفسية لتناسب الثقافة العربية، وتطوير بروتوكولات علاجية تستند إلى القيم والمعتقدات المحلية.

  • لاستثمار في برامج الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي ضمن خطط إعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاع: لضمان تعافٍ شامل ومستدام. تفاصيل إجرائية: تخصيص جزء من ميزانيات إعادة الإعمار لبرامج الصحة النفسية، ودمج الدعم النفسي الاجتماعي في جميع المشاريع التنموية، مثل بناء المدارس والمراكز الصحية والمساحات المجتمعية.

يبقى السؤال الأهم: هل نمتلك تلك الإرادة لتحويل المعاناة الإنسانية الهائلة في منطقتنا إلى مصدر للأمل والمعرفة وبناء مستقبل أفضل؟ علم نفس الحروب يقدم الإجابة: نعم، إذا استثمرنا في فهم الإنسان قبل إعادة بناء الحجر.

المراجع

Albelbeisi AH, Hajizadeh A, Al-Zeer AM, Saeidpour J, Kakemam E. Prevalence and associated factors of mental health disorders among internally displaced persons in Gaza. East Mediterr Health J. 2025 Mar 3;31(2):81-88. doi: 10.26719/2025.31.2.81. PMID: 40116260. https://doi.org/10.26719/2025.31.2.81

Volkan, V. D. (2001). Transgenerational transmissions and chosen traumas: An aspect of large-group identity. Group Analysis, 34(1), 79–97. https://doi.org/10.1177/05333160122077730

WHO. (2025). Strengthening mental health and psychosocial support in all stages of emergencie https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/mental-health-in-emergencies

GIZ. (2024). Guiding Framework for Mental Health and Psychosocial Support. https://www.giz.de/de/downloads/giz2024-ar-guiding-framework-mhpss-development-cooperation.pdf

عياش، علي، . (2024). علم نفس الحروب: تحليل ومعالجة. مكتبة نور.

Facebook
Twitter
WhatsApp