رفاق من نوع آخر: الأشخاص الذين يفضلون تربية حيوان أليف والتقليل من العلاقات الاجتماعية.

يعيش الإنسان بطبيعته في مجتمع مكون من جماعات وكل منها ينقسم إلى مجموعات أصغر، ومنها الأهل والعمل والدراسة والأصدقاء والحي، وغيرها.

تربط بين أفرادها علاقات متفاوتة بين كل فرد وآخر، ومع أن الحاجة إلى العلاقات الاجتماعية تعد جانبًا أساسيًا في حياة الإنسان، فإن الأفراد يختلفون في مقدار حاجتهم إلى القرب من الآخرين وفي الطريقة التي يشبعون بها حاجاتهم إلى الألفة والاهتمام والانتماء، ومن هنا قد تحتل العلاقة بالحيوان الأليف مساحة كان يشغلها سابقًا الأصدقاء أو الأقارب أو غيرهم من البشر

وفي ظل التدفق الرقمي والمحتوى الذي يشجع على الفردانية والعيش وحيداً وتوفر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح التواصل أسرع وأسهل بكثير، إذ يمكن الوصول والابتعاد عن الآخر بل بناء وإنهاء علاقة خلال لحظات قليلة، مما قلل من عمق العلاقات البشرية وجعلها أكثر سطحية وهشة في مواجهة تحدياتها، ودفع بعض الناس ليستعيض بكائنات أخرى أكثر لطفاً وأقل إيذاءً.

لا يعني ذلك بالضرورة أن امتلاك حيوان أليف يقود إلى ضعف العلاقات الاجتماعية، وإنما تبرز المسألة عندما يصبح الحيوان بديلاً مقصودًا عن التواصل الإنساني؛ فيجد الفرد في العلاقة معه قدرًا من الأمان لا يجده في علاقاته بالبشر، فالحيوان لا ينتقد صاحبه، ولا يدخل معه في صراعات اجتماعية معقدة، ولا يحمّله أعباء التوقعات المتبادلة التي تصاحب كثيرًا من العلاقات الإنسانية، ولذلك قد تبدو هذه العلاقة لبعض الأشخاص أبسط وأكثر أمانًا.

وقد رغب البشر منذ زمن طويل في تربية حيوانات أليفة في منازلهم، مثل القطط والكلاب والطيور، إذ إن طبيعة الإنسان تدفعه للاهتمام بهذه الكائنات الصغيرة وشكلها الجميل وسلوكها المحبب للبشر، لا سيما أنها غير مؤذية رغم أنها تحتاج إلى بعض الجهد من الرعاية والتغذية، إضافة إلى أن بعضها يقدم خدمات بسيطة لصاحبها مثل الكلاب التي تستجيب لأوامر مالكها كإحضار غرض ما أو اللعب والجلوس وإصدار الأصوات وغيرها.

لكن ما يلفت الانتباه ليس وجود الحيوان في المنزل أو الاهتمام به، وإنما طبيعة المكانة النفسية التي يشغلها في حياة صاحبه، فهناك فرق بين شخص يربي حيوانًا أليفًا إلى جانب العلاقات الأسرية والاجتماعية، وبين شخص تصبح علاقته بالحيوان مصدره الأساسي للصحبة والاهتمام والتعبير عن المشاعر، بينما تتراجع في المقابل علاقاته الاجتماعية أو رغبته في تكوينه.

مثّلت هذه العلاقة بين الحيوانات الأليفة والبشر دعماً عاطفيًا لدى بعض الناس، ونرى ذلك بكثرة في المجتمعات الأوروبية، إذ يقوم الكثير من الأوروبيين بتربية حيوان أليف بل والعيش معه منفرداً إلى نهاية حياته، وذلك لافتقارهم إلى العلاقات الاجتماعية السوية مع القريب والبعيد.

وقد يكون الأدق النظر إلى هذه الظاهرة في إطار تغير نمط الحياة الحديثة، وتراجع بعض أشكال التواصل الأسري المباشر، وليس باعتبار امتلاك الحيوانات الأليفة دليلاً على افتقار الفرد إلى علاقات اجتماعية سوية.

وهذا ما بدأنا نراه في مجتمعاتنا العربية واتخذ بعض الناس من هذه الكائنات الأليفة محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر دخل مادي وشهرة، وأصبح هناك صفحات ومجتمعات كبيرة تضم المربين ويتبادلون فيها خبرات الرعاية والتبني وغيرها، ونجد أن بعض المنشورات تلقى تفاعلاً واسعا وتعاطفاً شديداً مع هذه الكائنات خاصة المصاب منها أو المشردة وهو ما قد يفوق بأضعاف التعاطف مع الحالات المأساوية البشريّة.

ويثير هذا التحول تساؤلاً يتجاوز محبة الحيوانات: لماذا يشعر بعض الأشخاص بسهولة أكبر في منح مشاعرهم ووقتهم وتعاطفهم لكائن أليف، في حين تصبح علاقاتهم بالبشر محدودة أو مرهقة بالنسبة إليهم؟ قد يكمن جزء من الإجابة في بساطة العلاقة بالحيوان مقارنة بالعلاقة الإنسانية؛ فالعلاقات البشرية تقوم على الحوار والتفاوض والاختلاف وتحمل المسؤولية المتبادلة، بينما تمنح العلاقة بالحيوان شعورًا بالقرب والقبول من دون الدرجة نفسها من التعقيد أو احتمال الرفض، وقد يلجأ بعض الأفراد، بعد المرور بخبرات من الخذلان أو الصراع أو الفقد أو العلاقات المرهقة، إلى تقليل انخراطهم الاجتماعي والبحث عن علاقة يشعرون داخلها بقدر أكبر من السيطرة والأمان.

تبيّن من خلال الفحوصات المخبريّة أن هرمون الكورتيزول الذي يفرزه الدماغ أثناء التوّتر ينخفض بمعدل ملحوظ لدى أصحاب الحيوانات الأليفة، وهؤلاء يحتفظون بنسب مرتفعة لهرمون الأوكسيتوسين، وهو الهرمون الذي يؤمن الترابط العاطفي. (فرح، 2015)

وهذه الآثار الإيجابية تساعد على فهم القوة التي قد تكتسبها العلاقة بالحيوان الأليف؛ إذ يتعلق الأمر بما قد يصاحب وجوده من شعور بالطمأنينة والراحة، ومع تكرار هذه الخبرة قد يصبح الحيوان مصدرًا ثابتًا للإشباع العاطفي، ولا سيما لدى الشخص الذي لا يجد هذا الشعور بالسهولة نفسها في علاقاته الاجتماعية.

ومن هنا تظهر الطبيعة العميقة لهذه الرابطة؛ فبالنسبة إلى بعض الأشخاص يصبح الحيوان رفيقًا ومصدرًا للطمأنينة، وقد تُبنى حوله عادات ومشاعر ومسؤوليات تجعل فقدانه شبيهًا بفقد علاقة مهمة، وهو ما يفسر شدة الحزن التي قد ترافق موته.

ويصرح أغلب المربين للحيوانات الأليفة عن تعلقهم بحيوانهم وقلقهم حول إصابته بمكروه، وخوفهم الشديد من فقدانه، ويصف بعضهم أن حيوانهم الأليف بالنسبة لهم هو بمثابة طفل من أطفالهم، وهذا ما يظهره انهيارهم العاطفي والحداد الذي يمرون به عند موت حيوانهم، ويذكر المختص النفسي أحمد حمشو أن المجتمع في بعض الأحيان لا يسمح للشخص بالتعبير عن حزنه تجاه الحيوان الأليف وهنا يكون الحزن المحروم من حق التعبير عنه.

لا تقتصر علاقة الفرد في حياته على البشر وتمتد إلى كل ما يحيط به، ومن ثَمّ قد يصحبه في منزله أو في مكان عمله حيوان أليف، كقطة أو عصفور ونحو ذلك، ويكون هذا الحيوان الأليف جزءًا من حياته، وعند موته ربما لا يستطيع الفرد الإفصاح عن حزنه؛ لأن المجتمع لا يعترف بهذه الخسارة أو يقلل قيمتها. (حمشو، 2025)

وفي النهاية يبرز التساؤل: لماذا أصبح التعامل مع الحيوان بالنسبة إلى بعض الأشخاص أكثر راحة وأمانًا من التعامل مع الإنسان؟

المراجع:
حمشو، أحمد. (2025، شباط 10). الحزن المحروم من حق التعبير عنه (Disenfranchised grief). مجلة ريزيلينس للصحة النفسية والتنمية المجتمعية. استُرجع في 1 آب 2026، من https://resiliencejournal.net/الصحة-النفسية/الحزن-المحروم-من-حق-التعبير-عنه/
فرح، غريس. (2015). الإنسان والحيوانات الأليفة: علاقة لها أسرارها. مجلة الجيش اللبناني، (361). https://2u.pw/Pm8kja

Facebook
Twitter
WhatsApp