توكيد الذات

هل تشعر أنك لا تستطيع التعبير عن ذاتك مخافة رفض الآخرين لك؟ هل تشعر أنك تتصرف وفقاً لما يريده الآخرون منك؟ هل يتملكك الضعف حين تريد أخذ حقك في شتى المواقف الاجتماعية؟ كل هذه المشكلات تدور حول مهارة تسمى “توكيد الذات”.

تساعد هذه المقالة على معرفة مفهوم توكيد الذات وأهميته، وأبرز المهارات التي يتمتع بها الشخص المؤكد لذاته، ثم الانتقال إلى مجموعة من الخطوات العملية التي يمكن التدرب عليها تدريجيًا.

مفهوم توكيد الذات

 معنى “التوكيد” في اللغة العربية يأتي من التأكيد، والتقرير، والتوثيق. ومفهوم “توكيد الذات” اصطلاحاً عرّفه عبد العظيم (2008) على أنه قدرة الفرد على التعبير المناسب لفظياً وسلوكياً عن مشاعره وأفكاره وآرائه ومواقفه تجاه الأفراد والمواقف والمطالبة بحقوقه (كما ورد في المومني، 2021، ص. 122).

كما يعرّف الحزيمي (2017) توكيد الذات على أنه القدرة على أن تفعل وتقول ما تريد، موازناً بين نفسك والآخرين، فتقديم الذات دوما نرجسية وأنانية، وتقديم الآخرين دوما ضعف وذلة، والتوسط بينهما توكيد وقوة (ص. 64).

أهمية توكيد الذات:

وتظهر أهمية وفوائد توكيد الذات في كثير من جوانب الحياة المختلفة، فهذه المهارة لا غنى عنها في كل المواقف الاجتماعية، ومِن إيجابياتها أنها تساعد الفرد على حماية حدوده والدفاع عنها والمطالبة بحقوقه أمام كل من يحاول سلبها، كما يولّد السلوك التوكيدي شعوراً بالراحة النفسية ويمنع الكبت الداخلي وتراكم المشاعر السلبية، كما أنه يمنح الشخص مشاعر التفاؤل والمرح والحيوية، لأنه يجد نشاطه النفسي في التعبير عن ذاته. ويُبعد عنه أمراضاً نفسية كالقلق والاكتئاب والخوف الاجتماعي. السلوك التوكيدي أيضا ينمّي القدرات العقلية، لأن الشخص التوكيدي يستطيع مناقشة الآخرين في آرائهم كما أنه يستطيع الإفصاح عن رأيه وقبول النقد وتلقي المديح والإعجاب وبالتالي هذا يشجعه على إنتاج أفكار جديدة وهذا يرفع من تقديره لذاته وثقته بنفسه، الشخص التوكيدي يكسب ثقة الآخرين واحترامهم، لأن أقواله تُطابق أفعاله، كما يحررنا السلوك التوكيدي من التبعية والرضوخ لمطالب الآخرين التي تعيقنا عن الوصول إلى أهدافنا، أو التي تلحق الضرر بنا من خلال رفض طلباتهم. كما أننا بإظهار السلوك التوكيدي نلهِم الآخرين ليفعلوا بالمثل خاصة الأطفال والمراهقين فهذا يشجّعهم على تنمية هذه المهارة مبكّرا مما يحسن من جودة حياتهم (براك، 2016).  

توكيد الذات لا ينعكس على جانب واحد من شخصية الفرد، ويمتد أثره إلى صحته النفسية، وعلاقاته الاجتماعية، وطريقة نظرته إلى نفسه والآخرين، فكلما كان الشخص أكثر قدرة على التعبير عن احتياجاته ومشاعره وحدوده بصورة واضحة ومتوازنة، أصبح أقل عرضة للكبت والرضوخ، وأكثر قدرة على بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل، كما أن ممارسة السلوك التوكيدي تعزز شعور الفرد بالكفاءة والقدرة على الاختيار، وتساعده على أن يكون أكثر اتساقاً بين ما يشعر به وما يقوله وما يفعله.

بالإضافة إلى أن السلوك التوكيدي يظهر في إبداء المشاعر الإيجابية أيضا كالحب والإعجاب والصداقة فإظهار هذا المشاعر يقوّي العلاقات الاجتماعية ويجعل الشخص الموكّد لذاته سعيداً أكثر، فقد ورد في السيرة النبوية الشريفة:

أَنَّ رجلًا كان عند النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فمر به رجلٌ،

فقال: يا رسولَ اللهِ! إني لأحبّ هذا.

فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أعلمتَه؟

قال: لا!

قال: أعلِمه

قال: فلحقه، فقال: إني أحبُّك في اللهِ،

فقال: أحبَّك الذي أحببتَني له.

مهارات الشخص المؤكد لذاته:

تذكر براك (2016) أن من المهارات التي يستخدمها الشخص التوكيدي ما يأتي:

  1. الوعي بالذات: يعرف الشخص التوكيدي نفسه جيدا، فهو على علم بدوافعه، ومدرك لأهدافه، وما يحيط به من ظروف.
  2. القدرة على مقاومة الضغوط: باستطاعة الشخص التوكيدي أن يقاوم الضغوط التي يمارسها عليه الآخرون.
  3. التعبير عن الذات بطريقة مناسبة: الشخص التوكيدي يبدي رأيه ويظهر مشاعره بوضوح دون خوف أو تردد.
  4. الموضوعية: يتعامل التوكيديون مع المواقف والأحداث كما هي دون تضخيم أو تقليل منها، لذلك غالبا ما تكون ردات فعلهم تجاهها صائبة ومتوازنة.
  5. الثقة بالنفس: الشخص التوكيدي مؤمن بقدراته وإمكانياته، لا يخشى النقد، ولا يقلل من قيمته أمام الآخرين، كما أنه لا يشعر بالخجل في المواقف الاجتماعية.
  6. القدرة على الاتصال: يستطيع الشخص التوكيدي الاتصال بطريقة فعالة مع الآخرين.
  7. المرونة في التفكير والسلوك والبعد عن الاندفاعية.
  8. الاهتمام بالمظهر.
  9. القدرة على التفاوض: الشخص التوكيدي قادر على الوصول لحلول وسطية يرضى بها الطرفين.
  10. القدرة على الإقناع والاقتناع.

يتضح من هذه المهارات أن توكيد الذات لا يقتصر على القدرة على التعبير عن الرأي أو الدفاع عن الحقوق، وإنما يرتبط بمنظومة متكاملة من المهارات الشخصية والاجتماعية التي تساعد الفرد على فهم ذاته، وتنظيم استجاباته، والتواصل مع الآخرين بصورة أكثر توازنًا، فكلما كان الشخص أكثر وعيًا بذاته، وثقةً بقدراته، ومرونةً في تفكيره، أصبح أكثر قدرة على التعبير عن احتياجاته ومشاعره دون خضوع أو اندفاع، وهذه المهارات يدعم بعضها بعضاً؛ فالوعي بالذات يساعد على تحديد ما نريده، والثقة بالنفس تمنحنا القدرة على التعبير عنه، في حين تساعدنا مهارات الاتصال والتفاوض والمرونة على إيصال ما نريد بطريقة تحافظ على حقوقنا وتحترم حقوق الآخرينـ ومن هنا يمكن النظر إلى توكيد الذات بوصفه أسلوبًا متوازنًا في التعامل مع الذات والآخرين.

خطوات عملية لتنمية مهارة توكيد الذات:

غالبا ما تُكتسب مهارات توكيد الذات من التربية، فالطفل الذي نشأ في أسرة تشجّع على التعبير عن الذات والإفصاح عن المشاعر، وتقلل من الانتقادات، وتدعم سلوكات الطفل الإيجابية، وتعلمه الاعتماد على نفسه يكون واثقا بنفسه وبقدراته ويحمل مهارات توكيد الذات. ولا شك بأن هذه المهارات يمكن تطويرها وتعلمها، ولو لم يكن هناك دعم من الأسرة في مرحلة الطفولة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: “إنما العلم بالتعلّم، وإنما الحِلم بالتحلّم”.

هنا ستُعرض خطوات عملية لتوكيد الذات وإن كانت هذه المهارة منخفضة فلا بد من البدأ بمهارة بسيطة تناسب الشخص ومن ثم التدرج بالصعوبة شيئاً فشيئاً، ولا بد أيضاً من مكافأة النفس على كل نجاح صغير لتشجيعها على التطور في كل مهارة باستمرار.

يعرض إبراهيم (2008) 4 خطوات عملية تساعد الفرد على تنمية مهارة توكيد الذات وتتلخص فيما يأتي:

الخطوة الأولى: تقييم الذات وتحديد مواقف الضعف

اختر أربعة أو خمسة من المواقف التي تعبر عن ضعف مهاراتك الاجتماعية في التعبير عن مشاعرك وافتقارك لتأكيد الذات وضعها في قائمة مستقلة وتأكد من مطابقة الشروط الآتية عليها.

1.أن تكون المواقف التي اخترتها من المواقف التي تجد صعوبة في الوقت الحالي في التعامل فيها بثقة وتوكيد.

2.أن يحدث الموقف بطريقة منظمة ومتكررة.

3. أن تصف الموقف بطريقة متوازنة بحيث لا يكون عاماً جداً أو نوعياً جداً.

4. أن يمثل الموقف مشكلة فعلية تعاني منها.

5. أن تغطي المواقف التي اخترتها مجالات متنوعة كالبيت والعمل.

الخطوة الثانية: مراقبة الذات

حدّد باستخدام مقياس يتراوح من 0 إلى 10 لكل موقف اخترته؛ درجة شعورك بالراحة في التعبير عن السلوك التوكيدي، كذلك على نفس المقياس حدد درجة ما اكتسبته من مهارة في التنفيذ الملائم للموقف في كل مرة حدث فيها.

الخطوة الثالثة: ممارسة السلوك الجديد بطريق التخيل

بعد مرور أسبوع من المراقبة الذاتية، يمكن تطبيق الممارسة التخيلية للسلوك التوكيدي. تبدأ جلسات التخيل بتركيز الذهن على موقف أو موقفين على الأكثر من المواقف التي اخترتها في الخطوة الأولى ولتبدأ من المواقف السهلة التي لا يصعب عليك مواجهتها توكيدياً وتستغرق هذه الجلسات ما يقارب 15 دقيقة كل يوم، ويتطلب التدريب على التخيل وتكوين الصورة الذهنية أن تغلق عينيك، وتجلس مسترخ في مكان هادئ، وأن تتخيل المشهد التي تحدث فيه مشكلة التواصل الاجتماعي.

كوّن صورة حية في مخيلتك للموقف، تخيل مشهداً يشمل كل الحاضرين فيه، ما يقوله كل واحد منهم وما يفعله، وسَير الأحداث إلى اللحظة التي تتطلب منك أن تمارس السلوك التوكيدي بشكل ملائم، عندئذ تخيل سلوكك في هذا المشهد، ما ستقوله وما ستفعله بصورة جيدة ترضى فيها عن نفسك، ثم تخيل نتيجة تصرفك بشكل إيجابي، أعد بعد ذلك نفس المشهد من جديد، إلى أن تجد نفسك خالياً من التوتر عند تصرفك التوكيدي للموقف.

الخطوة الرابعة: الممارسة الفعلية في مواقف حية واقعية

بعد أسبوع من الممارسة التخيلية، يتم بعدها الانتقال إلى الممارسة الفعلية، ربما تكون البداية ليست بالقوة التي تخيلتها وخططت لها، وهذا طبيعي، ومع الاستمرار في الممارسة سيتحول السلوك التوكيدي إلى عادة ثابتة غير مصطنعة كما في البدايات.

وبعد مرور أسبوعين من الممارسة الفعلية يتطلب منك أن ترجع للاستمارة الأولى لمراقبة الذات لكي تحدد عليها من جديد مدى التقدم ومدى شعورك بالراحة بالنسبة لمواقف الممارسة التي اخترتها، وما عليك إلا أن تستمر بنفس المنطلق والتدريب على بقية المواقف التي وضعتها في القائمة. (ص.73- 80)

أضيف أن خوفنا من قول “لا” أو الرفض مفهوم تماماً، لأننا نعتقد أن قوة الشخصية في قول “لا” بصرامة، دون مراعاة لشعور الآخر، وهذا خاطئ، لأنه كفيل بأن يجعل منا أشخاص منفّرين، يخشى الناس الاقتراب منا خوفاً من رفضنا لطلباتهم أو عروضهم، كما أننا نخشى أيضاً أن نعامَل بنفس الأسلوب فنثبّط من قول “لا”، لذلك لا مانع من قول “لا” بلطافة مع تبرير العذر، أو مع عرض اقتراح بديل، أو مع “لا” تصاحبها جملة تقدير، هذا سيخفف من قلق قول كلمة “لا” ولن يفقدنا جودة التواصل في علاقاتنا الاجتماعية.

وقد يساعدنا قبل الموافقة على أي طلب أن نسأل أنفسنا: هل أريد فعل ذلك فعلاً؟ وهل أستطيع القيام به دون أن يكون على حساب احتياجاتي أو التزاماتي؟ فإذا كانت الإجابة “لا”، فمن حقنا أن نعبّر عنها دون شعور مبالغ فيه بالذنب. فالتوكيد الحقيقي لا يقوم على إرضاء الآخرين دائماً، ولا على رفضهم دائماً، وإنما على اتخاذ موقف متوازن يراعي حقوقنا وحقوقهم في الوقت نفسه.

وفي الختام أقول إن أكثر ما يجعلنا نكتم مشاعرنا وأفكارنا هو مخافة رفض الآخرين لنا، ولو أننا فكرنا اً كيف أننا نتقبل الآخرين ونرحّب بأفكارهم دائماً، لأعطينا الحق لأنفسنا بأن نُقبل نحن أيضاً، لذلك في المرة القادمة عند التعبير عن المشاعر أو الأفكار لا داعي بالمبالغة بالتفكير بكيف ستكون ردة فعل الآخرين، يكفي أن نعطي أنفسنا الأولوية ونفكّر بكيف سيكون تأثير ذلك علينا.

ومن المهم أن نتذكر أن توكيد الذات لا يعني أن ننجح في التعبير عن أنفسنا بالطريقة المثالية في كل موقف، ولا أن نتخلص تماماً من التردد أو القلق قبل أن نتكلم، فقد نشعر أحيانًا بالخوف ونحن نضع حدودًا للآخرين، أو بالذنب عندما نرفض طلبًا، أو بالتردد عندما نعبّر عن رأي يخالف آراء من حولنا، خاصة إذا اعتدنا لفترة طويلة على الصمت أو المجاملة على حساب أنفسنا؛ المهم أن نبدأ بالتدرب في المواقف البسيطة، وأن نلاحظ ما نشعر به وما نقوله وكيف يستجيب الآخرون، ثم نطوّر أسلوبنا تدريجيًا، فالتوكيد ليس موقفاً واحداً ننجح فيه أو نفشل، وإنما مهارة تنمو مع الممارسة، وكل موقف نعبّر فيه عن أنفسنا بوضوح واحترام هو خطوة نحو علاقة أكثر توازنًا مع ذواتنا ومع الآخرين.

المراجع:

إبراهيم، عبد الستار. (2008). إنه من حقك يا أخي! دليل في العلاج السلوكي المعرفي لتنمية التوكيدية ومهارات الحياة الاجتماعية. دار الكاتب.

براك، صليحة. (2016). توكيد الذات وأهميته في حياتنا اليومية. مجلة معارف. 11(21)، 8-24.

الحزيمي، ياسر. (2017). الشخصية القوية. (ط.2) وكالة براتك.

المومني، محمد علي، الخطيب، فريال يوسف، والبشايرة، محمود إبراهيم. (2021). علاقة توكيد الذات بالأمن النفسي والذكاء الانفعالي لدى عينة من طلبة مرحلة المراهقة المتوسطة في شمال الأردن. مجلة العلوم التربوية والنفسية. 5(30)، 119-146  https://doi.org/10.26389/AJSRP.M030221

Facebook
Twitter
WhatsApp