تخيّل أنكَ تسيرُ في شارعٍ مزدحم، وتسألُ كلَّ مَن تقابله: “لماذا تستيقظُ كلَّ صباحٍ وتقضيَ ثماني ساعاتٍ (أو أكثر) في عملٍ قد لا يُعبِّر عنكَ، لتستلمَ في آخر الشهرِ مبلغاً من المالِ يذهبُ أغلبُه لدفعِ ديونٍ وشراءِ حاجاتٍ صُنِّعت لكَ قبلَ أن تُدركَ أنكَ بحاجةٍ إليها؟”
الأرجحُ أن أغلبَ الإجاباتِ ستتراوحُ بين: “هذه هي الحياة”، “ليس لدي خيار”، أو “الجميعُ يفعلُ ذلك”. وهنا يكمنُ جوهرُ الاحتيالِ الأعظم: ليسَ في أننا نعمل، أننا صدَّقنا أن هذا النمطَ الواحدَ من العملِ هو النظام الطبيعي للوجود، وأن أيَّ تساؤلٍ حوله هو ترفٌ فكريٌّ أو تنصلٌ من “حسِّ المسؤولية” (Schor, 1992).
في هذا المقال، سأقرأُ هذه الظاهرةَ بعيونِ علمِ النفسِ الاجتماعيّ، مستنداً إلى أبحاثٍ ونظرياتٍ تُبيِّن كيفَ يُقنِّعُ المجتمعُ الحديثُ استعبادَ الوقتِ برداءٍ من “الطبيعيّ” و”الحتميّ”.
أولاً: خديعة الحتمية – “العجزُ المتعلّم” الاجتماعي
يُعرّف عالمُ النفسِ مارتن سيليغمان (Seligman, 1975) ظاهرةً سمّاها “العجز المتعلّم” (Learned Helplessness): حينَ يتعرّضُ الكائن الحي لصعقاتٍ كهربائيةٍ متكررةٍ لا يستطيعُ تفاديها، يتوقفُ في النهاية عن محاولةِ الهروبِ حتى لو أُتيحتْ له الفرصة؛ يتعلّمُ أنهُ عاجزٌ، فيستسلم.
ما يحدثُ في بنيتنا الاقتصاديةِ ليسَ بعيداً عن هذا. عبرَ أجيالٍ متلاحقة من الثورةِ الصناعيةِ إلى عصرِ الرأسماليةِ المُتأخّرة، تكرّرتْ علينا الأزمات الاقتصاديةُ (الركود، البطالة، الفقر المُدقع لمن يخرجُ عن النظام)، حتى صرنا نؤمنُ بأنَّ الخروجَ من دائرةِ العملِ المُؤَجَّرِ مستحيلٌ (Hochschild, 1997). ليسَ هذا قانوناً طبيعياً، هو اتفاقٌ اجتماعيٌّ نجدّدهُ يومياً؛ لأننا صرنا نخشى أنَّ السؤالَ عنه أخطرُ من الامتثالِ له.
يُفسّرُ عالما النفسِ جون جست وبناجي (Jost & Banaji, 1994) هذا عبر “نظريةِ تبريرِ النظام” (System Justification Theory): يُدركُ الفرد أنهُ يتألّم، لكنّهُ يُبرّرُ ألَمَهُ وينسبُهُ إلى “الضرورة” أو “النضج”، بدلاً من أن يُدركَ أنهُ نتيجةٌ لترتيبٍ اقتصاديٍّ اختياريٍّ يخدمُ مصالحَ فئةٍ على حسابِ فئة.
ثانياً: احتلالُ الزمن – حينَ يُصبحُ الجسدُ عدوّاً للنظام
من منظورِ علمِ النفسِ العصبيِّ، يعملُ دماغُ الإنسانِ بإيقاعٍ بيولوجيٍّ (الساعةُ الداخلية أو Circadian Rhythm) يُحسِّنُ الإبداعَ والتركيزَ في أوقاتٍ مُحدّدةٍ من اليوم. لكنّ النظامَ الاقتصاديّ الحديثَ فرضَ علينا “الزمنَ المُوحَّد” (Unified Time)؛ ساعاتُ عملٍ جامدةٍ (8 إلى 5) لا تحترم التباينَ البيولوجي للبشر.
تُشيرُ عالمةُ الاجتماعِ أرلي راسل هوتشيلد (Hochschild, 1997) في كتابِها “The Time Bind” إلى أنَّ الضغطَ المستمرَّ على الوقتِ في العملِ المُعاصرِ يُحدثُ تغيّراتٍ في الدماغِ والعلاقاتِ الاجتماعيةِ تشبه تلكَ الناتجةَ عن الفقرِ الماديّ: تقلّصٌ في القدرةِ على التخطيطِ طويلِ المدى، وزيادةٌ في الاستجاباتِ الانفعالية (Impulsive reactions). بكلماتٍ أخرى: حينَ يُسرَقُ وقتُكَ، يُصبحُ تفكيرُكَ قصيرَ النظرٍ، وبالتالي تقلُّ رغبتُكَ في تغييرِ النظامِ نفسِه (Perlow, 1999).
والأخطرُ أنّنا أُقنعنا بأنَّ هذا الاحتلالَ للزمنِ هو “انضباطٌ ذاتيّ” (Self-Discipline). فنُكافئُ أنفسَنا على خرقِ إيقاعِنا البيولوجيّ، ونُصنّفُ من لا يستطيعُ ذلكَ بأنهُ “كسولٌ” أو “غيرُ ناضجٍ” — وهو ما يُسمّيهُ عالمُ الاجتماع ريتشارد سينيت (Sennett, 1998) “تآكلَ الشخصيةِ تحتَ ضغطِ العملِ المُتسارع”.
ثالثاً: السعادةُ المُصنَّعة – “عجلة اللذة“
في تجربةٍ شهيرةٍ عام 1978، وجدَ بريكمان وآخرون (Brickman, Coates, & Janoff-Bulman, 1978) أنَّ الفائزينَ باليانصيبِ والمصابينَ بشللٍ رباعيٍّ يعودونَ إلى مستوى سعادتِهمِ الأساسيّ بعدَ ستةِ أشهرٍ فقط. هذا ما يُسمّى “عجلة اللذة” (Hedonic Treadmill): مهما ركضتَ نحوَ السعادةِ المادية، تبقى في مكانِك.
لكنّ النظامَ الاقتصاديّ يُحتّلُ هذه الآليةَ النفسيةَ: يُصنّعُ حاجاتٍ جديدةً (هاتفٌ أحدث، سيارةٌ أكبر، سفرٌ “للاسترخاء” من العملِ نفسِهِ) ويُسوّقُها كـ”سعادة”. ونحنُ نشتريها بأموالٍ نكتسبُها من العملِ الذي يستنزفنا، لنُعيدَ شراءَ “شرائح صغيرة من الحرية” التي وهبناها للنظامِ في المقامِ الأول.
هذا ليسَ “اختياراً حراً”؛ هو تكيّفٌ نفسيٌّ مع الاستغلال. يُسمّيهُ عالمُ النفسِ تيم كاسر (Kasser, 2002) في كتابِهِ “The High Price of Materialism” بـ “الاستبدالَ النفسيّ”: حينَ تُصابُ روحُ الإنسانِ بجُرحٍ جراء استغلالِ وقتِهِ، يُحاولُ شفاءَهُ باستهلاكٍ ماديٍّ، فيتفاقم الجُرحُ. وجدَ كاسر في دراساتِهِ الطوليةِ أنَّ الأفرادَ الذين يُعطونَ الأولويةَ للمكاسبِ الماديةِ على حسابِ الحاجاتِ النفسيةِ الأساسية (الاستقلالية، الترابط، الكفاءة) يُعانونَ من اضطراباتٍ نفسيةٍ وأعراضٍ اكتئابيةٍ بمعدلاتٍ أعلى.
رابعاً: الإنتاجيةُ = القيمة – “الهويةُ الأدائية“
في نظريةِ “تحديدِ الذات” (Self-Determination Theory) لدى ديسي وراين (Deci & Ryan, 2000)، هناكَ ثلاثُ حاجاتٍ نفسيةٍ أساسيةٍ لازدهارِ الإنسان: الاستقلالية (Autonomy)، والكفاءة (Competence)، والترابط (Relatedness).
لكنّ النظامَ الحديثَ استبدلَ هذه الحاجاتِ الثلاثَ بحاجةٍ واحدةٍ مُصطنعة: الإنتاجية. صرنا نُعرّفُ أنفسَنا بما “نُنجزُه” لا بما “نَكونُه”. “أنا طبيب”، “أنا موظفٌ في منظمةٍ دولية”، “أنا رائدُ أعمال” – هذه ليست أوصافاً وظيفيةً فحسب، هي هوياتٌ أدائية (Performative Identities).
والنتيجةُ خطيرة: الخوفُ من “اللاّشيء”. حينَ تتوقفُ عن الإنتاجِ (عطلة، إجازة، بطالة)، تتآكلُ هويتُكَ. هذا ما يُسمّيهُ عالمُ اللاهوتِ والفلسفة بول تيليخ (Tillich, 1952) “قلق الخواء والمحو” (Anxiety of Emptiness and Non-being): الرعبُ من أنْ تكونَ بلا قيمةٍ إنتاجية.
وهكذا نُصبحُ أسرى “الانشغالِ المُقدَّس” (Sacred Busyness)؛ نتباهى بأنَّنا “مشغولون” كما لو كانَ الانشغالُ مَركَبَةً نحوَ الجنة، بينما هو في الواقعِ آليةُ دفاعٍ نفسيةٍ (Defense Mechanism) ضدَ مواجهةِ السؤالِ الأصليّ: “ماذا لو كانَ كلُّ هذا غيرَ ضروريٍّ؟”
خامساً: الدينُ الجديد – “الأخلاقيةُ الإنتاجية“
يُلاحظُ عالمُ الاجتماعِ ماكس فيبر (Weber, 1902/2002) في كتابِهِ “الأخلاقيةُ البروتستانتية وروحُ الرأسمالية” كيفَ تمَّ ربطُ “العملَ الجادَّ” بالفضيلةِ الدينية في الغرب. لكنّ ما يحدثُ اليومَ أكثر تعقيداً: لقد تحوّلَ العملُ المُؤَجَّرُ إلى “نسق عقائدي إنتاجي” يملكُ رسلَهُ (روادَ الأعمال)، وكتبهَ المقدسةَ (كتبَ الإنتاجية)، وخطاياهُ (الكسلُ، “التسويف”).
والأخطرُ أنّ هذا الدينَ يُشرّعُ الشعورَ بالعارِ (Shame) لمن يخرجُ عنه. حينَ تقولُ امرأةٌ مُتعبةٌ إنها “تفكّرُ بالانفصال” عن بيئةٍ تستنزفُها، يُجيبها المجتمعُ: “اصبري”، “تكيّفي”، “كوني قوية”. هذه ليست نصائح حكمة، هي أدواتُ سيطرةٍ نفسيةٍ تُحوّلُ الضحيةَ إلى مُتهمةٍ بـ”ضعفِها”، وتُبرّرُ للقائمينَ على النظامِ الاستمرارَ في استغلالِها.
سادساً: لماذا نستمرُّ في التجديد؟
السؤالُ الأخيرُ هو: لماذا نجدّدُ هذا الاتفاقَ يومياً؟ الإجابةُ في علمِ النفسِ الاجتماعيِّ تكمنُ في “تأثيرِ المجموعةِ المرجعية” (Reference Group Effect) و “الضغطِ الجماعيّ”. نُجدّدُ الاتفاقَ لأنَّ الجميعَ يُجدّدُه. وقد أثبتَ سولومون آش (Asch, 1951) في تجارِبِهِ الكلاسيكيةِ أنَّ الإنسانَ يُضحّيُ بإدراكِهِ الحسيِّ لينسجمَ معَ المجموعة، حتى حينَ تكونُ الحقيقةُ واضحةً.
والخروج عنه يعني “الخطرَ الاجتماعيّ” (Social Risk): فقدانَ الأصدقاء، العزلةَ، الوصمةَ. وهكذا يتحوّلُ “القفصُ” إلى “سماء”. نُحاربُ من أجلِ بقائِنا داخلَ النظامِ، ونُسمّي هذا “النجاحَ”، ونرى في الخارجِ “الفوضى” أو “الفشلَ” (Jost, Banaji, & Nosek, 2004).
نحوَ “الوعيِ الناقدّ” والتدفق
ليسَ هذا المقالُ دعوةً للتوقفِ عن العمل، إنه دعوةٌ لـ “إعادةِ ملكيةِ الوقت”. علمُ النفسِ الإيجابيِّ يُثبتُ أنَّ السعادةَ الحقيقيةَ لا تأتي من “الإنتاجيةِ القصوى” إنما تأتي من “التدفق” (Flow) – تلكَ الحالةِ التي تندمجُ فيها معَ عملٍ تختارُهُ أنتَ، لا يُفرضُهُ عليكَ نظامٌ خارجيّ (Csikszentmihalyi, 1990).
الاحتيالُ الأكبرُ ليسَ في أننا نعمل، لكن في فقدنا القدرةَ على تخيُّرِ عدمِ العملِ بهذه الطريقة. والخطوةُ الأولى للخروجِ من الاحتيالِ هي تسميتِهِ باسمِه: هذا ليسَ حتميةً، هو ترتيبٌ اقتصاديٌّ واحدٌ بينَ ترتيباتٍ كثيرة. والسؤالُ ليسَ “هل أستطيعُ العيشَ بدونه؟” بل “ماذا سأكونُ حينَ أتوقفُ عن خداعِ نفسي؟”
“إنَّ أقسىَ أنواعِ السجونِ سجناً، ذلك الذي يُقنعُ سجينَهُ بأنَّ قضبانَهُ هي أعمدةُ السماء.”
قائمة المراجع
- Asch, S. E. (1951). Effects of group pressure upon the modification and distortion of judgment. In H. Guetzkow (Ed.), Groups, leadership and men (pp. 177-190). Carnegie Press.
- Brickman, P., Coates, D., & Janoff-Bulman, R. (1978). Lottery winners and accident victims: Is happiness relative? Journal of Personality and Social Psychology, 36(8), 917-927.
- Csikszentmihalyi, M. (1990). Flow: The psychology of optimal experience. Harper & Row.
- Deci, E. L., & Ryan, R. M. (2000). The “what” and “why” of goal pursuits: Human needs and the self-determination of behavior. Psychological Inquiry, 11(4), 227-268.
- Hochschild, A. R. (1997). The time bind: When work becomes home and home becomes work. Metropolitan Books.
- Jost, J. T., & Banaji, M. R. (1994). The role of stereotyping in system-justification and the production of false consciousness. British Journal of Social Psychology, 33(1), 1-27.
- Jost, J. T., Banaji, M. R., & Nosek, B. A. (2004). A decade of system justification theory: Accumulated evidence of conscious and unconscious bolstering of the status quo. Political Psychology, 25(6), 881-919.
- Kasser, T. (2002). The high price of materialism. MIT Press.
- Perlow, L. A. (1999). The time famine: Toward a sociology of work time. Administrative Science Quarterly, 44(1), 57-81.
- Schor, J. B. (1992). The overworked American: The unexpected decline of leisure. Basic Books.
- Seligman, M. E. P. (1975). Helplessness: On depression, development, and death. W.H. Freeman.
- Sennett, R. (1998). The corrosion of character: The personal consequences of work in the new capitalism. W.W. Norton & Company.
- Tillich, P. (1952). The courage to be. Yale University Press.
- Weber, M. (1905/2002). The Protestant ethic and the spirit of capitalism (P. Baehr & G. C. Wells, Trans.). Penguin Books. (Original work published 1905).









