في إحدى الجلسات مع صديقاتي وزميلاتي في العمل، تحدثن بحرية عن تجاربهن مع الاختصاصيين النفسيين، وبدأت بالمشاركة في الحديث والتعليق باعتباري أطلب المساعدة من حين لأخر من اختصاصيين نفسيين، لكن هذا الحوار جعلني أفكر أكثر في التصورات الشائعة حول العلاج النفسي، فكثيرًا ما نسمع أشخاصًا يقولون إنهم ذهبوا إلى العلاج النفسي لعدة جلسات ثم توقفوا لأنهم لم يشعروا بأي تغيير، أو لأن المعالج «لم يفعل شيئًا».
وفي المقابل، يروي آخرون تجربة مختلفة تمامًا، فيتحدثون عن جلسة أو جلستين أحدثتا تحولًا كبيرًا في حياتهم. وأحيانًا يدهشني حديث بعض الأشخاص عن حياة المعالج الشخصية: هل هو متزوج أم أعزب أم مطلق؟ هل لديه أطفال؟ كم عمره؟ كيف يبدو شكله؟ وما علاقته بالدين؟ وأتساءل من أين حصلوا على هذه المعلومات الشخصية. وإذا كانت قد جاءت من المعالج نفسه، فلماذا شاركهم بها؟ يبدو أن بعض الناس يعتقدون أن معرفة هذه التفاصيل الشخصية عن المعالج أمر ضروري للحكم على كفاءته أو مصداقية العلاج. غير أن هذه التصورات، إلى جانب الروايات المتناقضة عن نتائج العلاج، تساهم في تكوين صورة غير دقيقة لدى كثير من الناس عن طبيعة العملية العلاجية النفسية.
العلاج النفسي في جوهره ليس عملية غامضة أو غير مفهومة، بل هو عملية تعلم وتغيير تدريجي. ويعتمد هذا التغيير على ما يُعرف في علم الأعصاب باللّدونة العصبية، أي قدرة الدماغ على تشكيل روابط جديدة بين الخلايا العصبية وتعديلها استجابةً للتجربة والتكرار.
وقد أشار عالم النفس الكندي دونالد هيب منذ منتصف القرن العشرين إلى هذه الفكرة من خلال مبدئه الشهير: “الخلايا العصبية التي تنشط معًا، ترتبط معًا”، حيث اكتشف حقيقة مهمة حول عملية توصيل الدماغ: كلما تمرنا على مهارات معينة أصبحت بعض الممرات في أدمغتنا أقوى بحيث تصبح المهمة أسهل، فإن الدماغ آلة تعلم، وله القدرة على إعادة ربط ممراته العصبونية في كل مرة يتعلم فيها شيئا جديدا (كاكو، 2017). وانطلاقًا من ذلك، يمكن فهم التغيير النفسي بوصفه عملية تدريب مستمرة للدماغ؛ فكلما تم تكرار الأفكار أو السلوكيات الجديدة، تعزّزت المسارات العصبية المرتبطة بها، حتى تصبح أكثر ثباتًا وتلقائية مع مرور الوقت.
من خلال تجربتي بوصفي اختصاصية نفسية وبعض الملاحظات لتجارب العديد من الأشخاص، وجدت تكرارًا لتصورات مغلوطة التي قد تفسر لماذا يشعر البعض بأن العلاج لم ينجح معهم، وهذه ليست “أغلاط” بالمعنى القاسي للكلمة، بل تصورات شائعة قد تجعل مسار العلاج أكثر صعوبة أو أقصر مما ينبغي.
التصور الأول: التغيير السريع
يعتقد بعض المراجعين أنهم يستطيعون التغير بسرعة وإيجاد الحل في جلسة واحدة أو اثنتين، وأن الاختصاصي النفسي الجيد هو من يملك الحلول السحرية، وكثيرًا ما يخبرك البعض بأن أحد أصدقائهم استطاع خلال ورشة جماعية أن يتخلص من صدمة قديمة أو أن يغيّر حياته بالكامل. في كثير من الأحيان تكون هذه الجلسات مقدّمة من أشخاص ليسوا بالضرورة مختصين في العلاج النفسي، بل تلقوا تدريبات قصيرة هنا وهناك، لكن لديهم قدرة كبيرة على التأثير في الآخرين.
هذا لا يعني أن التحسن السريع مستحيل. في بعض الحالات قد تكون بضع جلسات كافية، خاصة عندما يكون الأمر أقرب إلى استشارة أو موقف محدد، لكن عندما نتحدث عن أنماط نفسية تشكلت عبر سنوات طويلة أو عن صدمات عميقة، فإن التغيير يحتاج غالبًا إلى وقت أطول.
في فرنسا حيث أقيم ألاحظ مثلا انتشار كثير من الإعلانات حول التنويم الإيحائي، وغالبًا ما يُقدَّم في المخيلة الشعبية كأنه طريقة شبه سحرية تسمح بالشفاء في جلسة أو جلستين، في الواقع، التنويم الإيحائي هو تقنية علاجية مثل غيرها من التقنيات النفسية، وقد ينجح في بعض الحالات بسرعة، لكنه في حالات أخرى يحتاج إلى عمل أطول.
ما يخلقه هذا النوع من التجارب أحيانًا هو نوع من الانحياز في التوقعات، أي الاعتقاد بأن الحل يجب أن يظهر بشكل سريع ومباشر، بينما في الواقع يبقى العلاج النفسي عملًا يحتاج إلى جهد ومشاركة من الطرفين. في العلاج النفسي، نُنشئ تعلّمًا جديدًا، أي إننا نستخدم اللدونة العصبية، أي طريقة اتصال العصبونات ببعضها، لتعديل عادات أو طرق تفكير أو طرق شعور أو طرق استجابة. وأنا أحب أن أشرح ذلك لطالبين المساعدة بهذا المثال: تذكروا عندما كنتم في المدرسة، عندما تعلمتم جداول الضرب، كنتم تقومون بعملية تعلّم، ولم يكن بمجرد قراءتها مرة واحدة أنكم حفظتموها كلها. صحيح أننا لسنا جميعًا متساوين أمام ذلك، فبعض الأشخاص يتعلمون أسرع من غيرهم، وهذا مرتبط بأسباب عديدة: البيئة، الجينات… إلخ.
لكن بشكل عام لا بد من مراجعة جداول الضرب بانتظام حتى تصل إلى مرحلة تصبح فيها راسخة في الذاكرة طويلة المدى، ولا تعود بحاجة إلى هذا الجهد الواعي، لأن الاتصالات العصبية أصبحت سريعة جدًا.
العلاج النفسي مشابه لذلك، كلما كان نمط عملك أقدم، كان تغييره يتطلب وقتًا أطول. لحسن الحظ، لا يحتاج تفكيك النمط إلى نفس المدة التي احتاجها لتكوينه، فإذا كان لديك نفس النمط منذ 20عامًا، فلن تحتاج إلى 20عامًا من العلاج، لكن مع ذلك جلستان أو ثلاث جلسات لشخص لديه نفس النمط منذ 20 عامًا ليست كافية… قد تكون هناك استثناءات، إذا كان لديك تكيّف آمن جدًا وحدثت فقط صدمة واحدة في حياتك، نعم، ربما تكفي خمس أو عشر جلسات، لكن في أغلب الحالات، الأمر ليس كذلك.
التصور الثاني: القناعة أن الفهم وحده يكفي
أحد أكثر الأمور شيوعًا في العلاج النفسي هو ما يسمى “الاستبصار” (Insight)، الاستبصار هو عندما تحدث فجأة لحظة وعي أو كشف أثناء جلسة تنويم، أو أثناء الحوار مع المعالج، أو حتى عند قراءة كتاب، الاستبصار ليس مرادفًا للتغيير، قد يكون فهمًا مفيدًا جدًا لاحقًا، لكن ليس لأنك حصلت على استبصار فهذا يعني أن كل سلوكياتك وحياتك ستتغير بالضرورة بعد ذلك، ليس لأنك حصلت على استبصار أن الأمر انتهى. في الواقع، ما زال هناك عمل ينبغي القيام به بعده… أن الاستبصار هو في الواقع تلك اللحظة التي يحدث فيها فجأة نوع من الكشف أو الإدراك العميق في فهمك.
فالاستبصار يتيح للمعالج أن يعرف ما الذي ينبغي العمل عليه مع المريض، وكما يتيح للمريض، أن يعرف نوع الأمور التي ينبغي تعديلها، لكن ذلك لا يكفي، الفهم في حد ذاته عملية معرفية تشارك فيها مناطق الدماغ المرتبطة بالتفكير والتأمل، خصوصًا القشرة الجبهية الأمامية، لكن التغيير العميق يتطلب أيضًا معالجة عاطفية وتجارب جديدة تسمح بتعديل الروابط العصبية.
يمكن التأثير في الأفكار والسلوكيات من خلال التكرار المعرفي، كما يظهر في بعض الأساليب مثل التكرار الإيحائي المعروف بطريقة “كويه” (Coué)، حيث يُفترض أن إعادة العبارات بشكل متكرر قد تُحدث أثرًا تدريجيًا على التفكير.
إلا أن الأدبيات العلمية تشير إلى أن هذا النوع من التغيير، إذا تم بمعزل عن الانخراط العاطفي، قد يكون محدود التأثير أو يتطلب وقتًا أطول ليترسخ، في المقابل، تُظهر الأبحاث أن معالجة الخبرة العاطفية والانخراط الوجداني يلعبان دورًا أساسيًا في إحداث تغيير نفسي أعمق وأكثر استدامة (Greenberg, 2011; Lane et al., 2015)، لذا فمن الخطأ توقّع تغيير يكون محسوسًا بشكل شبه فوري، بحيث يشعرون به مباشرة. مثلًا أن يخرجوا من جلسة العلاج وقد تغيّروا.
أتذكر مثالًا لمراجعة كان ابنها يعاني من فوبيا، بعد ثلاث جلسات أخبرتني أنها ستتوقف عن المتابعة لأنها لم تشعر بأي تحسن واضح، في الواقع كانت العائلة قد وصلت إلى مرحلة مهمة من فهم مخاوف الطفل وبدأت بتطبيق بعض التقنيات التي تساعدهم على التعامل معها، لكن التغيير كان تدريجيًا ولم يظهر في شكل “لحظة مفصلية” واضحة كما كانت تتوقع، أحيانًا يكون التغيير قد بدأ بالفعل، لكنه يحدث بشكل بطيء ومتدرج بحيث لا يلاحظه الشخص فورًا.
التصور الثالث: إلقاء مسؤولية التغيير على الآخرين بمن فيهم المعالج
يأتي بعض الأشخاص إلى العلاج وهم يتمنون في الواقع أن يتغير شخص آخر في حياتهم: الشريك، أحد أفراد العائلة، أو حتى الظروف المحيطة بهم. فيسألون المعالج كيف يمكن إقناع الطرف الآخر بالتغيير.
لكن العلاج النفسي يعمل أساسًا مع الشخص الموجود في الجلسة، المعالج يمكنه أن يقترح طرقًا جديدة للفهم أو للتعامل مع المواقف، لكنه لا يستطيع أن يعيش حياة المراجع أو أن يتخذ القرارات بدلًا عنه، يمكن تشبيه دور المعالج إلى حد ما بدور مدرب الرياضة: المدرب يشرح التمارين ويوجه، لكنه لا يقوم بالتمرين بدلًا عن الشخص.
هناك أشخاص يأتون إلى الجلسة ولديهم مشكلة، مثلًا مع الزوج أو الشريك، ويتمنون أن يتغير الشريك — رغم أنهم هم من يخضعون للعلاج، ويأتون إليك قائلين: كيف يمكنني أن أقنعه أو أقنعها بأن يتغير؟ وهنا يبدأ العمل بإعادة توجيه الأمور، بمعنى: شريكك ليس هو الجالس على الكرسي، بل أنت، كيف يمكنك أنت أن تتقبل الوضع بشكل أفضل أو أن تتغير؟ كيف يمكنك أن تتصرف بما لديك من أوراق في يدك لكي تتطور؟
هذا يذكرني بأنماط من الأشخاص قد يعانون من نقص في تقدير الذات. وعندما يراجعون أنفسهم، يكون الأمر لديهم بنمط “إما/أو، بمعنى إما أنني لا أراجع نفسي إطلاقًا، أو أراجع نفسي وأتحمل 100% من المسؤولية، ولا أستطيع أن أتحمل نسبة من الوضع. فيكون الأمر إما صفر أو مئة.
أرى ذلك كثيرًا خصوصًا لدى الأشخاص الذين يأتون وهم في حالة غضب شديد من وضع معين، في الواقع، هم يحتاجون أولًا إلى تفريغ هذا الغضب. وهذا يشكل نوعًا من المرحلة الأولى في العملية العلاجية، إنه أشبه بخطوة أولى في المسار. بالنسبة لهم، كانوا يرغبون في أن يتغير الشريك أو زميل العمل، أو المديرـ أو حتى الأسرة، حتى وهم في علاجهم الخاص، وهذا يرتبط أيضًا قليلًا بصورة المعالج، أي أن هناك بعض المترددين على العيادات يعتقدون أن المعالج هو من سيشفيهم، بينما في الواقع المعالج شخص قد يشير إلى اتجاه ما، يوضح مسارًا يمكن سلوكه، أو يقترح طريقًا محتملًا… لكنه ليس من يسير في الطريق بدلًا عنهم.
المعالج يقدّم اقتراحات، لكن في النهاية الكلمة الأخيرة دائمًا للمريض، المريض أو العميل هو من يملك القرار النهائي، لذلك ليس المعالج من سيجرّ المريض أو العميل إلى الأمام، بل يشجعه على التقدم، يُريه بعض الأمور، وربما يًقدّم له شيئًا من التثقيف النفسي حتى يفهم آلية عمله، والتثقيف النفسي هو في الأساس شرح المفاهيم لكي يتمكن المرضى أو العملاء من استيعابها، ثم يصبحوا مستقلين تمامًا في التعامل معها.
المعالج النفسي كما هو مدرب اللياقة، يعطي التمارين، لكنه لا يقوم بالجري أو القفز بالحبل لفقدان الوزن، أو غيره من تمارين لتقوية الظهر بدلًا عنا.
وهناك أيضًا تصور بأن المعالج أفضل مني، وهو نابع جزئيًا من الصورة الشعبية للمعالج “العارف بكل شيء”، وربما يعود ذلك إلى التحليل النفسي. ففي التحليل النفسي هناك تفسيرات، وهذا قد يعطي انطباعًا أن المريض يتكلم، ثم بعد فترة يكون المعالج قد “فهم” ويقدّم تفسيره. أما في العلاج النفسي، فلا نعمل بهذه الطريقة، نحن لا نقدّم حقيقة نهائية، بل نطرح فرضيات وفهماً مشتركاً يمكن اختباره داخل العملية العلاجية.
نعم، المرضى لديهم معرفة نظرية أقل من المعالجين، لكن المعالج لا يمتلك أبدًا معرفة بمشكلتهم، ولا بما يشعرون به، ولا بما يريدونه، يمكننا مساعدتهم على وضع كلمات لما يشعرون به، أو لما يريدونه، خاصة إذا لم يطرحوا على أنفسهم هذا السؤال من قبل، لكننا لن تعرف ذلك بدلًا عنهم. وفي بعض الاحيان إذا لم يخبرنا المريض بشيء بوضوح، فلا نستطيع أفهم شيئًا. أقولها بصراحة: إذا لم تخبروني، فلن أعرف.
التصور الرابع: “المتعالج الذي يعتقد أنه يفهم كل شيء”
على العكس تمامًا هناك ما يمكن تسميته مجازًا بـ “المتعالج الفهيم”، أي الشخص الذي يأتي إلى الجلسة وهو مقتنع مسبقًا بأنه يفهم كل شيء عن نفسه وعن مشكلته، وقد يبدأ أحيانًا بتقديم النصائح للمعالج أو اختبار قدراته ومعرفته.
أتذكر مرة أن إحدى الأمهات سألتني أثناء الجلسة إن كان لدي أطفال، حاولت أن أتجاوز السؤال لأن حياتي الشخصية ليست موضوع الجلسة، لكنها أصرت في نهاية اللقاء، وعندما أخبرتها أنني ليس لدي أطفال، قالت مباشرة: “إذن أنت لا تستطيعين أن تفهمي صعوبة تربية الأطفال، أنت تتحدثين عن عالم مثالي”
في تلك اللحظة لم أرد عليها، خاصة أني اعتذرت لاحقًا عن متابعة الجلسات، لكن هذه الجملة بقيت في ذهني لأنها تعكس تصورًا شائعًا: الاعتقاد أن المعالج لا يستطيع فهم تجربة ما إلا إذا عاشها شخصيًا، لكن في الواقع، لو كان هذا صحيحًا لما استطاع أي طبيب أن يعالج مرضًا لم يصب به، فالأطباء لا يحتاجون إلى الإصابة بكل الأمراض لكي يعالجوها، يكفي أن يدرسوا، وأن يفهموا، وأن يستمعوا جيدًا للمريض، وأن يطبقوا المعرفة العلمية في الممارسة، والأمر نفسه ينطبق إلى حد كبير على العلاج النفسي.
فالخبرة الشخصية قد تساعد أحيانًا على التعاطف، لكنها ليست الشرط الأساسي للفهم، ما يحتاجه المعالج في المقام الأول هو القدرة على الاستماع، وفهم التجربة الإنسانية، واستخدام الأدوات العلمية والمهنية لمساعدة الشخص على رؤية نفسه ووضعه بطريقة مختلفة، وفي النهاية يبقى العلاج النفسي عملًا مشتركًا بين شخصين: معالج يرافق ويوجه، وشخص مستعد لأن يكتشف نفسه ويجرب طرقًا جديدة في التفكير والشعور والتعامل مع حياته.
المراجع
Greenberg, L. S. (2011). Emotion-Focused Therapy. American Psychological Association.
كاكو، م. (2017). مستقبل العقل (ترجمة سعد الدين خرفان). عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.
كوستاندي، م. (2022). المرونة العصبية (ترجمة الزهراء سامي). مؤسسة هنداوي.
بيك، أ. ت. (2015). العلاج المعرفي والاضطرابات الانفعالية (ترجمة عادل مصطفى). مؤسسة هنداوي.









