من اللهو إلى البناء: تصحيح مسار الطالب الجامعي

مرحلةٌ من مراحل حياة الطالب تطرأ فيها تغييرات جديدة من الناحية العلمية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية والاقتصادية، وقد يكون هذه التغييرات إيجابية أو سلبية، وفي البداية يكون الطالب شبه غالبًا ضائع لا يعرف كيف وماذا يتصرف…

إنها مرحلة الحياة الجامعية، فيها الحرية والمسؤولية، وتزاحُم الخيارات، وازدياد الوعي قبل المعرفة.

لكن الصورة التي تُروَّج عن الحياة الجامعية في بعض وسائل الإعلام تُسهم في تشويه هذا المفهوم؛ إذ تُختزل الجامعة في اللهو والتسلية والخروج مع الأصدقاء، متجاهلةً جوهرها الحقيقي بوصفها مساحةً للبناء الفكري، وصناعة الفرد، واكتساب المهارات، وبين التصوّر المضلِّل وواقع التجربة، يقف الطالب—خاصة في سنته الأولى—حائرًا أمام مواقف جديدة لا يعرف دائمًا كيف يتعامل معها أو أي طريقٍ يختار.

ومن هنا يقع كثير من الطلبة في أخطاءٍ تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تترك أثرًا عميقًا في مسارهم الأكاديمي والشخصي، ومن أبرز هذه الأخطاء:

«اختيار الصاحب غير الصالح»  

يجب أن تكون حريصًا في اختيارك لصاحبك، واحرص على أن يكون صالحًا ينتفع المرء بصحبته، ويقتبس من أخلاقه، ويأوي إليه في الشدائد.

الحذر الحذر من رفقاء السوء، ومن لا همة لهم ولا طموح؛ لأن تأثير الصديق السيئ أخطر بكثير مما تظنون، لا تنظروا إلى الصديق على أنه مصدر للنفع، ولكن انظروا إليه على أنه مصدر للأنس والهداية والثواب من الله تعالى. (بكار، د.ت، ص. ٨٤)

«الإسراف والتبذير»

إنَّ صرف الكثير من المال ليس رجولةً ولا يحظى إعجاب الجميع كما تظن.

الأفعال أو السلوكيات التي تنال إعجاب الجميع هي الأخلاق، والقيم، والمبادئ الطيبة، والقول الحسن.

قال رسول الله ﷺ «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ»

لا تسرف واعتدل في صرف المال بحكمة ووعي.

«الغياب عن المحاضرات»

حضور المحاضرات هو أحد عوامل النجاح الأكاديمي والشخصي والمعرفي، ليس اكتساب معلومات فقط، وإنما اكتساب خبرات ومهارات وقيم، ما يزيد من رصيدك المعرفي، ويساعدك بدرجة كبيرة على كتابة الفقرات المهمة وتلخيص أهم الأفكار، ويقلّل التراكم الدراسي الذي يكون سببًا في التوتر الشديد قبل الاختبارات.

لذلك لا تقع في فخ الغياب والتأخُّر المتكرر، وتذكّر أن محاضرة واحدة قد تحمل فكرة أو توجيهًا يختصر عليك وقتًا وجهدًا طويلًا، أو يغيّر فهمك لموضوعٍ كامل.

«تأجيل تقديم المواد»

لا تؤجِّل أيَّ مادةٍ ما دمتَ تستطيع دراستها وتقديمها إلا لظروفٍ قاسية.

من فوائد تقديم المادة في توقيتها: ترسيخ الأفكار أكثر، وتجنُّب التوتر والضغط، وتحقيق تسلسلٍ منطقي.

ويمنحك شعورًا بالإنجاز والثقة بالنفس، ويُتيح لك توزيع الجهد على بقية المواد بصورة متوازنة، بعيدًا عن الاستعجال والتراكم الذي يضعف الفهم ويقلّل جودة الأداء.

«الخجل من طرح الأسئلة»

فالخجل من السؤال قد يحرمك من فرصة تصحيح المفاهيم الخاطئة وتثبيت المعلومات الصحيحة، ويمكن تجاوز هذا الخجل باختيار الوقت المناسب للسؤال، أو تدوينه وطرحه بعد المحاضرة، أو صياغته بأسلوب مختصر وواضح يُظهر الاهتمام بالمادة لا المقاطعة، وتذكّر أن سؤالًا واحدًا في وقته قد يختصر ساعاتٍ من الحيرة، ويمنحك فهمًا أعمق وثقةً أكبر.

احرص على طرح الأسئلة بطريقة ذكية، لا تُسبّب أي إزعاج للمدرّس أو للطلاب، وأن تكون الأسئلة ذاتَ قيمة.

«طرق دراسية خاطئة»

من الأمور غير الصحيحة التي يقع فيها هي عدم معرفة طرق وأساليب الدراسة الفعّالة التي تتناسب معهم وتساعدهم على الحفظ بإتقان وفهم وقلة جهد ووقت، وهنا بعض الطرق الجيدة:

الدراسة بعد صلاة الفجر كما قال النبي ﷺ: «بوركت لأمتي في بكورها»، أكل أشياء مفيدة ومغذية وبسيطة مثل (التمر، الفواكه)، الدراسة في مكان هادئ ومريح، شرب مشروبك المفضل أثناء الدراسة، البدء بالدعاء بالتوفيق والنجاح والتيسير، استخدام الألوان المفضلة لتحديد الأفكار الرئيسة والمهمة، كتابة أهم الأفكار، القراءة بصوت عالٍ أو خافت بما يناسبك، الجلوس أو المشي، تنظيم وقت الدراسة، اختيار أوقات يكون فيها الذهن نشيطًا، تقسيم المادة إلى وحدات صغيرة، الربط بين الأفكار، والمراجعة الدورية بدون تراكم… وأهم شيء مراجعة ما درسته قبل النوم.

وفي الختام:

إن تجنّب الأخطاء الشائعة في بدايات الحياة الجامعية يعني اليقظة المبكرة، والتعلّم من تجارب الآخرين قبل دفع أثمانٍ باهظة، والطالب الواعي هو من يدرك هذه الأخطاء مبكرًا، فيتعلّم منها، ويُحسن إدارة وقته، ويختار ما ينفعه علميًا وأخلاقيًا.

كن واعيًا ذكيًا، وافهم نفسك، وثق بنفسك، ونظّم وقتك، واعلم أن هذه مرحلة جديدة جميلة تحتاج إلى وقت وجهد وصبر، وحافظ على خصوصيتك ومبادئك وقيمك، ولا تجعلها مرحلة ضياع وفشل ولهو بل استغلها لتطوير ذاتك وقدراتك ومهاراتك وتكوين صداقات، لا تتوقف عن التعلم حتى وإن لم يكن ضمن تخصّصك.

استثمر سنواتك الجامعية فيما ينفعك، ولا تجعلها مرحلة عبور فقط، واجعلها مرحلة بناءٍ حقيقي لذاتك ومستقبلك.

المراجع

عبد الكريم، بكار. (د.ت). 50 شمعة لإضاءة دروبكم. رؤية للثقافة والإعلام.

Facebook
Twitter
WhatsApp