مقياس لايتر ضرورة علمية وعدالة تشخيصية: قراءة نقدية في تاريخ القياس العقلي والحاجة العربية المعاصرة

لم ينشأ مقياس لايتر الأدائي العالمي للذكاء بوصفه بديلًا تقنيًا لمقاييس الذكاء اللفظية، بل ظهر في سياق تاريخي اتّسم بأزمة معرفية وأخلاقية عميقة في فهم الذكاء وقياسه، ففي بدايات القرن العشرين، كانت اختبارات الذكاء تُقدَّم على أنها أدوات علمية محايدة، بينما كانت في الواقع محكومة باللغة، ومشبعة بالثقافة السائدة، وتُستخدم أحيانًا لأغراض سياسية واجتماعية.

لقد ارتكزت المقاييس السائدة آنذاك، وعلى رأسها مقياس ستانفورد–بينيه، على الأداء اللفظي بوصفه المؤشر الأساسي للقدرة العقلية، متجاهلة أن اللغة نفسها متغير ثقافي وتعليمي، لا مرآة خالصة للذكاء.

أزمة اللغة في القياس العقلي

أظهرت التجارب المبكرة لاختبارات الذكاء أن الأداء اللفظي يتأثر بعوامل عديدة، من بينها:

– اللغة الأم

– المفردات المكتسبة

– نمط التعليم

– الخلفية الاجتماعية والثقافية

ومع ذلك، جرى التعامل مع نتائج هذه الاختبارات على أنها قياس مباشر لـ«الذكاء الفطري»، وهو ما أدى إلى تشخيصات غير عادلة طالت الأطفال ذوي صعوبات التواصل، وذوي الإعاقات السمعية، والمهاجرين، والأقليات العرقية، والفئات ذات التعليم المحدود.

وقد نبّه مبكرًا إلى هذا الخلل المفكّر والصحفي الأمريكي Walter Lippmann، الذي انتقد في عشرينيات القرن الماضي فكرة «العمر العقلي» واستخدام اختبارات الذكاء لتحديد مصير الأفراد والجماعات، محذّرًا من تحويل الأداة العلمية إلى آلية تصنيف اجتماعي تخدم الإقصاء بدل الفهم.

دراسة Russell G. Leiter: الذكاء خارج اللغة

في هذا السياق النقدي، جاءت دراسة راسل غريدون لايتر بوصفها تحوّلًا مفاهيميًا حقيقيًا في تاريخ القياس العقلي، ففي الفترة ما بين 1927 و1929، طوّر لايتر النسخة الأولى من مقياسه انطلاقًا من فرضية بسيطة وعميقة في آن واحد:

الذكاء يمكن قياسه من خلال الأداء البصري–الحركي دون الاعتماد على اللغة المنطوقة أو المكتوبة.

وقد أُجريت الدراسات التطبيقية الأولى للمقياس في العيادة النفسية بجامعة هاواي، تحت إشراف عالم النفس الإكلينيكي Stanley D. Porteus، في بيئة تميّزت بتنوّع عرقي وثقافي كبير. ولم يكن اختيار هاواي اختيارًا عشوائيًا، بل لأنه وفّر مختبرًا طبيعيًا لاختبار صلاحية أداة يُفترض أن تكون عابرة للثقافات وغير متحيّزة لغويًا.

اعتمد مقياس لايتر منذ نشأته على مهام تقيس:

– التمييز البصري

– التنظيم المكاني

– إدراك الأنماط

– حل المشكلات غير اللفظية

دون الحاجة إلى قراءة أو كتابة أو استجابة لفظية، ما جعله مناسبًا للأطفال الصغار، وذوي الإعاقات اللغوية، والمفحوصين من خلفيات ثقافية متنوّعة.

من التاريخ إلى الواقع العربي

تكتسب هذه الخلفية التاريخية أهمية مضاعفة عند النظر إلى الواقع العربي المعاصر، فالفروق الجوهرية بين المجتمعات العربية لا تكمن فقط في الثقافة، بل في اللغة المنطوقة، واللهجات، والتعابير المحلية، وهي فروق قد تُنتج تحيّزًا تشخيصيًا خطيرًا عند استخدام المقاييس اللفظية، حتى بعد ترجمتها.

وتزداد هذه الإشكالية وضوحًا في البيئات متعددة الجنسيات، مثل دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، حيث تتعايش:

– جاليات عربية متعددة اللهجات

– جاليات أجنبية غير ناطقة بالعربية

– أنماط تعليمية وثقافية متباينة داخل المدرسة والعيادة الواحدة

في مثل هذا السياق، يصبح استخدام المقاييس اللفظية وحدها خطرًا تشخيصيًا، لا قصورًا تقنيًا فحسب.

مقياس لايتر والصورة العربية: عدالة لا رفاهية

من هنا، فإن تقنين الصورة العربية لمقياس لايتر – النسخة الثالثة (Leiter-3) لا يُعد خيارًا إضافيًا، بل ضرورة علمية وأخلاقية. فهو يوفّر أداة:

– تحيّد اللغة بوصفها مصدر تحيّز

– تحمي المفحوص من التشخيص الجائر

– تدعم العدالة التشخيصية عبر الثقافات

– تمكّن الاختصاصي من تفسير القدرة العقلية بمعزل عن اللهجة والخلفية اللغوية

وبذلك، فإن مقياس لايتر لا يمثّل مجرد اختبار ذكاء غير لفظي، بل مشروعًا معرفيًا بدأ منذ قرن تقريبًا، وما زال يحتفظ بقيمته في مواجهة الأسئلة نفسها:

كيف نقيس الذكاء بعدالة؟

وكيف نحمي العلم من أن يتحوّل إلى أداة إقصاء؟

المراجع:

حمدان، أحمد. (2025). نظريات الذكاء والتكوين العقلي: من العامل العام إلى نموذج  .CHCبانا للاستشارات والأبحاث والتدريب.

Leiter, R. G. (1936).The Leiter International Performance Scale. University of Hawaii Research Publications (No. 13). Honolulu, HI: University of Hawaii.

Lippmann, W. (1922). The mental age of Americans. The New Republic.

Gould, S. J. (1981).The mismeasure of man. New York, NY: W. W. Norton & Company.

Facebook
Twitter
WhatsApp