الكشف المبكر عن التأخر النمائي والإعاقات

يُعد الكشف المبكر عن الإعاقة من أهم خطوات التحسين المستمر في جودة حياة الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمعات، وتيسير فرص نمو الأطفال السليم، خاصة للأطفال المعرضين لخطر الإعاقة والأطفال ذوي الإعاقة على وجه التحديد، والكشف المبكر يشير إلى مجموعة من الممارسات التي تؤدي لتحقيق فرص شمول جميع الأطفال حديثي الولادة وفي مراحل النمو الأولى بالخدمات المتخصصة وفق المؤشرات النمائية غير الطبيعية، مما يزيد من إمكانية الاستفادة من التدخل المناسب في الوقت الذي يكون التأثير فيه أكبر وأفضل.

ويأتي هذا المقال لتسليط الضوء على المفهوم، والأدوات المُستخدمة في الكشف المبكر، وأمثلة علمية تطبيقية على الممارسات المتبعة في الكشف المبكر..

أهمية الكشف المبكر

يقترح العديد من الخبراء وفق مفهوم “اقتصاد الإعاقة” إلى ضرورة تطبيق برنامج متكامل في الكشف المبكر للتأخر النمائي لجميع الأطفال في الدول لدوره في الحد أو التقليل من وقوع الإعاقة وتفاقمها، كما يسهم في تحسين الإنفاق على توفير فرص الحياة الصحية للطفل حديث الولادة، تماشيا مع تقليل الانفاق على التدخلات العلاجية متعددة التخصصات في مراحل متأخرة من الإصابة.

ويساهم الكشف المبكر في التقليل من الآثار السلبية طويلة المدى لماهر التأخر النمائي وإمكانية حدوث الإعاقة عبر توجيه الطفل للاستفادة من التدخلات العلمية المبكرة، وتحسين الاهتمام من قبل الأسر والمهتمين مما يساهم في تحسين سرعة النمو للطفل في مختلف مجالاته الجسدية والمعرفية والسلوكية والاجتماعية، وتشير العديد من الدراسات إلى أهمية التعرّف المبكر على التأخر النمائي والإعاقات وغيرها من الاضطرابات كاضطراب التوحد والنشاط الزائد المصاحب لتشتت الانتباه واضطرابات النطق واللغة وصعوبات التعلم، مما يساعد الطفل في التحسّن والتخطيط لتدخلات تعليمية مبكرة قبل تفاقم المشكلات المختلفة فيما بعد.

أدوات الكشف المبكر

يتضمن الكشف المبكر استخدام مزيج من الأدوات والاختبارات النمائية، وتطبيق الملاحظة العلمية السلوكية، في إطار علمي للإحالة المتخصصة وتنفيذ مجموعة من المقابلات مع الأسرة لتقدير سلامة النمو في المجالات الحركية واللغوية والاجتماعية، وما زالت المكتبة العربية تتسم بمحدودية كبيرة في توفير الأدوات الحديثة المقننة على البيئة العربية لضمان الكشف المبكر عن الأطفال المعرضين لخطر الإعاقة.

وتتوفر بعض الأدوات المتخصصة في هذا المجال باللغة العربية -في حدود بحثي- من أبرزها: مقاييس ميريل-بالمر للتطور النمائي (MPR-AV)، وقوائم الشطب مثل: سجل متابعة النمو للطفل في المراكز الصحية، ومقاييس اضطراب طيف التوحد مثل: قائمة تشخيص التوحد لدى الأطفال الصغار (M-CHAT)، مقياس كازد لتشخيص اضطراب طيف التوحد (CASD)، وغيرها من الأدوات.

كما تفرد المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الأردن (HCD) بإصدار الدليل الإجرائي للكشف المبكر عن التأخر النمائي والإعاقات (2015) بإشراف لجنة طبية متختصة من أطباء بمختلف القطاعات الطبية، وتضمن قائمة شطب لتتبع نمو الطفل بمختلف مجالات النمو. ويعد أول دليل علمي في هذا المجال يساعد المختصين في القطاع الطبي لمتابعة مظاهر التأخر النمائي لدى الأطفال حديثي الولادة وما قبل سن المدرسة.

وتسهم هذه الأدوات في الكشف عن مظاهر التأخر لدى الطفل بعمر مبكر وتوجيه الأسرة والمختصين لمتابعة الطفل في العيادات المتخصصة واستكمال إجراء العديد من الفحوصات الطبية لحين التأكد من سلامة الطفل أو تبات التشخيص بأن لديه إعاقة تؤثر على نموه وتحد من قيامه بالأنشطة اليومية باستقلالية مثل التنقل والتعلم وتناول الطعام والشراب وغيرها من النشاطات اليومية.

التحديات في مجال الكشف المبكر

من أبرز التحديات في مجال الكشف المبكر في الوطن العربي نقص الاهتمام من قبل الحكومات وصناع القرار حول أهمية الكشف المبكر ودوره في تقييم توفير الحد الملائم من حقوق النمو الصحي للأطفال مما يؤثر بشكل مستدام في السلامة الصحية للمجتمعات في المستقبل، يضاف إليه قلة الوعي لدى بعض الأسر والمختصين لأهمية هذا البند أو الخلط بيه وبين مفهوم التدخل المبكر الذي سنستعرضه في الحلقة القادمة.

ناهيكم عن ضعف توفر أطر وإجراءات موحدة، تضمن الإحالة في الوقت المناسب لتلقي الخدمات المتخصصة في مجال الإعاقة خاصة في المناطق الريفية أو البلدان ذات الموارد المحدودة. كما أن بعض الأدوات غير ملائمة ثقافيًا أو لغويًا، مما يؤثر على دقة النتائج.

ختاماً… يعد الكشف المبكر عن الإعاقة حجر الزاوية لأي برنامج تنموي فعال للأطفال، الاستثمار في أدوات الكشف المبكر، وبناء نظام متكامل للإحالة للتشخيص، وتدريب المهنيين، وتوعية الأسرة، والبرامج الإعلامية وغيرها من الإجراءات يزيد من كفاءة الخدمات ويُحسّن نوعية حياة الأطفال ذوي التأخر النمائي والإعاقات، والأطفال في المراحل المبكرة.

Facebook
Twitter
WhatsApp