عرف الإنسان الإعاقات منذ أقدم العصور، وكانت معاملة المجتمعات الإنسانية للأفراد المعوقين في الحقب التاريخية المتعاقبة لا تختلف فاتصفت بالمعاملة الوحشية، ففي الماضي البعيد كان المعوقون يتعرضون لإساءة المعاملة بدنياً ونفسياً، حيث كانت المجتمعات الأولى تتخلص من الأشخاص ذوي الإعاقات الشديدة بقتلهم أو تركهم ليموتوا لـوحـدهـم، على أن بعض المجتمعات كالمصريين القدماء لم يقتلوا هؤلاء الأشخاص ولكنهم كانوا يعرضونهم للحرمان ويسيئون معاملتهم بشكل أو بآخر، وكان العلاج في حال تقديمه محصلة للاعتقادات الخرافية.
يُعدّ التأهيل في مجال التربية الخاصة أحد الركائز الأساسية لضمان حق الأفراد ذوي الإعاقة في حياة كريمة قائمة على الاستقلالية والمشاركة الفاعلة في المجتمع، وقد شهد مفهوم التأهيل تطورًا ملحوظًا عبر العصور، انتقل فيه إلى منظور إنساني شمولي يركز على الإمكانات والقدرات المتبقية للفرد، وعلى دور البيئة في تعزيز أو إعاقة تكيفه، وفي ظل التغيرات الاجتماعية والتربوية المعاصرة، برزت الحاجة إلى تبني استراتيجيات تأهيلية متكاملة تقوم على أسس علمية ومهنية، وتراعي الفروق الفردية، وتسعى إلى الدمج الاجتماعي والتربوي والمهني للأشخاص ذوي الإعاقة.
وانطلاقًا من ذلك، يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على مفهوم التأهيل في التربية الخاصة، من خلال استعراض تطوره التاريخي، وتوضيح مفاهيم الإعاقة والشخص المعوق، وبيان فلسفة التأهيل وأهدافه وإجراءاته، إضافة إلى تناول الخدمات الانتقالية وأهميتها في دعم انتقال الأفراد ذوي الإعاقة من مرحلة إلى أخرى، ويأتي هذا الطرح تأكيدًا على أن التأهيل ليس مجرد خدمات علاجية أو تدريبية، بل هو عملية إنسانية واجتماعية شاملة تسهم في تمكين الفرد وتعزيز اندماجه في المجتمع.
تعريف الإعاقة:
لقد ارتبط تعريف الإعاقة منذ زمن بعيد بعدد من المفاهيم والمصطلحات التي من أبرزها الإصابة والعجز، كما تأثر مفهوم الإعاقة بالمعايير ومنظومة القيم الاجتماعية السائدة في التراكيب الثقافية والاجتماعية والسلوكية في المجتمعات، وقد اعتمدت معظم التعريفات على أحكام مهنية تستند إلى محكات يتم اشتقاقها من التعريف الطبيعي للوصول إلى أحكام عما هو غير طبيعي وتتغير هذه الأحكام وفقا للظروف والمعطيات في كل وقت من الأوقات، فالمعايير الإحصائية تقدم معلومات كمية عن الأداء تستخدم للتمييز بين ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي تبعا لمنحنى التوزيع الاعتدالي المتعارف عليه، بينما تعتمد المعايير الطبيعية على وجود اضطرابات في الوظائف الجسمية وطبيعة الاعتلال واتلمرض والعجز والإصابات المرتبطة بها، في حين تعبر المعايير الاجتماعية عن وجهات نظر أخصائيي علم الاجتماع وعلم النفس وهي معايير ذاتية مقارنة بسابقاتها من المعايير، ويرى المؤلفون بأن الإعاقة لا تقتصر على الجوانب الذاتية المتمثلة في نوع ودرجة الإصابة والعجز بل تمتد لتشمل البيئة بمكوناتها المادية والاجتماعية ليصلوا بذلك إلى تعريف الإعاقة على أنها: كل ما يعيق الفرد عن أداء وظائف وأدوار تتلاءم مع إمكانياته وقدراته المتبقية.(مسعود،2005،ص. 20).
تعريف الشخص المعوق:
أ – تعرف منظمة العمل الدولية اصطلاح معوق بأنه كل فرد نقصت إمكانياته للحصول على عمل مناسب والاستقرار فيه نقصا فعليا، نتيجة لعاهة جسمية أو عقلية .
ب – ويعرف قانون تأهيل المعوقين رقم 39 لعام 1975 المعوق بأنه كل شخص أصبح غير قادر في الاعتماد على نفسه في مزاولة عمله أو القيام بعمل آخــــر والاستقرار فيه، أو نقصت قدرته على ذلك، لقـصـور عضوى أو عقلي أو حسي ، أو نتيجة عجز خلقي منذ الولادة .
ج – المعوق هـو الفرد الذي لا يصل إلى مستوى الأفراد الأخرين في مثل سنه بسبب عاهة جسمانية أو اضطراب في سلوكه أو قصور في مستوى قدراته العلية ( فهمي وحسن، 2010 ، ص.28).
تعريف الخدمة الاجتماعية: عرف جولدشتاين Gold stein الخدمة الاجتماعية على أنها نوع من التدخل الاجتماعي intervention الذي يساعد على تنمية وتدعيم الوسائل التي يتمكن بواسطتها الأشخاص (إما كأفراد أو بصفة جماعية) في حل المشكلات التي تعترض حياتهم الاجتماعية .
ويعرفها الدكتور عبد الفتاح عثمان بإنها خدمة فنية تستهدف مساعدة الناس أفرادا أو جماعات لتحقيق علاقات إيجابية بينهم ومستوى أفضل من الحياة في حدود قدراتهم ورغباتهم (فهمي وحسن،2010 ،ص.23).
التطور التاريخي لرعاية وتأهيل الأفراد ذوي الإعاقة:
في التاريخ القديم عاني المعوقين في كثير من الأمم من الاضطهاد والازدراء والإهمال فكانوا يتركون للموت جوعاً أو يوءدون وهم أطفال، حيث شهدت ذلك مجتمعات روما وأسبرطه وكذلك الجزيرة العربية الى جانب عديد من القبائل في مختلف أرجاء العالم بينما كانوا يتمتعون بالرعاية في مصر والهند ثم جاءت الديانات السماوية بما تحمله من تعاليم المحبة والتسامح والإخاء بين البشر فكانت نبرات تستضيىء بهداية البشرية مما أدى إلى انتشار نظم الإحسان كنظام الوقف في مصر ونظام الملاجىء في فرنسا وغيرها، واستمر هذا النظام عاملًا أساسيًا في رعاية المرضى والمعوقين عن طريق مساعدتهم ماديًا دون أي جهد في مساعدتهم على استرداد مكانتهم في المجتمع، ولقد تميز المجتمع الإسلاي عن أوربا بنظرته الإيجابية إلى المعوقين نخصص لهم من يساعدهم على الحركة والتنقل وإنشاء المستشفيات العلاجية وفي أواخـر الـقـرن العـشـرين تم انشاء المجلس القومى للأمـومـة والطفولة عام ١٩٨٨ الذي اهتم بدراسة ووضع البرامج الخاصة بذوى الاحتياجات الخاصة (فهمي و حسن، 2010،ص.16-20).
-
- مفهوم التأهيل وإعادة التأهيل: تميز المراجع العلمية المتخصصة بين مصطلحي التأهيل Habilitation وإعادة التأهيل Rehabilitation، وإن كانت الأدبيات تستخدمهما بشكل تبادلي وكأنهما يعنيان الشيء نفسه، والأكثر شيوعاً في اللغة العربية استخدام مصطلح التأهيل والذي يستخدم أيضاً للدلالة على إعادة التأهيل، وكذلك هو الحال في اللغة الإنجليزية، فإن الاصطلاح الأكثر شيوعاً هو Rehabilitation للدلالة على كل من التأهيل وإعادة التأهيل، وغالباً ما يكون الأفراد المنتفعون من خدمات التأهيل أشخاصا ولدوا وهم لديهم إعاقة ما، أو تطورت حالة الإعاقة لديهم أو تعرضوا للإصابة منذ وقت مبكر في حياتهم، أما مصطلح إعادة التأهيل فهو يشير إلى الخدمات التي يتم تقديمها لأشخاص كانوا عاديين لكنهم تعرضوا لحادث أو مرض معين منعهم من العودة إلى أعمالهم التي كانوا قد تدربوا عليها، وبعبارة أخرى، يركز التأهيل على تدريب الأفراد ذوي الإعاقة لكي يصبحوا معتمدين على أنفسهم، أما إعادة التأهيل فيركز على إعادة تدريب الأفراد الذين أصبحوا ذوي إعاقة مؤخراً لكي يعودوا أشخاصاً معتمدين على أنفسهم من جديد. فالهدف من إعادة التأهيل هو إعادة الفرد ذي الإعاقة إلى المجتمع لدمجه فيه بصورة أكثر توافقاً. (التأهيل المفاهيم والأفكار الرئيسة، د.ت).
-
- فلسفة التأهيل: وتقوم فلسفة التأهيل أيضاً على أساس أن الاهتمام الرئيس يتركز على الإنسان، لأنه الشخص المستهدف في عملية التأهيل، ولا يستطيع العيش في معزل عن بقية الأفراد الآخرين، حيث إنه يعيش في مجتمع إنساني وبشري يتأثر به أو يؤثر فيه كأي شخص عضو في المجتمع، وتعتبر عملية التأهيل مسؤولية اجتماعية عامة تتطلب التخطيط والعمل والدعم الاجتماعي على كافة المستويات، وكذلك، فإن فلسفة التأهيل تؤكد على ضرورة الانتقال بالفرد ذي الإعاقة من قبول فكرة الاعتماد على الآخرين إلى ضرورة الاعتماد على الذات، وذلك عن طريق الاستقلال الذاتي و الكفاية الشخصية والاجتماعية والمهنية، واستعادة الفرد في الإعاقة لأقصى درجة ممكنة من درجات القدرة الجسمية والعقلية أو الحسية المتبقية لديه، هذا بالإضافة إلى تقبل الفرد ذي الإعاقة اجتماعيا والعمل على توفير أكبر قدر ممكن من فرص العمل له في البيئة الاجتماعية کحق من حقوق إنسانيته.(التأهيل المفاهيم والأفكار الرئيسة، د.ت، فقرة).
أهداف التأهيل:
تهدف عملية التأهيل إلى تحقيق ما يأتي:
1- توفير فرص العمل والتشغيل من خلال التدريب.
2 – دمج المعاقين في المجتمع وإكسابهم الثقة.
3- وضع القوانين التي تكفل للمعاقين حق المساواة مع غيرهم من أقرانهم لتهيئة.
4- تهيئة كافة الوسائل والأنشطة الرياضية والثقافية والترويحية.
5-إتاحة التعليم و محو الأمية.
6- العمل على تحسين القدرات الجسمية والوظيفية في الفرد المعوق والوصول به إلى أقصى مستوى من الأداء الوظيفي.
7- العمل على تعديل بعض العادات السلوكية الخاطئة التي قد تنشأ عن الإعاقة.
8- العمل على توفير الظروف البيئية المناسبة لدمج المعوق في المجتمع المحلي وذلك من خلال العمل تعديل اتجاهات الأفراد وردود فعلها تجاه الإعاقة ومساعدة الأسرة على فهم وتقدير وتقبل حالة الإعاقة ومساعدة الأسرة على مواجهة الضغوط النفسية والاجتماعية ومساعدة الأسرة في الوصول إلى قرار سلیم واختيار مجال التأهيل المناسب لطفلهم المعوق ومساعدة الأسرة على أساليب رعاية وتدريب الطفل المعاق. (مفهوم تأهيل المعاقين، د.ت،ص.4).
الإجراءات التأهيلية:
– الإجراءات التأهيلية: تستهدف تحسين فعالية الفرد الوظيفية وتوعية حياته المعيشية فهي كما قال يوسف الزغسط في كتابه التأهيل المهني للمعوقين 2000م كما يلي: الرعاية الطبية والعلاج الطبي الإجراءات العلاجية كالتي يقدمها أخصائيو العلاج الطبيعي وعيوب النطق والكلام وأخصائيو علم النفس والعلاج المهني، التدريب على النشاطات المتعلقة بالعناية بالذات ومهارات المعيشة اليومية، تقديم الأجهزة الفنية والتقويمية المساعدة والأطراف الصناعية وهو ما يسمى بالتأهيل الجسماني، التقييم والتدريب والتشغيل المهني. (مفهوم تأهيل المعاقين،د.ت،ص.4).
– الخدمات الانتقالية: بأنها الخدمات التي تقدم علـد انتقال الأشخاص ذوي الإعاقة العقلية من مرحلة المدرسة إلى المرحلة اللاحقة، حيث تقدم هـذه الخدمات في فترة المراهقة وذلك لأهمية هذه المرحلـة فـي التأثير على العاطفة والتطورات النفسية والفسيولوجية والشخصية للفرد للقيام بأدوار الكبار من خلال القيام ببعض المهام مثل اتخاذ قرار بشأن المسار الوظيفي وتحديد المصير فـي سياق اجتماعي، ومـن منظور الرعاية الصحية، فإن المعاقين عقليا يعانون من مشاكل صحية مستمرة فـي مرحلـة الانتقال. (اعبيد، 2012 ، ص.7).
في ضوء ما تم عرضه، يتضح أن التأهيل في التربية الخاصة يمثل عملية ديناميكية متكاملة تهدف إلى تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من استثمار قدراتهم الكامنة، وتحقيق أعلى مستوى ممكن من الاستقلالية والتكيف النفسي والاجتماعي والمهني، ولم يعد التأهيل مقتصرًا على الجوانب الطبية أو التعويضية، بل أصبح منظومة شاملة تتكامل فيها الجهود التربوية والاجتماعية والنفسية والمهنية، وتشترك فيها الأسرة والمؤسسات والمجتمع ككل.
نجاح برامج التأهيل مرهون بتبني فلسفة إنسانية قائمة على احترام كرامة الفرد ذي الإعاقة، والإيمان بحقوقه في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، إلى جانب ضرورة توفير التشريعات الداعمة والخدمات الانتقالية الفاعلة. ومن هنا، فإن الاستثمار في برامج التأهيل المتخصصة يعد استثمارًا في الإنسان ذاته، وفي بناء مجتمع أكثر عدالة وتماسكًا، قادر على استيعاب التنوع البشري وتحويله إلى مصدر قوة وتنمية.
قائمة المصادر والمراجع:
اعبيد، محمد. (2012). تقييم الخدمات الانتقالية للأشخاص ذوي الإعاقة العقلية في الأردن [رسالة ماجستير منشورة، الجامعة الأردنية]. https://search.mandumah.com/Record/556205/Details
فهمي، محمد، وحسن، محمود. (2010). التأهيل المجتمعي لذوي الاحتياجات الخاصة. دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر.
مفهوم تأهيل المعاقين. (د.ت). المنتدى السعودي للتربية الخاصة. https://www.noor-book.com86-pdf
مسعود، وائل، محمد، عبد الصبور، ومراد، محمد. (2005). التأهيل الشامل لذوي الاحتياجات الخاصة المفاهيم والإجراءات. الأكاديمية العربية للتربية الخاصة.
المواقع:









