“الوجود المُعلَّق” في زمن الإلهاء الرقمي
نعيش اليوم في “الزمن الرقمي” حيث باتت الشاشة هي النافذة السحرية، والشبكات الاجتماعية هي المسرح الرئيسي للوجود الإنساني اليومي. لم يعد قضاء الساعات الطوال في التجوّل ضمن هذه المنصات مجرد سلوك اختياري، بل تحوّل إلى حالة وجودية مُعمَّمة، إنّنا نمرّر المحتوى (Scrolling) في دوامة لاهثة لا تقودنا غالباً إلى إشباع معرفي حقيقي أو هدف واضح؛ بل تولد إحساساً دائماً بـ “الحاجة إلى المزيد” دون الوصول إلى الرضا (Satisfaction) الكامل.
إن السؤال الأساسي الذي يجب طرحه، خصوصاً في سياق الصحة النفسية المجتمعية، هو: ما الذي يجعل هذه الشبكات تستحوذ على أغلى مواردنا، وهو الانتباه والوقت، وكيف ترتبط هذه الآلية بالعمق البنيوي للنفس البشرية؟ للإجابة، لا يمكن الاكتفاء بالتحليل السلوكي للـ “دوبامين”، بل يجب التبصر في منطق التحليل النفسي الفلسفي، وتحديداً من منظور الرغبة واللذة كما صاغها رواد مثل جاك لاكان وسلافوي جيجك.
أولاً: التحليل النفسي للرغبة واللذة في الفضاء الرقمي
إن فهم استحواذ الشبكات يبدأ من التمييز اللاكاني بين ثلاثة مفاهيم محورية (Lacan, 1977): الحاجة، والطلب، والرغبة.
- الرغبة (Désir) كقوة دافعة لا تُشبَع:
البشر كائنات محكومة بالرغبة، وهذه الأخيرة ليست مجرد “احتياج” بيولوجي يمكن إشباعه (مثل الجوع). إنما مرتبطة بـ “نقص جوهري“ (Manque) في الذات، وهو نقص لا يمكن سدّه بأي شيء مادي، إنها قوة دافعة لا تهدف إلى الإشباع النهائي، بل إلى استمرار الحركة والبحث.
تستغل الشبكات الاجتماعية هذا النقص الجوهري ببراعة: إنها لا تعد بالرضا الكامل، بل تعد بـ “التحفيز المستمر“ للرغبة، كل تمريرة، وكل إشعار، وكل “إعجاب” (Like)، هو بمثابة وعد جديد بـ “شيء ما” سيأتي، مما يضمن أن تظل الدائرة مفتوحة باستمرار.
- اقتصاد اللذة (Jouissance) المتقطعة:
اللذة (Jouissance)، وفقاً لـ لاكان، هي مفهوم يتجاوز المتعة البسيطة، إنها غالباً ما تكون مزيجاً من المتعة ونوع من الألم، أو التوتر، أو الإثارة التي تأتي من كسر حدود الذات.
تعمل الشبكات كـ مصنع لـ “الأشياء الصغيرة والجذابة” (Petites Choses) التي تُطلق دفعات متقطعة من هذه اللذة، هذه الأشياء ليست بالضرورة مفيدة، لكنها كافية لإبقاء محرك الرغبة مشتعلاً:
- الومض البصري: مقاطع الفيديو القصيرة والصور السريعة التي تحفز الدوبامين تخلق لذة فورية وهشة، تُدمن عليها العين، وتُحول العقل من “التفكير المركز” إلى “التفحص المُشتّت”.
- اللذة المُرتبطة بالغضب: عند التفاعل مع منشورات الظلم أو الجدل، نشعر بلذة التنفيس العدواني أو المشاركة الأخلاقية دون تحمل تكاليف الفعل الحقيقي، وهذا يمثل نوعاً من اللذة اللاكانية، حيث نُرضي دوافعنا القوية عبر قناة رقمية آمنة نسبياً (Žižek, 2008).
ثانياً: التحولات المجتمعية والسرديات الأربعة للاستحواذ
الاستحواذ الرقمي ليس فردياً فحسب، بل هو نتاج تفتيت السرديات الكبرى إلى وحدات صغيرة قابلة للاستهلاك الفوري، هذا التفتيت يولد أربعة مصادر رئيسية لاستمرار التفاعل:
- هوس الاعتراف والوجود (The Confession Economy):
توفر الشبكات منصة غير مسبوقة لـ “الاقتصاد السردي“ نشر التجارب الشخصية، قصص الفشل، والاعترافات يغذي رغبتين عميقتين:
- رغبة الناشر: في الحصول على الاعتراف والتأكيد على الوجود (Confirmation of Existence) من خلال التفاعل الخارجي (الـ Likes والتعليقات).
- رغبة الرائي: في التعاطف (Empathy) والمقارنة الاجتماعية (Social Comparison)، مما يكسر العزلة الفردية بشكل سطحي، هذا التبادل يخلق رابطاً اجتماعياً هشاً، لكنه يعيد تعريف الهوية الذاتية في سياق العرض الرقمي المستمر.
- لذة الفكاهة السريعة والإيجاز الساخر (The Economy of Sarcastic Brevity):
الوحدات الثقافية القصيرة والساخرة (الومضات الفكاهية المُتداولة) التي تنتشر بسرعة وتتعلق بالمواضيع اليومية والاجتماعية.
- هذه الومضة الفكاهية المُتداولة هي أداة للتفكيك الثقافي السريع. الضحك الذي تسببه هو لذة سريعة تُطلق التوتر، لكنه أيضاً يلبي رغبتنا في “التفاهم الفوري“ و”الانتماء اللحظي” عبر لغة مشتركة وفورية لفهم الواقع المُعقد دون الحاجة إلى تحليل عميق، هذا يرضي رغبتنا في أن نكون جزءاً من الموجة السائدة، ويسهل التواصل الرمزي السريع، مما يؤدي إلى تكييف سلبي مع محتوى يفتقر إلى العمق.
- التمرير اللانهائي كإلغاء للوقت:
ميزة التمرير اللانهائي (Infinite Scrolling) ليست مجرد ميزة تصميم ذكية؛ إنها تمثل حالة “الوجود المُعلَّق“. في هذه الحالة، يتم إيهامنا بأن هناك دائماً “شيئاً آخر” يستحق المشاهدة، مما يلغي إحساسنا بـ نهاية زمنية للبحث، هذا يؤدي إلى حالة من الرغبة المُؤجَّلة باستمرار، وهو ما يُبقينا نشاهد ونستهلك ساعات طويلة، هذه الآلية تضرب بشكل مباشر قدرتنا على تحديد الأهداف، حيث يتم استبدال الهدف (Goal) بالعملية (Process) اللانهائية (Van Dijck, 2013).
- إضفاء الطابع الفردي على المشكلات البنيوية:
إن الشبكات، وخاصة الثقافة السائدة لـ “التحسين الذاتي” (Self-Improvement)، تحوّل المشكلات البنيوية (مثل الظلم الاقتصادي، أو التمييز، أو القلق الناجم عن ظروف سياسية) إلى مشكلات فردية في الإدارة العاطفية، بدلاً من أن يطالب الفرد بتغيير الظروف، يُطلب منه أن “يُحسّن مهارات تنظيم المشاعر” أو “إدارة التوتر”، هذا التحول يمثل تفريغاً سياسياً ونفسياً للمشكلة، حيث يُنقل عبء المسؤولية عن الظروف السامة من البيئة إلى الـ “ذات” الفردية.
ثالثاً: انعكاسات على الصحة النفسية
للمجتمعات التي تعاني من الصدمات والهشاشة، فإن الاستغراق في متاهة اللذة المتقطعة له انعكاسات خطيرة على مفهوم المرونة النفسية (Resilience):
- تعطيل التعافي: تتطلب عملية التعافي من الصدمة الجماعية معالجة بطيئة وصادقة ومكلفة للذاكرة، اللذة السريعة الرقمية توفر “مخدراً” مؤقتاً يُلغي الرغبة في خوض الألم الضروري للمعالجة.
- هوية مُشتتة: يتم تعريف الذات من خلال التفاعل الخارجي المتغير الـ Likes والمشاركات، مما يؤدي إلى هوية هشة وغير مستقرة، تعتمد على التقييم المستمر من الآخرين.
- إضعاف الفعل الحقيقي: إن استهلاك الطاقة العاطفية في الغضب الرقمي أو التعاطف السطحي يقلل من المخزون النفسي المتاح للمشاركة في الفعل المجتمعي الحقيقي أو بناء العلاقات المتينة في الواقع.
الخلاصة والتوصيات
شبكات التواصل الاجتماعي ليست بريئة؛ إنها تحافظ بوعي على نار الرغبة والاهتمام مشتعلة لدينا من خلال تقديم جرعات لا نهائية من اللذة المتقطعة التي لا تحقق الرضا المطلق.
يتطلب منا الالتزام بالتنمية المجتمعية والصحة النفسية أن ننتقل من مجرد “إدارة الاستخدام” إلى “فهم الآلية الوجودية“ التي تُسيطر علينا.
- الوعي بالآلية (Awareness): يجب تعميق فهم الجمهور بأن التمرير ليس مجرد “وقت فراغ” بل عملية نفسية-بيولوجية مُصمَّمة لاستنزاف الانتباه.
- إعادة تعريف الرضا: يجب الترويج لمفاهيم الرضا الواعي الناتج عن العمل المركّز والعلاقات الحقيقية، بدلاً من اللذة السريعة الزائلة.
- فصل الهوية عن التفاعل: العمل على بناء هوية ذاتية راسخة لا تعتمد على التأكيد الخارجي من المنصات الرقمية.
المراجع:
Lacan, J. (1977). Écrits: A Selection. W. W. Norton & Company.
Van Dijck, J. (2013). The Culture of Connectivity: A Critical History of Social Media. Oxford University Press.
Žižek, S. (2008). The Plague of Fantasies. Verso Books.









