الطالب الجامعي بين ضغوط الحياة الأكاديمية والاجتماعية: آليات التكيف وسبل الصمود النفسي

تعد مرحلة الشباب من أهم مراحل عمر الإنسان ومن أكثرها حيوية ونشاطاً وتعقيداً، وذلك لأنها تأتي كامتداد لمرحلة المراهقة التي وصفها بعض العلماء بأنها مرحلة الأزمة، ومرحلة تشكل الهوية، ومرحلة تكوين الشخصية والاستقلالية، وما يصاحب هذه المرحلة من تغيرات نفسية وفسيولوجية واجتماعية وسلوكية تؤثر على الشباب ومن حولهم كالأسرة والمجتمع (السنبل، 2013).

وتشير الحياة الجامعية الى مرحلة نمو وتحول نفسي واجتماعي ومعرفي، إذ يواجه الطالب خلالها ضغوطا متزايدة تتعلق بمتطلبات الدراسة، وإدارة الوقت، والاندماج الاجتماعي، إضافة إلى تحديات اقتصادية وشخصية قد تؤثر في توافقه النفسي والأكاديمي (اسماعيل، 2022).

ويعد الطالب الجامعي الركيزة الأساسية في العملية التعليمية داخل الجامعات، إذ ينتمي الطلبة إلى بيئات ثقافية واجتماعية واقتصادية متنوعة، مما يجعل تجربتهم الجامعية مليئة بالتحديات، ويواجه الطالب خلال مسيرته الدراسية عدداً من المشكلات التي قد تؤثر سلباً في دافعيته للتعلم وأدائه الأكاديمي، وتشمل صعوبات التكيف مع الحياة الجامعية والمشكلات الدراسية التي تنعكس على تحصيله، إلى جانب المشكلات الاجتماعية التي تؤثر في علاقاته بزملائه ومحيطه، والمشكلات النفسية الناتجة عن ضغوط الحياة اليومية ومتطلبات الدراسة،
وتتعدد المشكلات التي قد تعيق التقدم الأكاديمي للطالب الجامعي، إذ يمكن تصنيفها إلى فئات متعددة مثل: المشكلات الاجتماعية، الصحية، النفسية، الأسرية، والاقتصادية، إضافة إلى المشكلات الذاتية المتعلقة بالطالب نفسه، والمشكلات الأكاديمية المتصلة بالتوجيه والإرشاد الجامعي، والإجراءات الإدارية داخل الجامعة. كما تبرز قضايا أخرى مثل ضعف الدافعية للتعلم، القلق من المستقبل، الخوف من الفشل الاجتماعي، انعدام الثقة بالنفس، ضعف التوافق مع الحياة الجامعية، سوء استثمار وقت الفراغ، إلى جانب الصعوبات المرتبطة بعلاقة الطالب بالأستاذ الجامعي وأساليب التدريس والتقويم المتبعة. (ابراهيم، 2025)

وتعد هذه الضغوط عاملًا رئيسًا في نشوء القلق الأكاديمي، الاحتراق الدراسي، وضعف الدافعية مما يجعل دراسة آليات التكيف والصمود النفسي ضرورة تربوية ونفسية (Fares et al., 2016).

وتعد الدراسة الجامعية مرحلة انتقالية محورية في حياة الفرد، إذ ينتقل خلالها الطالب من مرحلة التعليم الموجه إلى مرحلة التعليم الذاتي والمسؤولية الأكاديمية والشخصية، وفي الوقت نفسه تمثل هذه المرحلة بناءً متكاملاً للهوية المهنية والاجتماعية والذاتية، حيث يسعى الطالب إلى تحقيق طموحاته العلمية وتنمية مهاراته الحياتية وتأسيس مستقبله المهني، ومن هذا المنطلق فإن المرحلة الجامعية ليست مجرد مسار معرفي، بل هي حدث حياتي ضاغط يختبر قدرة الطالب على التكيف والتوازن النفسي (اسماعيل، 2022).

وبينت دراسات في علم النفس التربوي أن الضغوط إذا تجاوزت حدود قدرة الطالب على التحمل والتكيف، قد تؤدي إلى نتائج سلبية مثل القلق الأكاديمي، الاحتراق الدراسي (Academic Burnout)، الاكتئاب، أو فقدان الدافعية (Maslach & Leiter, 2017)، وفي المقابل أظهرت أبحاث أخرى أن امتلاك الطالب مهارات التكيف الإيجابي والدعم الاجتماعي والمرونة النفسية يحد من تأثير هذه الضغوط ويعزز قدرته على النجاح الأكاديمي (Lazarus & Folkman, 1984؛ Rutter, 2012).

وفي هذا المقال نسلّط الضوء على الضغوط الجامعية ورؤيتها من جوانبها المتعددة، ذلك أن مواجهتها واستعراض سبل المواجهة لا يمكن بأي حال دون تلمس مواضع هذه الضغوط واستعراض أهم السبل العلمية للحد منها.

فالطالب الجامعي لا يعد رقماً عابراً في كشوفات الجامعة، بل هو إنسان معرض للاضطراب بفعل ما يواجه من الضغوط والتحديات، ومن ثم فإن صحته النفسية أولوية مهمة من أولويات الجامعة، فالأخيرة لم تعد مؤسسة تقدم المعرفة فحسب، بل هي مؤسسة تسعى جاهدة لبناء إنسان قادر على الحياة.

ويهتم هذا المقال بتحليل الضغوط الجامعة وتأثيراتها، والكشف عن آليات التكيف التي يستخدمها الطلبة للتعامل معها، مع التركيز على مفهوم الصمود النفسي كإطار حديث في علم النفس الإيجابي يهدف إلى تعزيز قدرة الطالب على تجاوز الأزمات وتحقيق التوافق الأكاديمي والشخصي، ويعرض سبل التحصين النفسي والدعم الأسري والمؤسسي الذي يسهم في بناء طلاب أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة الجامعية.

طبيعة الضغوط التي يواجهها الطالب الجامعي

تشير إبراهيم (2025) إلى أن الطالب الجامعي يواجه العديد من التحديات والصعوبات في حياته اليومية، تبدأ من مرحلة التأقلم مع البيئة الجامعية ومتطلباتها، وتمتد إلى البحث عن فرص عمل تتناسب مع تخصصه وطموحاته المستقبلية، ويتعرض أثناء دراسته لضغوط نفسية واجتماعية متعددة، تتأثر بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها المجتمع، والتي بدورها تنعكس على واقع الشباب الجامعي وفرص العمل المتاحة أمامهم، فضلاً عن طبيعة المهن المطلوبة في ظل تطور المجتمعات، ومع ذلك يمتلك الطالب الجامعي طاقات وقدرات مميزة تؤهله ليكون عنصراً فاعلاً وركيزة أساسية في بناء المجتمع الذي يعيش فيه.

وتأسيساً على ما سبق نجد أن هذه الضغوط تتعدد على النحو الاتي:

1. الضغوط الأكاديمية:

وتتعلق بكل ما يتصل بالمعرفة وتلقيها وتنتج عن صعوبة المناهج، تراكم الامتحانات، الخوف من الرسوب، التقييم المستمر، ومحدودية الوقت.

2. الضغوط الاجتماعية:

الحياة الجامعية لا تنفصل عن الحياة الاجتماعية للطالب والذي يتعرض لضغوط مصدرها التوقعات الأسرية، المقارنات المجتمعية، وبناء العلاقات الجامعية الجديدة، كما أن البيئة الجامعية قد تولّد شعوراً بالعزلة للطلبة المستجدين.

3. الضغوط الاقتصادية:

ولعلّ فلسطين تتفرّد في هذا الجانب بشكل جلي، حيث بفعل الحصار والإغلاق والحرب وتداعياتها يعيش المجتمع والطلبة جزء منه حالة متردية اقتصاديًا.

وعلى المستوى الاوسع تشير تقارير تعليمية إلى أن الضائقة المالية أحد أكبر مصادر الضغط لدى طلبة الجامعات في العالم العربي (الويسي وآخرون، 2019).

4. الضغوط النفسية:

مثل القلق من المستقبل والخوف من الفشل والصراعات الذاتية المتعلقة بالهوية المهنية واستقلال الشخصية (Zimmer-Gembeck & Skinner, 2016).

الأبعاد النفسية لسلوك الطالب تحت الضغط

يتفاعل الطالب مع الضغط بشكل ينعكس على صحته النفسية وسلوكه، ومن أبرز هذه الانعكاسات:

  1. الاحتراق الأكاديمي: حالة نفسية تتسم بالإرهاق وفقدان الدافعية نتيجة الضغط المزمن (Maslach & Leiter, 2017).
  2. القلق الأكاديمي: يظهر في صورة توتر مفرط أثناء الامتحانات ويؤثر سلبا على الذاكرة العاملة (Cassady, 2010).
  3. الانسحاب الاجتماعي والعاطفي: حيث يفضل الطالب العزلة هربا من التفاعل الجامعي
  4. التسويف الأكاديمي: كآلية هروب سلبية تضعف الإنتاجية (Steel, 2007).

آليات التكيف مع الضغوط

يشير لازوروس Lazarus & Folkman 1984)) إلى جملة من استراتيجيات التكيف والتعامل مع الضغوط من خلال عمليات معرفية وسلوكية يستخدمها الفرد للسيطرة على الضغط ومنها:

1. التكيف الإيجابي ويشمل:

إدارة الوقت، الدعم الاجتماعي كحماية نفسية، المرونة في حل المشكلات، التنظيم الذاتي والانضباط، ممارسة الرياضة وتقنيات الاسترخاء.

2. التكيف السلبي ويشمل:

الانسحاب الاجتماعي، التسويف، التهرب الدراسي، الإدمان السلوكي واستخدام المهدئات.

سبل التحصين والصمود النفسي

يعرف الصمود النفسي بأنه القدرة على تجاوز الصعوبات والعودة إلى التوازن ويمكن بناؤه لدى الطالب عبر:

المرونة النفسية  والتكيف العقلي والسلوكي الإيجابي أثناء الأزمات.

الصلابة النفسية: التحكم – الالتزام – التحدي.

الذكاء الانفعالي وإدارة المشاعر الشخصية والتعاطف.

الدافعية الذاتية والإصرار والشعور بالمعنى الشخصي للإنجاز (Rutter, 2012).

المناقشة والخاتمة:

تكشف حالة التحليل لواقع الطلبة الجامعيين أن الضغوط النفسية والأكاديمية ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي محصلة تفاعل معقد بين عوامل داخلية ترتبط ببنية الشخصية والدافعية الذاتية، وعوامل خارجية تنبع من البيئة الجامعية والاجتماعية والاقتصادية؛ فالطالب الجامعي، وهو يعيش مرحلة الانتقال من الاعتمادية إلى الاستقلالية، يواجه تحديات تتعلق بإدارة الوقت، وضبط الأهداف، والتعامل مع متطلبات الدراسة المتزايدة، إلى جانب الأعباء المالية وتوقعات الأسرة والمجتمع. وهنا نجد أن الطالب الجامعي يعيش حالة دفاعية وكأنه يجابه العالم أعزل.

ورغم أن هذه الضغوط ليست ذات أثر واحد على جميع الطلبة، بل تختلف باختلاف أنماط الشخصية واستراتيجيات المواجهة المستخدمة، فهناك طلبة يستطيعون تحويل الضغوط إلى دافع نحو الإنجاز والتطور، بينما يقع آخرون فريسة للقلق والتوتر وربما الفشل الدراسي إذا غابت لديهم مهارات التكيف الإيجابي.

ويؤدي مستوى الصحة النفسية دوراً محورياً في تفسير هذه الفروق، خصوصاً أن غياب الدعم النفسي المناسب قد يؤدي إلى احتراق نفسي وضعف تقدير الذات والشعور بالعجز المكتسب.

وتبرز هنا أهمية مفهوم التحصين النفسي والمرونة النفسية لأنهما مما يساعد الطالب من مواجهة الشدائد والضغوط بطريقة فعالة؛ فالطالب الذي يمتلك مهارات في التنظيم الذاتي وإدارة الانفعالات والتفكير الإيجابي الواقعي يكون أكثر قدرة على التكيف والحفاظ على صحته النفسية، ويسهم الدعم الاجتماعي من الأسرة والأصدقاء والجامعة في تعزيز قدرته على المقاومة وتحقيق التوازن النفسي والأكاديمي.

ومن ناحية أخرى، تظهر الحاجة إلى دور فعال للمؤسسات الجامعية في دعم الطلبة، ليس من خلال تقديم المعرفة فقط، بل عبر توفير بيئة تعليمية داعمة تراعي احتياجات الطلبة النفسية والانفعالية، ورغم وجود بعض المبادرات في هذا الاتجاه، إلا أنها غالباً تظل محدودة أو شكلية في كثير من الجامعات العربية، ما يتطلب تبني سياسات مؤسسية تدمج الصحة النفسية في منظومة التعليم الجامعي بشكل جاد.

وعلى صعيد جامعة بولتكنيك فلسطين فقد تم إنشاء عيادة نفسية تقدم خدمات الإرشاد النفسي والاجتماعي للطلبة، بمساندة وحدة الإرشاد الاكاديمي في دائرة عمادة شؤون الطلبة.

المراجع:

التحديات التي تواجه الطالب الجامعي الواقع والمأمول «دراسة ميدانية على عينة من الطلبة الذكور بكلية الآداب والعلوم- المرج». مجلة آفاق للدراسات الإنسانية والتطبيقية، (3)، 161–173. https://doi.org/10.37376/ajhas.vi3.7240

السنبل، منيرة. (2013). التلوث الفكري لدى الشباب ودور خدمة الفرد في التعامل معه. المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب، 29 (58)، 133-197. https://search.mandumah.com/Record/483676

الويسي، نزار، قزاقزة، سليمان، وكنعان عيد. (2019). الضغوط النفسية وعلاقتها بالأداء المهاري لفعالية الوثب العالي لدى طلبة كلية التربية الرياضية في جامعة اليرموك. مجلة اتحاد الجامعات العربية، 39(3)21-38. https://search.mandumah.com/Record/1018421

اسماعيل، سلامة. (2022). أساليب مواجهة الضغوط والتوافق مع الحياة الجامعية لدى الطالب الدوليين بجامعة الأزهر “دراسة تنبؤيه فارقة”. جامعة الازهر، مجلة التربية، (196). https://doi.org/10.21608/jsrep.2022.315929

Cassady, J. C. (2010). Test anxiety: Contemporary theories and implications. Contemporary Educational Psychology, 35(4), 240–245.

Fares, J. et al. (2016). Stress, burnout and coping strategies in medical students. Behavioral Sciences, 6(4), 35–47.

Lazarus, R. S., & Folkman, S. (1984). Stress, appraisal, and coping. Springer.

Maslach, C., & Leiter, M. P. (2017). Burnout and engagement in the workplace. Annual Review of Psychology, 68, 515–539.

Rutter, M. (2012). Resilience as a dynamic concept. Development and Psychopathology, 24(2), 335–344.

Steel, P. (2007). The nature of procrastination. Psychological Bulletin, 133(1), 65–94.

Zimmer-Gembeck, M. J., & Skinner, E. A. (2016). Adolescents coping with stress. Developmental Review, 42, 177–193.

Facebook
Twitter
WhatsApp