تتأثر الصحة النفسية بعوامل كثيرة في أثناء الحروب، والاحتياجات تكاد تكون هائلة، وتستدعي تضافر اختصاصيين من ميادين مختلفة، فالربط بين الصحة النفسية والصحة المجتمعية أمر مهم؛ والصحة النفسية ليست منعزلة عن المجتمع، ومن الصعب جدًا أن تبقى مجالًا للحديث عن أعراض نفسية فقط كاضطرابات النوم أو اضطرابات الشهية؛ فالقضية مركبة وأعقد من ذلك، ولهذا ينبغي الحديث عن الصحة النفسية في سياق الصحة المجتمعية، بل وربما في سياق مجالات أخرى تحتاج إلى تعافٍ مثل المجال الاقتصادي، فكلها مترابطة ومتأثرة بالحروب ومؤثرة في الصحة النفسية.
سأذكر باختصار أربع نقاط فيما يخص الصحة النفسية المجتمعية في زمن الحروب أراها مهمة، وهي لا تغطي كل ما ينبغي بحثه، لكنها رؤى وأفكار:
النقطة الأولى: العلاج الفردي مقابل العلاج الجماعي ووصولاً إلى العلاج المجتمعي:
هذه النقطة في غاية الأهمية، لأن أعداد المتأثرين بالآثار السلبية الناجمة عن تبعات الحرب هائلة، ما بين نازحين وغيرهم، وفي ظل هذه الأعداد، يكون الاقتصار على العلاج الفردي دون معالجة البيئة المحيطة التي يعيش فيها الفرد، سواء كانت مباني متضررة يعيش فيها الفرد بظروف غير آمنة، أو أسرة متضررة بما أصاب هذا الفرد أو غيره من أفرادها، كل ذلك يدفعنا للحديث عن توسيع نطاق العمل في النظر إلى الصحة النفسية، ليس في شكلها الفردي فحسب كما يجري في الجلسات الفردية، بل بوصفها أمرًا ممتدًا إلى الشبكات الاجتماعية، فما يصيب الفرد نفسيًا لا بد من أن ينتقل إلى الشبكة الاجتماعية المحيطة به ويؤثر فيها ويتأثر بها.
النقطة الثانية: التركيز في العمل الفردي على منظور “الضحايا” أي كيف يرى الناجي تجربته أو الخبرة التي مرّ بها:
هذا مدخل مهم جدًّا للعلاج الفردي، ولكن ليس في العلاج المجتمعي. وصحيح أن حركات المناصرة تركز على هذا المنظور، نصرة للمتضررين، لكن الاقتصار على منظور “الضحايا” فقط على مستوى التحدث إلى الأفراد الذين يحيطون بهم أو على مستوى الحديث الإعلامي على مستوى المجتمع قد يؤدي إلى نتائج سلبية، مثل ظهور نوع من التفاضل أو التنافس بين الضحايا في إظهار شدّة المعاناة، أو زيادة أعداد الأفراد الذين يتمسكون بمنظور الضحية دون البحث عن منظور أعم وأشمل.
أذكر هنا مثالًا لشخص يعمل في مستشفى حكومي كان يستقبل ضحايا التعذيب، وهو في الوقت ذاته جزء من نظام صحي يشارك بطريقة غير مباشرة وغير مفهومة في التعامل مع المعتقلين؛ فمنظور هؤلاء العاملين في المستشفى مهم أيضاً لفهم البعد المجتمعي للممارسات العنيفة، ما الذي كان يجري؟، وكيث كانت المنظومة السياسية تسخر المؤسسات والهيئات، بل وتورطها في قضايا لها علاقة بالمعتقلين؟
التكامل بين هذه الرؤى يساعدنا على الانتقال من التركيز على الفرد وحده إلى التعامل مع المنظومة الاجتماعية، التي نحتاج إلى فهمها فهمًا كاملًا شاملًا، فعلى سبيل المثال ما الذي كان يجعل بعض الناس أن يكونوا جزءًا (بوعي أو بدون وعي) من قضية مثل الإخفاء القسري كإخفاء الوفاة أو كتم المعلومات الطبية المتعلقة بحالة شخص من الأشخاص.
النقطة الثالثة: المال الخارجي وأثره في ممارسات الصحة النفسية:
المال الخارجي الذي يموّل العلاج والمؤسسات، وفي كثير من الأحيان يفرض على المختصين أجندات أو حدودًا في عملهم، مثل تحديد المقاربات العلاجية المتبعة، أو عدد الجلسات المسموح بها لكل مستفيد، أو إلغاء إسهام المريض نفسه في التكلفة، ما يؤثر في دافعيته وتعاونه وتوقعاته من العلاج، ويمتد أثر التمويل الخارجي إلى تدريب المختصين الممول خارجيًا ولا تتحمل المؤسسات المحلية جزءًا من تكاليفه، ما قد ينعكس على نوعية التدريب والمدربين والحساسية الثقافية المهمة جدًا.
النقطة الرابعة: مرحلة “ما بعد الحرب” أو الإعلان عن نهايتها:
يظهر نوع من التفاؤل في مرحلة “ما بعد الحرب”، وهذا قد يرفع سقف التوقعات عند الناس بطريقة مؤذية، فالتوقعات الوردية المتعلقة بالتعافي السريع، والمال السريع، وإعادة الإعمار السريعة، وكشف الحقيقة السريع…
وكذلك التوقعات المتعلقة بالتعويض، التي قد توضع بنوع من التفاؤل الكبير؛ فهي ترتبط بقدرات الدولة المحدودة في هذه المرحلة وبالمساعدات الخارجية التي كثيرًا ما تبقى وعودًا على الورق.
نحن في سورية لسنا أول بلد يمر بهذه التجربة، والاطلاع على خبرات الدول الأخرى التي مرت بحروب طويلة أمر مفيد، بشرط ألا ننسخ تجاربهم كما هي.
الحديث عن الصحة النفسية في زمن الحروب لا يمكن أن يبقى محصورًا في نطاق الأعراض الفردية أو في جلسات العلاج الفردي، بل هو قضية مجتمعية مركّبة تتقاطع فيها العوامل النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ونصل من خلال النقاط الأربع المطروحة إلى أنّ التعامل مع الصدمات والآثار السلبية للحروب لا بد أن يشمل الأسرة والشبكات الاجتماعية والبيئة المحيطة بالفرد، وعدم الاقتصار على منظور “الضحايا” فالاكتفاء به يُنذر بخطر الفهم القاصر للموضوع، بينما المطلوب أن تكون النظرة برؤية أوسع للمنظومات التي تسهم في تشكيل المعاناة.
الصحة النفسية المجتمعية في الحروب (وما بعدها) تقتضي البحث عن نظرة تكاملية تتجاوز حدود التخصص الواحد والمؤسسة الواحدة، وتستفيد من خبرات الدول الأخرى مع مراعاة الخصوصيات الثقافية، ليتحول العمل النفسي إلى مشروع جماعي يوازن بين العلاج الفردي والمجتمعي.









