كان صديقي بجانبي يكتب فقرة في بحثه عن صدق أداة البحث، وبدأ يكتب عن عرْض الأداة على المحكِّمين، وفي أثناء الكتابة كتب كلمة المحطِّمين خطأً إذ إنّ الطاء بجانب الكاف في لوحة المفاتيح، ثم حذف الكلمة واستدرك؛ فاستوقفني هذا الخطأ غير المقصود، وتأملت الكلمتين، وقلت له: نعم، قد يتحوّل بعض المحكِّمين إلى محطِّمين من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وبقصد أو بدون قصد.

تمرّ البحوث العلمية بعملية التحكيم التي يُفترض أن تكون منصفة، وموضوعية، وعلمية، وتنمّي الإبداع، وتجوّد البحث، لكننا نرى في بعض الأحيان صورًا سلبية تكون فيها عملية التحكيم بعيدة عن النزاهة، وتتحول من تحكيم للبحث إلى تحطيم للباحث أو تحطيم للبحث والباحث معًا.
وأرى أنّ التحطيمَ عمليةٌ ينحرف فيها التحكيم عن المسار المهني والموضوعي، ويتحوّل من وسيلة للتقويم النافع إلى وسيلة للتقويض الضار، ويُستغَل لإهانة الباحث أو إرباكه وعرقلته أو تشويه عمله.
من صور التحطيم:
1. إصرار المحكم على إجراء تعديل يمثّل رأيه فقط مع عدم الاعتداد بوجهات نظر علمية أخرى:
قد يضع المحكّم ملاحظة بناءً على ما يراه هو، ويظن أن ما يراه هو الصحيح فقط، ويعتدّ بنفسه ويزدري الآراء العلمية الأخرى، ويصرّ على أن يعدّل الباحث وفق رأيه، ولا يقبل أن يناقَش.
2. التركيز على الأخطاء الشكلية وتضخيمها:
قد يركّز المحكّم على بعض الأخطاء الشكلية كالتنسيق أو الأخطاء الطباعية غير المقصودة ونحو ذلك، ويضخّمها ويتخذها ذريعة لإهانة الباحث وتقليل قيمة العمل، ولا يلتفت إلى جوهر البحث والعناصر الأساسية.
3. التوجه نحو الشخص وليس البحث:
قد يتجه المحكّم نحو الباحث عند تحكيم البحث، ويصدر حكمه بناء على عوامل ذاتية مرتبطة بالشخص، كعدم إعجابه به أو كرهه له، أو وجود مشكلة سابقة بينهما لا صلة لها بالبحث… ونحو ذلك، وهنا يحكّم المحكم بطريقة انتقامية غير مهنية محطِّمة، ويستهدف الباحث استهدافًا مباشرًا بلغة مُهينة؛ فيُهينه، ويُتفّه عمله.
وفي حالة أخرى قد يكون المحكم معجبًا بالشخص ويحبه، أو بينهما صلة وودّ أو علاقة مهنية؛ فيصدر حكمه كذلك بناء على عوامل ذاتية بعيدًا عن المعايير المهنية، ولا يفصح عن تضارب المصالح (Conflict of Interest)؛ فيرفع قيمة العمل الوضيع، ويغضّ النظر عن الأخطاء الجسيمة التي قد تقتضي رفض البحث، وهنا قد تتساءل، عزيزي القارئ، عن التحطيم وتقول هذا السلوك غير المهني يسعد الباحث صاحب البحث الضعيف ولا يحطمه، نعم ولكن التحطيم هنا ليس للباحث نفسه، إنما لغيره من الباحثين الذين يجتهدون ويبذلون ويرون هذا التحكيم غير المنصف؛ إذ إن العوامل الذاتية التي رفعت عملًا وضيعًا هي نفسها خفضت عملًا رفيعًا، من ثم تتحطم الثقة في التحكيم العلمي كله.
4. التأخير المفرط:
قد يتعمّد المحكم التأخر في تحكيم البحث بدون مسوغات منطقية؛ فبعض المحكمين يرى أن الباحث ينبغي أن يتأخر كما تأخر هو مع أن الباحث يكون مستوفيًا للشروط، وبعض المحكمين قد يكون مشغولًا فيكون تحكيم البحث آخر ما يفكر فيه، رغم أن انشغاله لا يسوّغ له تأخير الباحث، وهذا التأخير المفرط بقصد أو بدون قصد قد يحطّم الباحث نفسه؛ لأنه ينتظر وفي بعض الأحيان يؤدي تأخُّر التحكيم إلى تأخُّر مناقشته أو تأخُّر ترقيته أو عرقلة أي شيء مرتبط بانتهاء التحكيم، وقد يُحكّم البحث بسرعة دون قراءة متأنية، فتكون الملاحظات عامة وغير دقيقة، وتتعب الباحث وتؤخره بدون فائدة.
5. تأثُّر التحكيم والمناقشة بصراع بين الأساتذة لا صلة له بالبحث:
قد ينعكس التوتر أو الصراع بين الأساتذة على موضوعية التحكيم والمناقشة، وتتحول المناقشة إلى أداة للنيل من الطرف الآخر، فيصبح الباحث، الذي اجتهد وأمضى مدة من عمره في البحث، ضحية لصراع لا علاقة له به، وهنا يتعرض الباحث للتحطيم، إذ يُشوَّه بحثه، ويوصَم بالسوء، وتنخفض درجته، ويستهان به وبعمله، بسبب صراع بين الأساتذة.
6. قمع الإبداع:
قد يرى المحكم كلَّ خروج عن المألوف خطأً، ولا يراه محاولة لإضافة علمية جديدة، ولا يكون مستعدًا لقراءة أي شيء جديد مختلف عمّا يعرفه، وهنا يتحول التحكيم من وسيلة للتطوير إلى أداة لقمع الإبداع وإنتاج قوالب مكررة، فيُجبَر الباحث على التقيّد بما هو مألوف، أو بالمعتاد لدى المحكم، وهذا يحبط الباحث وقد يحطمه ويحطم أفكاره الجديدة.
7. المحكّم غير المختص:
قد يُسند التحكيم إلى محكم يكون اختصاصه الدقيق بعيدًا عن موضوع البحث، ولا يمتلك الكفاءة العلمية الكافية للتحكيم، فيُربك الباحث بملاحظاته التي قد تكون غير صحيحة، ويجد الباحث نفسه أمام ملاحظات ضارّة غير صالحة للأخذ بها لأنها تُفسد البحث، وقد يُجبَر على إجراء تعديلات غير علمية تُشوِّه عمله ولا تُطوّره، وهنا يتحول التحكيم إلى تحطيم للباحث نفسه، ولمصداقية عملية التحكيم.
8. الاستجابة الضعيفة أو المتأخرة عند تحكيم أدوات البحث:
يحتاج الباحث إلى تحكيم أدوات بحثه وعرضها على مجموعة من المحكّمين المتخصصين، وقد تكون استجابة المحكمين ضعيفة؛ فلا يحكّمون الأدوات أو يكون التحكيم سطحيًا، وفي بعض الأحيان يتأخرون مدة طويلة جدًّا بدون مسوغات منطقية.
ضعف الاستجابة أو التأخُّر في تحكيم الأدوات صورة من صور التحطيم الصامت؛ إذ لا يظهر ظهورًا مباشرًا كما في بعض الصور السابقة، بل يظهر في صورة تجاهل أو إهمال، لكنه يفتك بالباحث؛ فيعلّق عمله، ويعرقل مسيرته، ويؤخره.
خاتمة:
صور التحكيم التي ذكرتها فيما سبق (على سبيل المثال لا الحصر) تُنذر بالخطر، وتستدعي ضبط منظومة التحكيم وفق الأسس المهنية والأخلاقية، ومتابعة الالتزام بتلك الأسس والمعايير؛ فالبحث العلمي ينهض بالتحكيم المُنْصِف الذي يُطوّر البحث ويصون كرامة الباحث، وأختم برسالة إلى المحكّمين:
أيُّها المحكّمون، حكّموا ولا تحطّموا، واعلموا أنكم مبعوثون ليوم عظيم “يوم يقوم الناس لرب العالمين”ه









