في ظل الانتشار المتزايد للتضليل المعلوماتي الطبي وما يحمله من تبعات سلبية، ساهمت السياسات التي انتهجتها الإدارة الأميركية الحالية في تعزيز مناخ من الخوف وعدم اليقين بين المجتمع العلمي والأسر المعنية باضطراب طيف التوحد، فقد أدى التداخل بين المعلومات المضللة والسياسات الصحية المثيرة للجدل إلى تعميق أزمة الثقة بالمؤسسات الطبية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الممارسات التشخيصية والعلاجية، فقد لجأت بعض العائلات إلى المطالبة بحذف البيانات الخاصة بأطفالهم من السجلات الطبية بدافع القلق من إساءة استخدامها، فيما أُلغيت بعض التقييمات أو أُجّلت نتيجة الضغوط النفسية والاجتماعية المحيطة. ولم يتوقف الأثر عند هذا الحد، إذ امتد ليشمل المصابين باضطراب طيف التوحد أنفسهم الذين بدأوا يتساءلون عن مدى الضمانات المتاحة لحماية خصوصيتهم وصون حقوقهم.
إن هذه الحالة من الارتباك تكشف عن خطورة التداخل بين التضليل الإعلامي والسياسات الصحية غير المستقرة، حيث لا يقتصر تأثيرها على المستوى الفردي للأسر والمصابين، بل يتعداها ليهدد مجمل البنية المؤسسية للبحث العلمي والثقة المجتمعية في النظام الصحي.

شهد ربيع العام الماضي تصاعدًا ملحوظًا في الجدل المرتبط بخطاب السياسات الصحية في الولايات المتحدة، وذلك إثر تصريحات وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي، روبرت إف. كينيدي جونيور، الذي وصف التوحد بأنه “وباء متنامٍ بسرعة”، مشيرًا بشكل غير محدد إلى احتمال وجود “سم بيئي” كعامل مسبب. وقد أثارت هذه التصريحات موجة واسعة من الانتقادات، إذ اعتبرتها منظمات مناصرة للأشخاص المصابين بالتوحد تصريحات “مسيئة” وغير مسؤولة، نظرًا لما تحمله من نزعة وصم وتعميم سلبي. فقد ذهب كينيدي إلى القول إن الأطفال المصابين بالتوحد “لن يدفعوا ضرائب، ولن يعملوا، ولن يكتبوا قصيدة، ولن يخرجوا في موعد غرامي”، وهي عبارات تعكس منظورًا تقليليًا لإمكاناتهم، وتتناقض مع الأدلة العلمية التي تبرز التنوع الكبير في قدرات المصابين بالتوحد وإمكان دمجهم في مجالات متعددة من الحياة الاجتماعية والعملية. إن مثل هذه الخطابات لا تقتصر آثارها على تعزيز الصور النمطية السلبية، بل تمتد لتقويض الجهود المجتمعية المبذولة لتمكين المصابين بالتوحد، وتعميق الفجوة بين السياسات الرسمية وحقوق الأفراد الذين تسعى هذه السياسات لخدمتهم.

بالتوازي مع هذا الجدل، تم تقليص حجم التمويل الفيدرالي المخصص لأبحاث اضطراب طيف التوحد، في خطوة أثارت قلقًا واسعًا داخل المجتمع العلمي والأوساط الحقوقية على حد سواء. وقد تزامن ذلك مع توجيه وزير الصحة والخدمات الإنسانية، روبرت إف، كينيدي جونيور، بضرورة الإسراع في إنجاز دراسات تهدف إلى تحديد ما وصفه بـ “الأسباب الجذرية للتوحد” قبل سبتمبر/أيلول 2025، وهو توجه اعتُبر إشكاليًا نظرًا لاعتماده على فرضيات مسبقة قد تُضلل مسار البحث العلمي، وزاد من حدة هذه المخاوف ما أعلنته المعاهد الوطنية للصحة بالتعاون مع مراكز الرعاية الطبية والخدمات الصحية الأميركية في مايو/أيار الماضي، عن إطلاق منصة بيانات مثيرة للجدل تهدف إلى إتاحة مشاركة معلومات طبية، بالإضافة إلى بيانات يتم جمعها من الأجهزة القابلة للارتداء الخاصة بالمصابين بالتوحد، مع باحثين حكوميين، وقد أثارت هذه الخطوة نقاشًا محتدمًا حول حدود الخصوصية وأمن البيانات، إذ يخشى كثير من أولياء الأمور والحقوقيين من أن تؤدي مثل هذه المبادرات إلى انتهاك حقوق المرضى والتأثير سلبًا على ثقة الأسر بالمؤسسات الطبية، في وقت يحتاج فيه هذا المجتمع إلى تعزيز الشفافية وبناء جسور الثقة أكثر من أي وقت مضى.
بالنسبة لعدد كبير من أعضاء مجتمع المصابين بالتوحد، بدا إطلاق منصة البيانات ومبادرات جمع المعلومات أشبه بعملية مراقبة منهجية أكثر منها دعمًا حقيقيًا، خاصة في ظل خطاب رسمي يصور التوحد على أنه عبء أو مأساة أو مرض، وقد أعاد هذا الخطاب إلى الأذهان أشكال التمييز السابقة التي تعرض لها ذوو الإعاقة، بما في ذلك سياسات تحسين النسل التي استهدفت هذه الفئة في الماضي، مما أثار مخاوف بشأن استدامة حقوقهم وحماية خصوصيتهم.
في المقابل، سارعت منظمات علمية بارزة، مثل الجمعية الأميركية لعلم النفس، إلى الرد على تصريحات وزير الصحة والخدمات الإنسانية، مؤكدة أن الإجماع العلمي واضح: فالتوحد ليس نتيجة مادة سامة واحدة، أو اللقاحات، أو عامل بيئي منفرد، بل هو اضطراب نمائي عصبي معقد يتأثر بتفاعل متعدد العوامل الجينية والبيولوجية والبيئية. وقد أكدت هذه المؤسسات على أهمية الفصل بين الحقائق العلمية والخطاب السياسي، لما لذلك من أثر بالغ على تشكيل تصورات المجتمع، ودعم السياسات الصحية، وضمان توفير بيئة تشخيصية وعلاجية تحمي حقوق المصابين بالتوحد وتعزز اندماجهم الاجتماعي.

أظهرت الأبحاث العلمية ارتباط مئات الجينات باضطراب طيف التوحد، مما يؤكد الدور الحاسم للعوامل الوراثية في ظهور سماته، ومن بين هذه الدراسات، تبرز دراسة شملت 366 زوجًا من التوائم المتطابقة، والتي أكدت قوة التأثير الوراثي إلى جانب مساهمة البيئة والتجارب الفردية في تحديد كيفية ظهور سمات التوحد لدى الأفراد، كما كشفت أبحاث تصوير الدماغ عن أنماط متعددة من الاتصال العصبي، ما يدل على أن التوحد لا يسلك مسارًا واحدًا أو نمطًا ثابتًا للتطور العصبي، بل يتسم بتنوع كبير في التعبير العصبي والوظيفي، ما يعكس تعقيد الطبيعة البيولوجية والتطورية لهذا الاضطراب.

على الرغم من تفنيد المزاعم التي ربطت اللقاحات بالتوحد علميًا، لا تزال هذه الخرافة قائمة منذ نشر الدراسة المضللة التي أعدها أندرو ويكفيلد عام 1998 في مجلة ذا لانست، والتي ثبت لاحقًا أنها استندت إلى بيانات مزورة، وقد أكدت دراسات واسعة النطاق لاحقًا عدم وجود أي علاقة سببية بين اللقاحات وظهور سمات التوحد، إلا أن ضعف الثقة المستمر في المؤسسات الصحية ساهم في استمرار تداول هذه الادعاءات بين العامة، مما يعكس التحديات الكبيرة التي تواجه الجهود العلمية في مكافحة التضليل الطبي وتعزيز الوعي القائم على الأدلة.

حيث أشارت ميكا مازورك، أستاذة علم النفس وباحثة في مجال التوحد بجامعة فيرجينيا، إلى أن “العلم يتطلب وقتًا وتجارب متكررة، والاعتقاد بأننا قد نحدد سببًا واحدًا للتوحد بحلول سبتمبر/أيلول أمر غير واقعي على الإطلاق”، مسلطة الضوء على الطبيعة المعقدة للبحث العلمي في هذا المجال. وفي الوقت نفسه، امتد نقد السياسات الأميركية الحالية إلى التأثيرات الاجتماعية والنفسية للمرضى، إذ ساهم تصوير التوحد كعبء اقتصادي في تعزيز الصور النمطية التي تقوض كرامة المصابين وتقلل من إنسانيتهم، وأوضحت كاريسا بورنيت، عالمة نفس مصابة بالتوحد وناشطة في مجال التنوع العصبي، أن “اختزال حياة المصابين بالتوحد إلى قيم اقتصادية يعيد إنتاج منطق سياسات تحسين النسل نفسها التي هددت حياة ذوي الإعاقة لأكثر من قرن”، مشيرة إلى المخاطر العميقة التي يمكن أن تنشأ عن هذا النوع من الخطاب الرسمي على إدراك المجتمع وحقوق الأفراد.
أثار إطلاق منصة البيانات التابعة للمعاهد الوطنية للصحة ومراكز الرعاية الطبية والخدمات الصحية الأميركية (NIH/CMS) مخاوف واسعة، خاصة في ظل غياب ضمانات واضحة وآليات موافقة صريحة، إذ يخشى العديد من الأسر أن تُستغل بياناتهم الصحية ضدهم، وأفاد الأطباء النفسيون بارتفاع موجة القلق بين الأسر، والتي شملت إلغاء تقييمات تشخيصية، وطلب حذف سجلات، والتردد في الإفصاح عن التشخيص ضمن خطط التعليم الفردية في المدارس، وعلقت عالمة النفس جينيفر باز رايان من دنفر قائلة: “إنها حالة ذعر واستغاثة. العائلات تسأل: ماذا سيحدث لنا؟ ما مستقبل أطفالنا؟”، موضحة حجم القلق النفسي والاجتماعي الذي يعانيه أولياء الأمور.
وقد دفع هذا المناخ بعض الأسر إلى تجنب الخضوع للتشخيص، على الرغم من أن التشخيص غالبًا ما يكون المدخل الأساسي للعلاجات والخدمات التعليمية الضرورية، وحذّر الخبراء من أن هذا التردد قد يحرم الأطفال والبالغين من الدعم المستمر والضروري على المدى الطويل، مؤكدين أن التأثير يمتد إلى ثقة المجتمع بالمؤسسات الصحية والبحث العلمي نفسه، كما انعكس القلق بشكل مباشر على البالغين المصابين بالتوحد، فقد صرح بن فانهوك، طالب الدراسات العليا وناشط في مجال حقوق المصابين بالتوحد، بأنه تجنّب تلقي الرعاية الطبية خوفًا من مشاركة بياناته مع الحكومة، مضيفًا: “لقد أثر ذلك في قدرتي على الحصول على الأدوية وثقتي بأطبائي. أشك في أنهم يعملون لمصلحتي حقًا”، وهو ما يبرز التأثير العميق للمناخ السياسي والإعلامي على الثقة الشخصية والمؤسساتية.
تزيد هذه المخاوف من المخاطر النفسية على مجتمع المصابين بالتوحد، الذي يعاني بالفعل معدلات مرتفعة من القلق والاكتئاب وحتى الأفكار الانتحارية، ويرى الخبراء أن تبني ممارسات علاجية قائمة على الشفافية والوعي بالصدمات النفسية أصبح ضرورة ملحة، بما يشمل توضيح حقوق الخصوصية للمصابيين وتقليل مشاركة بياناتهم إلى الحد الأدنى الممكن.
إلى جانب ذلك، شهد العام الحالي تخفيض التمويل الفيدرالي المخصص لأبحاث التوحد بمقدار 31 مليون دولار، ما أدى إلى إيقاف عدد كبير من المشاريع المرتبطة بالعمل والتعليم والخدمات النفسية. ومن بين المشاريع الملغاة، دراسة في جامعة كورنيل كانت تهدف إلى استكشاف سبل مساعدة المصابين بالتوحد على الإلتحاق بمجالات العمل في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM). وقد علّق بن فانهوك على هذا الوضع قائلاً: “هذه التخفيضات ستعيدنا عقودًا إلى الوراء، لأنها تطيح بالأبحاث التي تساعدنا على عيش حياة أفضل”، مما يعكس الأثر المباشر لتقليص التمويل على فرص المصابين بالتوحد في الحصول على دعم ملموس ومستدام في حياتهم اليومية.

تصاعدت الجهود الشعبية لمواجهة السياسات والمعلومات المضللة المرتبطة بالتوحد، حيث تؤكد منظمات يقودها المصابون بالتوحد أنفسهم على أهمية احترام التنوع العصبي وإشراك المصابين وعائلاتهم في الأبحاث وصناعة السياسات. وأوضحت ديزي مونتغمري، عضو مجلس إدارة جمعية التوحد في كولورادو، أن “كلما أُتيح المجال للأشخاص المصابين بالتوحد للتعبير عن تجاربهم بأنفسهم، كلما تراجع تصوير التوحد كظاهرة مخيفة، التوحد هو مجرد أحد أشكال تنوع عمل الدماغ البشري”.
ومن جانبها، أكدت إليزابيث لوجيسون، عالمة النفس في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن “التوحد ليس مرضًا يُعالج، بل شكل من أشكال التنوع العصبي.
المصابون بالتوحد يفكرون ويشعرون ويتواصلون بطرق مختلفة لكنها صالحة تمامًا”، مشددة على ضرورة تغيير النظرة المجتمعية التقليدية إلى التوحد. ويشير الباحثون إلى أن مواجهة المعلومات المضللة تتطلب أكثر من مجرد تصحيحها، بل إعادة صياغة الإطار العام من خطاب الوصم إلى خطاب الاحترام والاعتراف بحقوق المصابين.
وفي هذا السياق، قالت كاريسا بورنيت بوضوح: “المصابون بالتوحد يزدهرون حين يُفهمون وتُوفَّر لهم التسهيلات اللازمة ويُعاملون باحترام، لا حين يُنظر إليهم كمرضى بحاجة إلى علاج. على صانعي السياسات أن ينتقلوا من مجرد التوعية إلى الالتزام الفعلي والدعم المستدام”، مؤكدة أن المشاركة الفعلية للمصابين في صنع القرار تعتبر خطوة أساسية نحو مجتمع أكثر عدالة وشمولية.
المراجع:
Belluck, P. (2023, October 16). U.S. autism data project sparks uproar over ethics, privacy and intent. The Washington Post. https://www.washingtonpost.com
Tick, B., Bolton, P., Happé, F., Rutter, M., & Rijsdijk, F. (2016). Heritability of autism spectrum disorders: A meta-analysis of twin studies. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 57(5), 585–595. https://doi.org/10.1111/jcpp.12499
Warrier, V., Toro, R., Won, H., Leblond, C. S., Cliquet, F., Delorme, R., & Geschwind, D. H. (2022). Examining sex differences in autism heritability. JAMA Psychiatry, 79(3), 219–229. https://doi.org/10.1001/jamapsychiatry.2021.3979
EurekAlert! (2022, November 10). Decoding autism through neuroimaging: How alterations in brain connectivity shape symptoms. American Association for the Advancement of Science. https://www.eurekalert.org
Deer, B. (2011, January 6). The discredited doctor hailed by the anti-vaccine movement. BMJ, 342, c5347. https://doi.org/10.1136/bmj.c5347
Horne, Z., Powell, D., Hummel, J. E., & Holyoak, K. J. (2015). Quantifying the effect of Wakefield et al. (1998) on skepticism about MMR vaccine safety in the U.S. PLoS ONE, 10(8), e0134453. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0134453
Taylor, L. E., Swerdfeger, A. L., & Eslick, G. D. (2014). Vaccines are not associated with autism: An evidence-based meta-analysis of case-control and cohort studies. Vaccine, 32(29), 3623–3629. https://doi.org/10.1016/j.vaccine.2014.04.085
American Psychological Association. (2020, July 21). Psychologists advocate for autism amid a wave of misinformation. https://www.apa.org
Mason, J., & Shumaker, L. (2023, September 28). Exclusive: Trump administration defunds autism research in DEI and ‘gender ideology’ purge. Reuters. https://www.reuters.com
Mason, J. (2023, November 12). Exclusive: Kennedy’s autism data project draws more than 100 research proposals, sources say. Reuters. https://www.reuters.com









