في عالم تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، يُعد فهم آليات تعديل السلوك حجر الأساس في تصميم التدخلات الفعّالة، ومن بين هذه الآليات، يبرز مفهوم إطفاء السلوك كأداة جوهرية تُستخدم لإيقاف السلوكيات غير المرغوبة من خلال إزالة التعزيز الذي يُبقيها قائمة. فعندما يُحرم السلوك من العواقب التي كانت تعززه سابقًا، يبدأ تدريجيًا في التلاشي والاختفاء.
يُعد الإطفاء أكثر من مجرد تجاهل للسلوك؛ إنه عملية منهجية تتطلب دقة في تحديد وظيفة السلوك، وفهم السياق الذي يحدث فيه، وتطبيق استراتيجيات مدروسة لضمان فعاليته دون التسبب في آثار جانبية غير مرغوبة مثل “الانفجار السلوكي” أو ظهور سلوكيات بديلة، في هذا المقال، سنستعرض مفهوم الإطفاء، شروط نجاحه، التحديات المرتبطة به، وأمثلة تطبيقية توضح دوره في تعديل السلوك ضمن بيئات تعليمية وعلاجية مختلفة.
إطفاء السلوك:
الإطفاء أو الانقراض هو إجراء يتم فيه حجب التعزيز للسلوك المقوى مسبقًا ويقل تواتر السلوك، على سبيل المثال، ضع في اعتبارك طفلا يتسلق الرفوف في المخزن بشكل متكرر للحصول على ملف تعريف ارتباط من الرف العلوي، حيث “أخفته” أمي، يتم تعزيز سلوك التسلق بملفات تعريف الارتباط. إذا توقفت أمي عن شراء ملفات تعريف الارتباط معا، عندما يتسلق الطفل الرفوف، فلن يتم تعزيزه لأنه لا توجد ملفات تعريف ارتباط (أو غيرها من الحلويات). في النهاية سوف يقلل أو يتوقف عن تسلق الرفوف بسبب نقص التعزيز. (Johnson، 2013) هذا هو الإطفاء.
إجراءات الإطفاء:
لكل نوع من أنواع التعزيز نوع يقابله من الإطفاء، يمكن تصنيف إجراءات الإطفاء إلى ثلاثة أنواع، حيث إخماد السلوكيات التي يتم الحفاظ عليها من خلال:
1-إطفاء ناتج عن التعزيز الإيجابي.
تنقسم السلوكيات التي يُحافظ عليها التعزيز الإيجابي إلى نوعين:
أولًا: السلوكيات التي يُحافظ عليها من خلال الحصول على الاهتمام الاجتماعي أو لفت الانتباه،
في حالة السلوكيات التي يتم الحفاظ عليها من خلال لفت الانتباه، فإن عملية الإطفاء تتم في الواقع من تجاهل السلوك.
لنأخذ مثالاً:
عندما تزور العمة ابنة أخيها “ميلا”، تقضي وقتًا طويلًا في اللعب معها، ومع ذلك كلما جلست على الأريكة للدردشة مع أخيها وزوجة أخيها، تبدأ ميلا بمناداتها وجذبها إليها، فتبدأ عمته بالاهتمام بها واللعب معها مجددًا (بموجب التعزيز).
في أحد الأيام، أدركت العمة أن سلوك “ميلا” قد يُحافظ عليه بتعزيز الاهتمام، فبدأت تتجاهلها كلما نادتها وجذبها إليها (بطريقة الإخماد) ينخفض تكرار هذا السلوك مستقبلًا.
الإطفاء لا يعني دائما التجاهل
من الأخطاء الشائعة اعتبار الإطفاء تدخل يتضمن تجاهل للسلوكيات فقط (Miltenberger,2008)، في بعض الحالات يكون تجاهل السلوك هو تعزيز، لكي تكون العملية فعالة من الضروري تحديد وظيفة السلوك والتعزيزات التي تحافظ على السلوك والتوقف عن تقديمه.
ثانيًا: السلوكيات التي يُحافظ عليها للوصول إلى الأشياء الملموسة.
في حالة السلوكيات التي يتم الحفاظ عليها من خلال الوصول إلى الملموسات، فإن إجراء الإطفاء يتكون من وقف أو قَطْع الوصول إلى التعزيز المحسوس.
لنأخذ مثالاً:
“ميلا” تصرخ على أخيها أحمد؛ لأنها تريد مجموعة مكعبات بناء الليغو خاصته، أحمد في حالة سكون وبعد بضع دقائق، وبينما لا تزال “ميلا” تصرخ، يسمع أحمد أغنية مسلسله الكرتوني المفضل من التلفزيون. يخرج من الغرفة ويقول ل”ميلا”: “حسنًا، يمكنكِ الحصول على مكعبات الليغو لم أعد مهتمًا بها!” (يُطبّق هنا التعزيز).
في الأيام التالية، تصرخ “ميلا” مرة أخرى للحصول على مكعبات البناء، لكن أحمد لا يُعطيها لها (يُطبّق عليها الإطفاء). وينخفض معدل الصراخ في المستقبل.
إذا كان أحمد قد تجاهل “ميلا”، وسمح لها بأخذ الليغو بعد الصراخ، فلن يتضاءل أو ينخفض السلوك!
2-إطفاء ناتج عن التعزيز السلبي.
في حالة السلوكيات التي يتم الحفاظ عليها من خلال التعزيز السلبي، يتمثل إجراء الإطفاء في عدم إزالة المثير المنفر بعد حدوث السلوك. يسمى هذا الإجراء “الهروب من الإطفاء”.
مثال:
تعمل معالجة سلوكية مع الطفلة سلمى جنبًا إلى جنب، عندما تُقدّم لها المعلمة تمرينًا جديدًا تترك سلمى الطاولة وتبدأ بالركض في أرجاء الغرفة الصفية، تعيدها المعلمة إلى الطاولة وتقدم لها تمرينا أسهل تجيده بالفعل (مع تعزيز).
بعد الاجتماع مع المشرف، يُتّخذ قرار بعدم تغيير التمرين عند عودة سلمى إلى الطاولة مع أخذ التدابير اللازمة مع الإطفاء، ومع مرور الأيام، يقلّ عدد مرات النهوض والركض في أرجاء الغرفة الصفية، لو تجاهلت الأخصائية سلمى ببساطة، وسمحت لها بالنهوض والركض، لما انخفض سلوكها!
3-إطفاء السلوك الناتج عن التعزيز التلقائي (الحسي).
وأخيراً: لنتحدث عن السلوكيات التي يُحافظ عليها التعزيز الذاتي، أي تلك السلوكيات التي تُنفَّذ لأنها تُنتج مُثيرا حسيًا مُمتعًا للشخص.
في هذه الحالة، تتمثل عملية الإخماد في إخفاء المُثير الحسي الناتج أو إزالته، غالبًا ما يتم ذلك باستخدام أدوات مثل القفازات المطاطية، ونظارات السلامة، والخوذ الواقية، وما إلى ذلك.
لنأخذ مثالاً:
عندما يكون رامي في سيارة عائلته، فإنه دائمًا ما يطرق بيديه على السقف طوال معظم الطريق (مع التعزيز)، أُجري تحليل وخلُص إلى أن السلوك مُحافظ عليه بالتعزيز التلقائي. قامت والدة ماركو بتغطية سقف السيارة ببطانة ناعمة، ولم يعد ماركو يحصل على التعزيز الحسي المطلوب (مع الإطفاء). في الأيام التالية، قلّ سلوك رامي المتمثل في طرق يديه على السقف حتى توقف تمامًا. لو تجاهلته والدته، لما قلّ سلوكه.
ربما فكرتَ وأنت تقرأ هذا المقال: “ليت الأمر بهذه السهولة! لو تجاهلتُ صراخ طفلي أو أيا كان السلوك لكان أضعاف ما كان في السابق حتى يحصل على ما يريد!”
في الواقع، ما تفكر به وما يحدث هو ظاهرة طبيعية تمامًا وموثقة علميًا، سنتطرق بالحديث عنها ضمن التحديات المحتملة والتأثيرات المحتملة.
التأثيرات المحتملة عند استخدام الإطفاء:
قد يُشكّل تطبيق سياسة الإطفاء Ext تأثيرات وتحديات كما الآتي:
- خفض تدريجي للسلوك، بعد أن تأكد الفرد بأن سلوكه لم يعد يحظى بالتعزيز فيكف عن القيام بذلك السلوك.
- الزيادة الأولية في السلوك، في البداية، قد تلاحظ زيادة في السلوك غير المرغوب فيه قبل أن يتراجع. تُعرف هذه المرحلة باسم “انفجار أو ثورة الإطفاء” extinction burst، وقد تكون مفاجئة، ومن الضروري الحفاظ على الثبات خلال هذه المرحلة.
- الاستجابات العاطفية Emotional Responses، قد يُظهر الأطفال الإحباط أو الغضب أو الحزن عندما يدركون أن سلوكياتهم السابقة لم تعد تُحقق النتائج المرجوة، قد يُصعّب هذا الاضطراب العاطفي العملية على كلٍ من الطفل ومُقدّم الرعاية وكل من يشارك في تطبيق الإجراء.
- الظهور التلقائي أو الاستعادة التلقائية temporary spontaneous recovery للسلوك، وهي حدوث السلوك وظهوره فجأة بعد اختفائه فترة من الزمن.
- عودة السلوك مجدداً Resurgence، فقد يظهر السلوك مرة أخرى إذا تحولت جلسات الانقراض إلى سياق يحتوي على محفزات تشبه تلك الموجودة في التكييف أو جديدة. لماذا؟ نظرا لأن السياق الآن يختلف عن السياق المستخدم في الانقراض، فقد لا يستدعي ذاكرة الفرد لعملية الانقراض. في الإعادة، فإن العامل الرئيسي الذي يؤدي إلى عودة ظهور السلوك المطفأ هو أنه بدون أداء السلوك، يتعرض الفرد لنفس المحفزات التي عززت السلوك في الأصل. وعلى من يستعمل هذا الإجراء الاستمرار به وتعزيز السلوك البديل عن السلوك المُشكل حتى لا يعود السلوك مرة أخرى (2012 , Sarafino )
كيفية تطبيق وإدارة الإطفاء بشكل مناسب:
عند تطبيق سياسة الإطفاء من الضروري التعامل معها بحكمة، وإليك بعض أفضل الممارسات:
1- فهم وظيفة السلوك
لمعالجة نوبات الإطفاء وإدارتها بفعالية، يُعدّ إجراء تقييم السلوك الوظيفي أمرًا بالغ الأهمية، يتضمن هذا التقييم رؤية قيّمة حول أسباب نوبات الإطفاء والسلوكيات والعواقب التي تُسهم في هذه السلوكيات الصعبة، ويُرشدك إلى تطوير استراتيجيات التدخل المُناسبة، مُصممة خصيصًا لتلبية احتياجات المتعلم.
ثم ابدأ بتحليل وظيفة السلوك، يمكن أن تكون وظائف السلوك معقدة مثل وهذا يتطلب استعدادًا وبحثًا أعمق.
2- تعليم مهارات التواصل الوظيفي
يُعد تعليم مهارات التواصل الوظيفي من أكثر الطرق فعاليةً للحد من السلوكيات الصعبة، فمن خلال تزويد المتعلمين بطرق بديلة للتعبير عن احتياجاتهم ورغباتهم، يُمكنك تقليل اعتمادهم على السلوكيات الصعبة.
3- استخدام التعزيز التفاضلي
نتيجةً للتأثيرات الجانبية المحتملة، ونتيجة لبعض مشكلات التنفيذ المرتبطة بالانقراض، لا يُوصى عادةً بالانقراض أو الإطفاء كعلاج مستقل، بل غالبًا ما يكون جزءًا من نهج علاجي أكبر. أحد الأمثلة الجيدة على هذا النهج العلاجي الأكبر يُعرف بالتعزيز التفاضلي (Roane, Ringdahl, & Falcomata, 2015)
4- التعزيز التفاضلي للسلوكيات البديلة (DRA)
بدلًا من محاولة إيقاف سلوك ما، علّم الطفل طريقة بديلة ومناسبة لتحقيق النتيجة نفسها، على سبيل المثال: على سبيل المثال، إذا أردنا إيقاف جين عن النداء في الصف، يجب أن نتخلص من أي تعزيز تتلقاه نتيجة للنداء (الاهتمام)، لكن ينبغي علينا تعزيزها لفترات السلوك الهادئ، مثل قيامها بأوراق عملها. (Kearney, 2008)
5- وسائل الدعم البصري
من الضروري التركيز على الاستراتيجيات البصرية في تنظيم حياة الأفراد وتعليمهم وتأهليهم والتعامل مع سلوكياتهم السلبية وإكسابهم سلوكيات اجتماعية ملائمة وعدم النظر إلى الاستراتيجيات البصرية كوسيلة لتدريبهم على التواصل الوظيفي فحسب كنظام التواصل بتبادل الصور بيكس. (إسماعيل، 2012، ص 67)
6- تقييم العوامل البيئية
قيّم أي عوامل بيئية قد تُسهم في السلوك غير المرغوب فيه أو تُعززه خلال نوبة إطفاء السلوك. يُمكن أن يُقلل تحديد هذه العوامل وتعديلها من حدوث هذه النوبة وشدتها، يُعرف هذا بالتدخل القبلي.
7- التدريب على المهارات الاجتماعية
من خلال لعب الأدوار والقصص الاجتماعية وأنشطة بناء المهارات الاجتماعية المنظمة تستهدف أوجه القصور المحددة في المهارات الاجتماعية، مما تمكن المتعلم من تعلم السلوك المناسب وممارسته في مختلف المواقف.
وكلما ازدادت كفاءة الشخص في مهارات الاجتماعية، قلّت احتمالية إظهاره سلوكيات صعبة خلال جلسات تحليل السلوك التطبيقي.
8- الحفاظ على الهدوء والثبات
أثناء فترة الإطفاء، تذكر أن تحافظ على هدوئك وتجنب الاستسلام، على الرغم من أن الأمر قد يكون صعبًا، إلا أن الثبات هو الأساس.
9- مراقبة الاستجابات الانفعالية والعاطفية
انتبه لتأثير هذه العملية على الفرد، إذا سببت الاستراتيجية ضائقة نفسية فمن الضروري إعادة تقييم استخدامها.
10- مراقبة وتسجيل التقدم
تتبع بدقة وتيرة السلوك وشدته ومدته أثناء ثورته. من خلال القيام بذلك، يمكنك قياس التقدم بموضوعية، وضبط تدخلك، والمثابرة مع العلم بحدوث التغيير.
من أجل زيادة احتمال نجاح الإطفاء نحتاج إلى أخذ النقاط التالية بعين الاهتمام:
1.تحديد معززات الفرد وذلك من خلال الملاحظة المباشرة.
2.الاستخدام المنظم لإجراءات تعديل السلوك لما لذلك من أهمية قصوى في نجاح الإجراء.
3.تحديد المواقف التي سيحدث فيها الإطفاء وتوضيح ذلك للفرد قبل البدء بتطبيق الإجراء.
4.الإطفاء حتى لو استخدم بمفرده إجراء فعال لتقليل السلوك ويكون أكثر فعالية إذا عملنا على تعزيز السلوكيات المرغوبة في الوقت نفسه.
5.التأكد من أن الأهل والزملاء والمعلمين …الخ سيساهمون في إنجاح الإجراء وذلك بالامتناع عن تعزيز الفرد أثناء خضوع سلوكه غير المرغوب للإطفاء، فتعزيز السلوك ولو مرة واحدة أثناء خضوعه للإطفاء سيؤدي إلى فشل الإجراء أو التقليل من فعاليته. (بطرس، 2010، ص 248)
الخلاصة:
إطفاء السلوك في تحليل السلوك التطبيقي (ABA) هو إجراء منهجي يهدف إلى تقليل السلوكيات غير المرغوبة عبر إزالة التعزيز الذي يُبقيها قائمة، يتطلب نجاحه فهم وظيفة السلوك والسياق المحيط به، وتطبيق استراتيجيات مدروسة مثل التعزيز التفاضلي وتعليم التواصل الوظيفي، من أبرز تحدياته الانفجار السلوكي والاستجابات العاطفية، لذا يُوصى بدعمه بوسائل بصرية وتقييم بيئي دقيق، يُعد الإطفاء جزءًا من خطة تدخل شاملة وليس علاجًا مستقلًا، ولضمان نجاح إجراء الإطفاء في تعديل السلوك، يجب تحديد المعززات بدقة عبر الملاحظة، وتنظيم تطبيق الإجراءات بشكل منهجي. من المهم توضيح المواقف التي سيُنفذ فيها الإطفاء للفرد مسبقًا، وتعزيز السلوكيات المرغوبة بالتوازي مع الإطفاء، كما يُشترط تعاون المحيطين بالفرد في الامتناع عن تقديم أي تعزيز للسلوك غير المرغوب أثناء تطبيق الإجراء، لأن أي تعزيز ولو لمرة واحدة قد يُفشل العملية.
المراجع:
إسماعيل، حازم رضوان. (2012). التوحد واضطرابات التواصل. دار مجدلاوي للنشر والتوزيع
بطرس، بطرس حافظ. (2010). تعديل وبناء سلوك الأطفال. دار الميسرة للنشر والتوزيع والطباعة
Cooper, J. O., Heron, T. E., & Heward, W. L. (2007). Applied behavior analysis (2nd ed.). Pearson Education.
Miltenberger, R. G. (2008). Behavior modification: Principles and procedures (4th ed.). Wadsworth Cengage Learning.
Kearney, A. J. (2008). Understanding applied behavior analysis: An introduction to ABA for parents, teachers, and other professionals. Jessica Kingsley Publishers.
Sarafino, E. P. (2012). Applied behavior analysis: Principles and procedures for modifying behavior. wiley.
Elle Olivia Johnson. (2013). The parent’s guide to in-home ABA programs: Frequently asked questions about applied behavior analysis for your child with autism. Jessica Kingsley Publishers.
Roane, H. S., Ringdahl, J. L., & Falcomata, T. S. (2015). Clinical and organizational applications of applied behavior analysis. Elsevier.









