ترك خيمته وعاد إلى حيّه، ومنزله، لكنه دخلهما بخطى مرتجفة، وفجأة بدأت الدموع تنهمر من عينيه، ثم توقف، لماذا؟
لم ير والده الذي فقده نتيجة القصف، ولم ير جارهم الذي توفي نتيجة وباء كورونا، ولم ير والدة صديقه (جارتهم) لسبب لا يعرفه، ناهيك عن الأحاديث التي تترامى إلى سمعه عن المعتقلين من محيطه الذين لم يجدوا منهم أحداً بالإضافة لعدة منازل في حيه مدمرة.
سأسلط الضوء في هذا المقال على الوضع النفسي للأفراد العائدين حديثاً إلى قراهم ومنازلهم المدمرة.
انطلاقاً من الافتراض الأساسي بوجود ارتباط طبيعي بين الإنسان والمكان، وهو منظور مستقر، وكما صاغته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيان مقتبس على نطاق واسع أن الإنسان ليس روحاً سماوية تعيش خارج المكان أو الزمان، بل هو كائن أرضي له جذور في الأرض، وقد شكل معتقدات وقيم مشتركة ومنحها هوية، فالرابط بين الإنسان والأرض رابط عميق.
ويشير غوبتا وفيرغسون (1997) إلى أن تذكر الوطن بين المجتمعات النازحة يظل أحد أقوى الرموز الموحدة للنازحين، ولا شك أن الوطن والارتباط به باعتبارهما تمثيلاً مادياً للهوية وما يترتب عليها من فقدان يبرزان بقوة في ذاكرة اللاجئين وغالباً ما تشكل ذكريات الوطن هذه دافعاً قوياً للعودة. (Zetter, 2021, P.11-12)
تعريف العودة:
تستخدم مصطلحات وتعريفات متنوعة في الأدبيات منها هجرة الارتداد وهجرة العودة إلى الوطن وتدفقات العودة.
ويعرف (2007) Dustmann and Weiss هجرة العودة بأنها: حالة عودة المهاجرين إلى بلدهم الأصلي باختيارهم غالباً بعد فترة طويلة في الخارج.
ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة تعرف هجرة العودة بأنها: حركة عودة الشخص إلى بلده الأصلي، أو محل إقامته المعتاد عادة بعد قضاء عام واحد على الأقل في بلد آخر، قد تكون هذه العودة طوعية أو غير طوعية.
وأنوه هنا إلى أن العودة إلى الوطن من أكثر الجوانب الإيجابية في حياة النازحين، ولكن أحياناً تكون العودة أصعب على النازحين الذين تلقوا مساعدات، لأن كل تهجير أو انتقال يمثل بداية لعملية استعادة صعبة؛ ففي المخيمات كانت مظاهر الاستقرار والأمن المادي ظاهرة، وتم التعامل مع المشاكل الرئيسية بشكل ملائم، وبالمقابل تتولد مشاعر عدم اليقين والمخاطر عند النازحين عند التفكير بالعودة؛ فالعائدون حديثًا إلى أوطانهم وجدوا منازل مدمرة بعد النزوح، وخاصة من عانوا من فقدان أحبائهم، يواجهون أعباء نفسية جسيمة، ومن أبرز المشكلات التي يواجهها العائدون:
- اضطرابات القلق: شعور عام بالخشية أو أن هناك مصيبة وشيكة الوقوع أو تهديد غير معلوم المصدر مع شعور بالتوتر والشدة أو خوف لا مسوغ له من الناحية الموضوعية وغالبا ما يتعلق هذا الخوف بالمستقبل والمجهول. (غانم، 2010، ص. 25)
- اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD): هو رد فعل نفسي مرضي يحدث استجابة لحدث صادم، وتُعرَّف الصدمة بأنها حدث سلبي في الحياة ينتج ضغوطاً نفسية هائلة تشكّل تحدياً للإنسان العادي في القدرة على التأقلم. (Medin, 2015, P.14)
- ذكريات الماضي المتطفلة: استرجاع مشاهد العنف، أو الدمار، أو لحظة فقدان الأحباء بشكل لا إرادي، وكوابيس مزعجة.
- التجنب: تجنب الأماكن، أو الأصوات، أو الروائح، أو الحديث عن أي شيء يذكرهم بالصدمة (مثل مكان المنزل المدمر أو منطقة سكن الجيران المفقودين).
- فرط اليقظة والانفعال: صعوبة النوم، نوبات غضب، صعوبة التركيز، ردود فعل مبالغ فيها (مثل القفز عند سماع صوت عالٍ)، الشعور الدائم بالخطر.
- المشاعر السلبية المستمرة: مشاعر الذنب (خاصة ذنب الناجي)، الخزي، العجز، الانفصال عن الآخرين، عدم القدرة على تجربة المشاعر الإيجابية.
- الحزن المعقد: اضطراب تكون فيه استجابة الحزن مستمرة وشاملة بعد وفاة شريك، أو أحد الوالدين ،أو الطفل، أو أي شخص آخر قريب من المفجوع، وتتميز بالشوق إلى المتوفى أو الانشغال المستمر بالمتوفى مصحوباً بألم عاطفي شديد مثل الشعور بالذنب والغضب والإنكار واللوم وصعوبة في الانخراط في الأنشطة الاجتماعية أو غيرها.( Delaney, 2021, P.9)
الحزن على شيء عزيز على الإنسان لا يقتصر على التأثير السلبي فحسب، بل يمتد للذكريات السابقة فالعائد إلى منزله يحزن لمجرد رؤية مكان ذكرياته مدمراً، ولا سيما إن كان عنده فقد فسيتذكر من فقدهم فيكل زاوية من منزله، وإن طال أمد الحزن، وعرقل أداء الوظائف اليومية فنحن هنا أمام اضطراب.
- الشعور العميق بالذنب (ذنب الناجي): تقدم الجمعية الأمريكية للطب النفسي تعريفاً للشعور بالذنب وهو مشاعر الذنب المؤلم حول البقاء على قيد الحياة عندما لم ينجُ الآخرون أو حول الأشياء التي كان عليهم القيام بها من أجل البقاء، وإن الشعور بالذنب لدى الناجين هو ضائقة عاطفية ذات طبيعة واعية في المقام الأول أي مشاعر الذنب، والتي تنشأ من الصدفة المتمثلة في وجود النجاة من حدث صادم أدى إلى وفاة آخرين. (Medin ,2015, P.27)
وينشأ شعور الناجي بالذنب عادة ضد الأشخاص الذين تعرضوا للموت أو شهدوه ونجوا منه، مما يؤدي إلى ضائقة عاطفية وتقييم سلبي للذات، وغالباً ما يشعر الناجون بمسؤولية عن وفاة أو إصابة الآخرين حتى عندما يكون لديهم أي سلطة أو تأثير حقيقي في الموقف. (Murray et all, 2021, P.1)
- اضطرابات التكيف: يعرف اضطراب التكيف وفقDSM-5) ) بأنه اضطراب نفسي ناتج عن العديد من الضغوطات النفسية والاجتماعية، ويتميز بأعراض مثل الانزعاج والكرب، وأحياناً توجد أعراض سلوكية في حين أن الإصدار الحادي عشر من التصنيف الدولي للأمراض ICD-11)) يعرف اضطراب التكيف بأنه متلازمة استجابة الإجهاد إلى جانب اضطرابات أخرى مرتبطة بشكل خاص بالتوتر مثل اضطراب ما بعد الصدمة واضطراب ما بعد الصدمة المعقد واضطراب الحزن لفترات طويلة ويتطلب تشخيص اضطراب التكيف خبرة واحدة على الأقل أو أكثر من الضغوط التي يمكن تحديدها. (القرني وآخرون، 2023، ص. 79)
ويعاني العائد من النزوح صعوبات كصعوبة في التأقلم؛ فرؤية مواقع الدمار وفقدان الحياة السابقة يؤدي في بعض الأحيان إلى قلق أو اكتئاب مختلط أو صعوبة في أداء المهام اليومية، ويعاني العائد إلى دياره صعوبة في التكيف مع الواقع الجديد القاسي من مشاهدة الدمار والفقر وفقدان شبكة الدعم الاجتماعي (الجيران والأقارب) ناهيك عن غياب الخدمات الأساسية.
- مشكلات العلاقات الاجتماعية والثقة:
العزلة الاجتماعية: الانسحاب من المجتمع بسبب الخزي، والحزن، أو عدم الثقة بالآخرين.
انهيار شبكة الدعم: فقدان الجيران والأصدقاء المقربين الذين كانوا مصدر دعم.
عدم الثقة بالمؤسسات والمجتمع: نتيجة الصدمة وفشل هذه المؤسسات في حمايتهم.
صعوبات في العلاقات الأسرية: التوتر، والصراعات، وصعوبة التواصل العاطفي داخل الأسرة التي تعاني أيضًا.
عوامل تزيد حدة هذه المشكلات:
- شدة الصدمة.
- مدى الدمار.
- وحشية العنف الذي شهدوه أو تعرضوا له.
- قرب العلاقة بالمفقودين.
- غياب طقوس الدفن أو التأكد من مصير المفقودين.
- عدم توفر الدعم النفسي والاجتماعي فور العودة.
- استمرار الظروف الصعبة الفقر، انعدام الخدمات، عدم الأمان، البطالة.
- غياب العدالة أو المحاسبة.
العودة عملية بناء وليست مجرد انتقال:
إن العودة إلى المنازل المدمرة ليست مجرد انتقال جغرافي من المخيم إلى الحي، بل هي رحلة نفسية واجتماعية معقدة، تختلط فيها مشاعر الفقد، والصدمات، والحنين، بالأمل في إعادة البناء؛ فالعائدون يواجهون تحديات نفسية عميقة تبدأ من اضطرابات القلق والكرب التالي للصدمة، مرورًا بالحزن المعقد والشعور بالذنب، وصولًا إلى اضطرابات التكيف وانهيار الروابط الاجتماعية، وهذه المشكلات لا تنشأ من فراغ، بل تتغذى على شدة الصدمة، وحجم الدمار، واستمرار الظروف المعيشية القاسية وغياب الدعم الفعّال.
إن إدراك عمق هذه المعاناة يحتم على الجهات المعنية (المحلية والدولية) العمل على توفير برامج دعم نفسي اجتماعي متكاملة وبرامج علاج نفسي، وإعادة بناء شبكات الدعم المجتمعي، مع ضمان بيئة آمنة وخدمات أساسية تُمكّن العائدين من استعادة إحساسهم بالانتماء والسيطرة على حياتهم؛ فالعودة الحقيقية لا تكتمل بعبور العتبة المهدّمة للمنزل، بل حين يستعيد الإنسان أمنه الداخلي، وإرادته في المضي قدمًا رغم كل الركام.
المراجع
القرني، وجدان، والحميضي، أحمد. (2023). علاقة اضطراب التأقلم بالتنظيم الانفعالي لدى عينة من الإناث والذكور المراجعين لمجمع إرادة والصحة النفسية بمدينة تبوك. مجلة العلوم التربوية والنفسية، 7(41)، 77-96.
غانم، محمد حسن. (2010). المرأة واضطراباتها النفسية والعقلية. ايتراك للطباعة والنشر.
Murray, H., Pethania, Y., & Medin, E. (2021). Survivor guilt: a cognitive approach. The Cognitive Behaviour Therapist, 14(28). https://doi.org/10.1017/s1754470x21000246
Medin, E. (2015). Treatment of survivor guilt after trauma using imagery rescripting [Doctoral thesis, University of London]. https://pure.royalholloway.ac.uk/ws/portalfiles/portal/25409607/Medin_Evelina_TREATMENT_OF_SURVIVOR_GUILT_AFTER_TRAUMA_USING_IMAGERY_RESCRIPTING.pdf
Szuhany, K. L., Malgaroli, M., Miron, C. D., & Simon, N. M. (2021). Prolonged Grief disorder: Course, diagnosis, assessment, and Treatment. Focus, 19(2), 161–172. https://doi.org/10.1176/appi.focus.20200052
International Labour Organization. (2023). Guidelines on labour market reintegration upon return in origin. International Labour Office. https://www.ilo.org/publins
Zetter, R. (2021). Refugees and their return home: Unsettling matters. Journal of Refugee Studies, 34(1), 1–27. https://doi.org/10.1093/jrs/feab005









