مقدمة
يفقد المهاجرون، عند الهجرة، كثيرًا مما اعتادوا عليه في أوطانهم من أماكن وروابط عائلية وثقافية، والتي تبقى، رغم الابتعاد الجسدي عنها، حاضرة نفسيًا ولا تفارقهم؛ فتزداد مشاعر الحنين، وقد يتركون وراءهم أسئلة جمّة حول العودة ولمّ الشمل، وتبقى غالبًا معلّقة دون إجابات واضحة أو مُرْضية، ما يفاقم معاناتهم من عدم اليقين وغياب الإغلاق النفسي لما يمرون به، نتيجة لظروف خارجة عن إرادتهم، وهو ما يجعل الفقدان الغامض بسبب الهجرة خبرة مربكة، قد تتقاطع أو تزدوج في الوقت ذاته؛ ووصفت بولين بوس (2022) ذلك بـالخبرة المتقاطعة لنوعي الفقدان الغامض، حيث ينشغل المهاجر بما وبمن فقده، فيصبح غير متاح عاطفيًا لمن حوله بسبب هذا الانشغال، وقد يزدوج حدوث نوع واحد كأن يتزامن اختفاء أحد الأحبة – وهو أمر شائع عند الهجرة واللجوء – مع مغادرة الوطن وما فيه من جذور وهوية وعلاقات، ما يجعل بعض الأفراد يعيشون فقدًا مزدوجًا في هذه الحالة، ولقد شكلت تغطية جوانب الفقدان الغامض الناتج عن الهجرة وتحديدًا فقدان الوطن، والهوية الثقافية، والعلاقات الأسرية والاجتماعية، منطلقًا لهذه الدراسة، لفهم تأثيره على الجوانب النفسية للمراهقين، مع التركيز على اضطرابات النوم، بوصفها مؤشرًا نفسيًا حساسًا للتغيرات المرتبطة بهذه التجربة.
هدف الدراسة وإجراءاتها
هدفت هذه الدراسة إلى الكشف عن العلاقة بين الفقدان الغامض بسبب الهجرة وبعض اضطرابات النوم لدى عينة من المراهقين المهاجرين إلى جمهورية مصر العربية، كما سعت إلى الكشف عن الفروق في درجات كل منهما تبعًا لمتغيرات (النوع الاجتماعي، مدة الهجرة، اختفاء أحد الأقارب، والجنسية).
وقد تم اتباع المنهج الوصفي (الارتباطي -المقارن)، وتكونت العينة من (238) مراهقًا ومراهقة تتراوح أعمارهم بين (15–18) عامًا، من الجنسيات العربية الأكثر وجودًا في جمهورية مصر العربية (السودانية، السورية، اليمنية)، واعتمدت الدراسة في جمع البيانات على استمارة للبيانات الأولية، ومقياس استجابات الفقدان الغامض للمراهقين المهاجرين، ومقياس اضطرابات النوم من إعداد الدكتورة بشرى إسماعيل (2013.
نتائج الدراسة
أظهرت النتائج الإحصائية، ما يأتي:
وجود علاقة ارتباطية موجبة ذات دلالة إحصائية بين درجة الاستجابة للفقدان الغامض بسبب الهجرة واضطرابات النوم.
وتم تفسير ذلك في ضوء النموذج السياقي للضغوط الأسرية الذي اقترحته (Boss, 2002)، حيث يمثل الفقدان الغامض الحدث الضاغط (مصدر التوتر الذي يفتقر إلى الوضوح – A)، وكيفية إدراكه (مدى الارتباك والمعنى – C) وتمثل اضطرابات النوم الأزمة (الناتجة عن التفاعل بين الحدث الضاغط وكيفية إدراكه – المتغير X)، فزيادة شدة الغموض والارتباك في الأدوار والانتماء (C) الناتجة عن الفقدان الغامض (A)، قد تؤدي إلى ضغط نفسي داخلي (X)، والفقدان الغامض بطبيعته خبرة مؤلمة وغير واضحة وتفتقر للإغلاق، وهذا ما أكدته بعض الأبحاث (Fakhro, 2023; Bunn et al., 2023)، ما يؤثر في معدل اضطرابات النوم التي تعتبر مؤشرًا لوجود توتر وعدم استقرار يرتبط بالأحداث الداخلية والخارجية التي يختبرها المراهقون أثناء الهجرة، وهذا يتفق مع عدة دراسات مثل (Lies et al., 2019; Miguez et al., 2020)

وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين درجة الاستجابة للفقدان الغامض واضطرابات النوم تبعًا لمتغيرات الدراسة كما يأتي:

النوع الاجتماعي: أظهرت الإناث استجابات أعلى شدّة في الفقدان الغامض مقارنًة بالذكور، بينما لم تظهر فروق بينهما في اضطرابات النوم، ويمكن تفسير ذلك ضمن النموذج السياقي للضغوط الأسرية، فرغم التعرض للحدث الضاغط ذاته (A)، قد تشكل الإناث معنى وإدراكًا أكثر حساسية وإرهاقًا للفقدان (C)، فضلًا عن كونهن أكثر تعبيرًا عن مشاعرهن وقد تقيّد بعض العوامل الاجتماعية تفاعلهن مع البيئة الجديدة، مما يزيد شعور الغربة والفقدان.
كما أن وجود مرونة نفسية في الأفراد، واختلاف القدرة على تحمل الغموض قد تُؤثر في تحديد شدة الاستجابة للفقدان الغامض والمعنى المدرك حوله، ومن استقراء الدراسات ذات الصلة، نجد أن الذكور أكثر مرونة نفسية من الإناث (Shi et al., 2021؛ محمد الصبوة ونسمة السعيد، 2021).
في المقابل، لم تظهر فروق بين الجنسين في اضطرابات النوم، وقد يُعزى ذلك إلى تأثير عوامل أخرى، مثل مصادر الدعم الاجتماعي وآليات التعبير (المتغير- B)، أو أن اضطرابات النوم تُعد استجابة مشتركة ورد فعل بيولوجي نفسي؛ بسبب التوترات المشتركة كالضغوطات الأكاديمية والحياتية والتغيرات الهرمونية، مما جعل مستواهم متقاربًا في اضطرابات النوم، وتعكس هذه النتيجة أهمية العوامل السياقية المتداخلة عند تفسير استجابات الأفراد، وهو ما يتسق مع روح النموذج السياقي للضغوط الأسرية.
مدة الهجرة: أظهر المراهقون حديثو الهجرة لمدة تقل عن سنة استجابات أعلى شدًة في كل من الفقدان الغامض واضطرابات النوم، مقارنًة بمن مضى على هجرتهم مدة أطول، ويُفسر ذلك من خلال البعد الزمني في النموذج السياقي للضغوط الأسرية، أي توقيت حدوث الموقف الضاغط وتأثيره على الاندماج في البيئة الجديدة، فقد تمثل السنة الأولى للهجرة حدثًا ضاغطًا لم يخضع بعد لأي تكيّف نفسي أو إعادة تنظيم أسري، فلا يزال الفقدان الغامض حديثًا وتتزايد فيه مشاعر الغموض والارتباك في حدود الأدوار والانتماء، مما قد يؤدي إلى استجابة نفسية تنعكس في اضطرابات النوم (X)، ومع مرور الوقت، يبدأ المراهقون في تشكيل معنى للتجربة والتأقلم التدريجي مع الواقع الجديد، وتتفق هذه النتيجة مع نظرية الصدمة الثقافية Culture Shock التي تشير إلى أن المهاجرين يمرّون بمراحل من التوتر والقلق عند دخولهم ثقافة جديدة، تبلغ ذروتها خلال السنة الأولى، وهي الفترة التي يسعى فيها المراهق إلى إعادة الاستقرار في حياة جديدة مليئة بالتحديات، مثل: السكن، وبناء شبكة اجتماعية، والتأقلم الثقافي، والاندماج الأكاديمي، إلى جانب ما مرّ به قبل الهجرة من ظروف، مما يجعل هذه المرحلة الأكثر إرهاقًا.
اختفاء أحد الأقارب: أظهر المراهقون الذين تعرضوا لحالة اختفاء أحد الأقارب استجابات أعلى شدًة في كل من الفقدان الغامض واضطرابات النوم، مقارنًة بمن لم يختبروا هذه الحالة، وفسرت الباحثة ذلك بأن اختفاء شخص عزيز من أشد أنواع الفقدان الغامض إيلامًا، كما أكدت ذلك عدة دراسات مثل (Zvizdic & Butollo, 2001; Renner et al., 2021)، إذ يتعذر تحديد ما إذا كان الشخص المفقود حيًا أم ميتًا، مما يربك الأدوار، ويسبب توترًا مستمرًا في النظام الأسري، قد ينعكس على المراهقين في عدة صور، منها اضطرابات في النوم، وتعد اضطرابات النوم، وتكرار رؤية الشخص المفقود في الأحلام، والقلق، واليقظة المفرطة، من الأعراض الشائعة في هذه الحالات، كما أفاد به (Boss & Carnes, 2012; Ben Attia et al, 2017)، وتعكس هذه النتيجة الخبرة المزدوجة للفقدان الغامض، والتي تشمل الفقدان الغامض بسبب الهجرة (فقدان الوطن، والهوية الثقافية، والعلاقات) والفقدان الغامض لأحد الأقارب، وقد أظهرت الدراسة أن 49% من أفراد العينة تعرضوا لهذا المتغير، مما قد جعل مستوى اضطرابات النوم أعلى لديهم.
الجنسية: أظهر المراهقون من الجنسية السودانية استجابات أعلى شدًة في كل من الفقدان الغامض واضطرابات النوم مقارنة بالجنسيات الأخرى، ويبدو أن للبعد الزمني دورًا في تفسير ذلك، نظرًا لما تشهده دولة السودان من نزاعات مستجدة منذ مطلع عام (2023)، وما نتج عنها من موجات هجرة مفاجئة وغير منظمة، مما قد أثر في شدة استجابة المراهقين للفقدان الغامض، في ظل غياب ملامح العودة والاستقرار، ويؤدي ذلك إلى ارتباك وغموض وضغط النفسي، قد ينعكس على شدة اضطرابات النوم، وتتفق هذه النتيجة مع نظرية الصدمة الثقافية التي تتأثر بمدة الهجرة التي لا تزال تبعاتها حديثة على المرهقين وأسرهم، على خلاف الجنسيات الأخرى التي مضى على عدم استقرارها سنوات عدة.
بحوث مقترحة
-
- دور المرونة النفسية والدعم الأسري كوسيطين في تأثير الفقدان الغامض في الصحة النفسية لدى المراهقين المهاجرين.
-
- دراسة مقارنة بين الذكور والإناث في آليات التكيّف النفسي مع الفقدان الغامض.
-
- العلاقة بين اختفاء أحد الأقارب والاضطرابات النفسية لدى الأطفال والمراهقين.
-
- فاعلية برنامج تدريبي لتنمية مهارات الأخصائيين النفسيين في التعامل مع حالات الفقدان الغامض.
قائمة المراجع:
إسماعيل، بشرى. (2013). مقياس اضطرابات النوم. مكتبة الأنجلو المصرية.
بوس، بولين. (2022). الفقدان الغامض: تعلم العيش مع لوعة معلقة، (ترجمة فريق من المختصين النفسيين). المكتب الفني للملتقى للنشر. (العمل الأصلي نشر في 1999).
الصبوة، محمد نجيب، نوار، و نسمة محيى السعيد. (2021). الفروق بين الجنسين في الصمود النفسي والقلق والاكتئاب لدى المراهقين. المجلة المصرية لعلم النفس الإکلينيکي والإرشادي، 9(4)، 719-755.
Ben Attia, F., Brian, T., Heiermann, A. C., Grant, S., Jarvis, C., Kovras, I., Laczko, F., Mirto, G., Polychroni, K., Robins, S., et al (2017). Missing Migrants in the Mediterranean: Addressing the Humanitarian Crisis Summary report. Mediterranean Missing.
Boss, P. (2002). Definitions: a guide to family stress theory. In Family Stress Management: A Contextual Approach (2 ed., pp. 39-70). SAGE Publications, Inc., https://doi.org/10.4135/9781452233895
Boss, P., & Carnes, D. (2012). The myth of closure. Family process, 51(4), 456-469.
Bunn, M., Samuels, G., & Higson-Smith, C. (2023). Ambiguous loss of home: Syrian refugees and the process of losing and remaking home. Wellbeing, Space and Society, 4, 100136,1-50.
Fakhro, D. (2023). Investigating the Role of Loss in Refugee Mental Health: Exploration through the Lens of Ambiguous Loss Theory.
Lies, J., Mellor, A., Jobson, L., & Drummond, S. P. (2019). Prevalence of sleep disturbance and its relationships with mental health and psychosocial issues in refugees and asylum seekers attending psychological services in Australia. Sleep Health, 5(4), 335-343.
Miguez, M. J., Bueno, D., & Perez, C. (2020). Disparities in sleep health among adolescents: the role of sex, age, and migration. Sleep Disorders, 2020.
Renner, A., Jäckle, D., Nagl, M., Plexnies, A., Röhr, S., Löbner, M., … & Kersting, A. (2021). Traumatized Syrian refugees with ambiguous loss: Predictors of mental distress. International Journal of Environmental Research and Public Health, 18(8), 3865.
Shi, X., Wang, S., Wang, Z., & Fan, F. (2021). The resilience scale: factorial structure, reliability, validity, and parenting-related factors among disaster-exposed adolescents. BMC psychiatry, 21, 1-9.
Zvizdic, S., & Butollo, W. (2001). War-related loss of one’s father and persistent depressive reactions in early adolescents. European Psychologist, 6(3), 204–214. https://doi.org/10.1027/1016-9040.6.3.204
* هذه المقالة خلاصة موجزة لرسالة الماجستير









