نمو ما بعد الصدمة

تُعد الصدمات تجربة إنسانية قاسية قد تترك آثاراً نفسية عميقة، إلا أن الأبحاث الحديثة تكشف جانباً آخر أكثر إشراقاً، يتمثل فيما يُعرف بنمو ما بعد الصدمة، فهذا النمو لا يقتصر على تجاوز الألم، بل يتجلى في إعادة بناء الذات، وتعميق العلاقات، واكتشاف فرص جديدة للحياة، بل وحتى تعزيز الحكمة والمعنى الروحي. ومن هنا، يغدو الألم منطلقاً للتحول، والجرح مدخلاً لاكتشاف قوة داخلية قد لا يدركها الفرد إلا بعد اجتياز المحنة.

مفهوم نمو ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Growth)

قدّم ريتشارد تيديشي (Tedeschi) وزميله كالهون (Calhoun) مفهوم نمو ما بعد الصدمة في أوائل التسعينات عام ١٩٩٥، باعتباره جانباً إيجابياً قد ينشأ من مواجهة الأزمات الشديدة والصدمات الحياتية. فرغم ما تحمله هذه التجارب من ضغط ومعاناة، إلا أنها قد تمنح الفرد قوة داخلية جديدة وتُحدث تغيرات إيجابية في شخصيته وحياته، مما يعزز قدرته على الصمود أمام التحديات المستقبلية. (يونس، 2018، ص. ١٩)

ولفهم هذا المفهوم، يمكن النظر إلى أمثلة من الطبيعة:

​النبتة: تُشير النبتة التي تنمو وتزدهر رغم تشقق الأرض حول جذورها إلى أن النمو يمكن أن يأخذ مجراه رغم الظروف القاسية.

​الألماس: يتشكل الألماس من عنصر الكربون تحت ضغط وحرارة شديدين في أعماق الأرض، هذا التحول يُشبه عملية النمو بعد الصدمة، حيث يمكن للظروف الصعبة أن تُحوّل الفرد إلى كائن أكثر قيمة وتألقاً (خطاب ومحمد، 2021، ص. 328).

تعريف نمو ما بعد الصدمة: (Post-Traumatic Growth)

ويعرف تيديشي وكالهون (2004) النمو ما بعد الصدمة بأنه تجربة التغير الإيجابي الناتجة عن الصراع مع الأزمات الكبرى، حيث لا يقتصر الأمر على التكيف فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى مستوى أعلى من الوعي بالحياة والنضج النفسي والتغير الجوهري في شخصية الفرد.

كما عرف إبراهيم يونس (2018) أن نمو ما بعد الصدمة يتمثل في إدراك الفرد للتغيرات الإيجابية المتنوعة التي يكتسبها بعد مروره بالصدمة وضغوطها، ويُقاس هذا النمو من خلال قائمة أعدها تيديشي وكالهون لقياس أبعاده.

إجمالاً، يمثل هذا المفهوم بُعداً مهماً لفهم كيف يمكن للإنسان أن يحول الألم والمعاناة إلى فرصة للنمو والتطور، بما يعكس قدرة النفس البشرية على إيجاد المعنى وإعادة البناء بعد الكرب والمحن.  (يونس، ٢٠١٨، ص. ١٩-٢٠)

العلاقة بين اضطراب كرب ما بعد الصدمة ونمو ما بعد الصدمة:

تباينت نتائج الدراسات حول طبيعة العلاقة بين اضطراب كرب ما بعد الصدمة ونمو ما بعد الصدمة، إذ يرى والتر وزملاؤه (Walter et al., 2012, p.155) أن الأفراد الذين عانوا أعراضاً شديدة لاضطراب الكرب أظهروا قابلية أعلى للنمو مقارنةً بمن عانوا أعراضاً أقل، وفي المقابل أشارت دراسات أخرى إلى أن شدة الأعراض تقلل من احتمالية حدوث النمو، بينما لم تجد بعض الدراسات أي علاقة دالة بين المتغيرين. (أبو عيشة، ٢٠١٧، ص. 56)

وقد حدد ليفن وآخرون أربعة أنماط رئيسة للعلاقة بينهما:

العلاقة السلبية: أعراض اضطراب الكرب تحدّ من الأداء الوظيفي وجودة الحياة، مما ينعكس سلباً على النمو.

العلاقة الإيجابية: النمو لا يحدث إلا في ظل وجود أعراض اضطراب الكرب، ما يفترض ارتباطاً إيجابياً بينهما.

الاستقلالية: اضطراب الكرب والنمو عمليتان منفصلتان، لكن يمكن أن يتعايشا معاً في المستقبل.

العلاقة المنحنية (Inverted U): يظهر النمو بشكل أوضح عند المستويات المنخفضة أو المرتفعة من أعراض الكرب، بينما تكون فرص النمو أقل عند المستويات المتوسطة للأعراض (أبو عيشة، ٢٠١٧، ص. 5٧).

كيف يحدث النمو؟

يحدث نمو ما بعد الصدمة عادة عبر ثلاث عمليات مترابطة: (1) اهتزاز الافتراضات الأساسية عن العالم والنفس، (2) المعالجة المعرفية العميقة (التفكير المتكرر الموجه للمعنى)، (3) الإفصاح والتبادل الاجتماعي الذي يتيح إعادة تنظيم السرد الذاتي والدعم. يؤكد كالهون وتيديشي أن النمو ليس (آلية تكيف فورية)، بل حصيلة مسار شاق قد يتعايش فيه الألم مع مكاسب نفسية وجودية. Calhoun & Tedeschi, 2004, p. 95))

فلسفة نمو ما بعد الصدمة (بعض الخسارة ربح):

إن تيديشي وكالهون (2004) يريدان القول: إن الحياة لا يمكن أن تكون خسارة بالمطلق كما لا يمكنها أن تكون ربح بالمطلق، فالحياة ربح وخسارة، وإذا كانت الخسارة في جانب ماء يكون الربح في جانب آخر، وإذا كان الربح في جانب ربما تكون الخسارة في جانب آخر، فعلى سبيل المثال: هناك الكثير من الأفراد الذين كانوا لا يستطيعون تحمل أبسط أنواع الضواغط اليومية والصبر على نتائجها، كصبر الموظف على بعض التصرفات السيئة لزميله في العمل قبل أن يتشاجر معه لكنهم وبعد تعرضهم للصدمات القوية أصبحوا أكثر تحملا للضواغط البسيطة وتعلموا الصبر عليها وزادت قدرتهم على تحمل نتائج الصدمات القوية ومواجهتها، وقد عبرت أنجيلا ديفيس عن ذلك بقولها: إن خسارة معركة قد تعلمك كيف تربح الحرب”، وكذلك قول مارك توين: خسارة الوزن أكبر دليل على أن بعض الخسارات ربح. (مزنوق، ٢٠٢٣، ص. ٢٦-٢٧)

أبعاد نمو ما بعد الصدمة

​حدد الباحثان تيديشي وكالهون خمسة أبعاد أساسية للنمو بعد الصدمة، وهي:

​1. تقدير الحياة: يشعر الناجون من الصدمات بزيادة وعيهم بقيمة الحياة وأهميتها، مع إعادة ترتيب أولوياتهم والنظر إلى الوقت والمعنى بشكل أعمق. فالأزمات قد تذكّر الفرد بأن الصحة والوجود نعم عظيمة، لا يدرك قيمتها إلا عند فقدانها. بذلك يصبح تقدير اللحظة الحاضرة جزءاً من فلسفة العيش بعد الصدمة (يونس، 2018، ص. 63).

​٢. العلاقات مع الآخرين: تحدث تغيرات إيجابية في العلاقات، حيث يزداد العمق والتقارب مع الآخرين، ويُقدّر الفرد أهمية وجودهم في حياته.

​٣. قوة الشخصية: يشعر الفرد بزيادة في الثقة بالنفس وقدرته على إدارة الضغوط والمواقف الصعبة في المستقبل.

​٤. الفرص الجديدة: يتمكن الفرد من إدراك الفوائد والفرص التي ظهرت نتيجة للصدمة، والتي لم يكن ليتعرف عليها لولا تلك التجربة.  (خطاب ومحمد، 2021، ص. 337)

٥. ​التغيرات الروحية الدينية: يحدث تعميق في المعتقدات الروحية، ويزداد الشعور بالمعنى والهدف في الحياة. وفي خضم المحن، يتوجه كثيرون إلى الله طلباً للعون، فيعيشون تجربة روحانية عميقة تترسخ في حياتهم لاحقًا. يقول الله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (القرآن الكريم، النمل: 62).

هذه التجربة قد تعزز الالتزام الديني والقيم الروحية، وتفتح للفرد باباً لفهم جديد للمعنى والإيمان (يونس، 2018، ص. 65).

أبعاد إضافية بحسب جوزيف:

يرى جوزيف أن النمو بعد الصدمة يمكن تلخيصه في ثلاثة أبعاد واسعة:

1. نمو العلاقات الاجتماعية: إدراك قيمة العلاقات مع الأسرة والأصدقاء بشكل أعمق، وزيادة مشاعر الرحمة والإيثار.

2. نمو إدراك الذات: وعي أكبر بالمرونة والقوة الشخصية، وتقدير الذات بطريقة إيجابية.

3. نمو فلسفة الحياة: إعادة النظر في معنى الحياة وأولوياتها، مع تقدير كل يوم جديد، والتخلص من الانشغال بالتفاهات.  (يونس، 2018، ص. 66).

الخصائص المميزة لنمو ما بعد الصدمة: هناك مجموعة من الخصائص الأساسية التي تميز نمو ما بعد الصدمة، وهي:

  • يرتبط النمو عادةً بمستويات مرتفعة من المشقة والمعاناة.
  • يُعد نتاجاً للصراع مع الصدمة، وليس مجرد آلية تكيفية عابرة.
  • يمثل عملية مستمرة تتغير مع الظروف التي يمر بها الفرد.
  • يتضمن تحطماً للفروض أو التصورات الأساسية التي كان الفرد يتبناها عن العالم والحياة.

 (العزيز، 2017، ص. 60).

  • يعبر عن تغير إيجابي في الحالة النفسية بعد تغيير الافتراضات والمعتقدات التي كانت قائمة قبل الصدمة.
  • يمكن أن يصل الفرد إلى نمو ما بعد الصدمة والتغيير الإيجابي في سلوكياته رغم وجود المعاناة المنبثقة عن الصدمة.
  • يتولد نمو ما بعد الصدمة بعد المعالجة المعرفية للحدث الصادم الذي خبره الفرد والتي تتضمن تغيير رؤيته لذاته والآخرين ونمط حياته والعالم من حوله. (مزنوق، ٢٠٢٣، ص. ٢٦)

المعالجة المعرفية وعملية نمو ما بعد الصدمة وفقاً لكالهون وتيديشي:

 يمكن تلخيص عملية النمو بعد الصدمة في النقاط الآتية:

  1. تنشأ عملية النمو عند مواجهة الفرد أزمات كبرى تهز تصوراته عن ذاته والعالم المحيط به.
  2. بعض السمات الشخصية مثل التفاؤل والانبساطية والانفتاح على الخبرة تجعل حدوث النمو أكثر احتمالاً.
  3. في البداية يحتاج الفرد إلى التصدي للضغوط الانفعالية المرتبطة بالصدمة، بالتوازي مع معالجتها معرفياً.
  4. درجة الانخراط في النشاط المعرفي والإدراكي للأزمة تمثل عاملاً أساسياً في عملية النمو.
  5. يلعب النظام الاجتماعي للفرد دوراً مهماً عبر تعزيز التقبل العاطفي والإفصاح عن التجربة.
  6. النمو يرتبط بتطوير الحكمة الحياتية وإعادة صياغة سرد الفرد لحياته.
  7. على الرغم من أن النمو يساعد على الحد من الكرب النفسي، إلا أن وجود قدر من المعاناة ضروري لحدوثه واستمراره (خطاب ومحمد، 2021، ص. 3٥٦-3٥٧).

العوامل المساعدة على مواجهة المحن والوقاية من آثار الصدمة

تشير (ليزا ميكاي) إلى مجموعة من العوامل التي تسهم في حماية الأفراد من الآثار السلبية للتجارب المجهدة، وتساعدهم على التكيف مع التغيرات والعودة بسرعة إلى حالتهم الطبيعية، وتتلخص هذه العوامل فيما يأتي:

الدعم الاجتماعي: تمثل القدرة على بناء شبكة اجتماعية صحية والحفاظ عليها عاملاً رئيساً في تعزيز الصحة النفسية والاستقرار الوجداني.

التفاؤل وتقدير الذات الإيجابي: يشمل ذلك النظرة المتفائلة للحياة، والمشاعر الإيجابية المتكررة، والإيمان بالذات، وهي صفات تدعم قوة الشخصية والقدرة على التكيف.

القوة الروحانية: تتمثل في رؤية الفرد للنظام الأخلاقي، وبحثه عن المعنى والهدف في الحياة، إضافة إلى الأمل في المستقبل والاعتقادات الدينية أحياناً، مما يجعلها من عوامل الوقاية المهمة.

البحث عن معنى: الميل الطبيعي لإيجاد معنى للأحداث الصعبة، خاصة تلك المليئة بالإجهاد النفسي، يسهم في تعزيز التكيف والوقاية من الاضطراب.

التفكير المنطقي: يتضمن إدراك الفرد لحالته العقلية وحالة الآخرين من مشاعر واحتياجات ورغبات واعتقادات، مما يعزز قدرته على التعامل مع الضغوط.

حب الاستطلاع وخوض التجارب: يرتبط الاستعداد لاكتشاف خبرات جديدة بالقدرة على التكيف وتنمية قوة الشخصية.

المهارة الفطرية: وتشمل سعة الحيلة والقدرات العقلية العامة التي تساعد الفرد على مواجهة التحديات بفعالية.

وتتضح الصلة بين هذه العوامل الوقائية ومكونات نمو ما بعد الصدمة، إذ تسهم جميعها في الحد من الاضطرابات الناتجة عن الصدمة وتدعم مسار التكيف الإيجابي (يونس، 2018، ص. 29-30).

تفسير نمو ما بعد الصدمة من خلال عدة نظريات ونماذج:

 كما تميل النباتات نحو ضوء الشمس لتنمو، يرى فريدريكسون أن للبشر ميلاً مشابهاً نحو مصادر الإيجابية والفرص التي تدعم أهدافهم، وهو ما يساعد المصدوم على استعادة طاقته النفسية والتوجه نحو الازدهار. (يونس، 2018، ص. 33). 

تفسير النظريات لنمو مابعد الصدمة كالآتي:

  1. نظرية العجز المكتسب: تشير النظرية إلى أن تكرار الفشل أمام الأزمات قد يؤدي إلى تعلم العجز والاستسلام، وهو ما يرتبط بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة من فقدان السيطرة والذكريات الاقتحامية واضطرابات النوم. لكن تجاوز هذه الحالة واستعادة الشعور بالقدرة على المواجهة يمهد الطريق للنمو الإيجابي (يونس، 2018، ص. ٣٦).
  2. العلاج بالمعنى (فرانكل): يُعد فيكتور فرانكل من أبرز من فسر النمو ما بعد الصدمة من زاوية المعنى. فهو يرى أن الإنسان قادر على تحويل المعاناة إلى إنجاز، وأن المأساة الشخصية يمكن أن تصبح مصدراً للسمو والارتقاء. ويؤكد ذلك قول جلال الدين الرومي: “إنك قد رأيت الصورة ولكنك غفلت عن المعنى” كما أن الأديان والفلسفات قدمت رؤى تعطي معنى إيجابياً للمعاناة. فالقرآن الكريم خاطب المؤمنين بعد هزيمة أحد: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (القرآن الكريم، آل عمران: 139)، مؤكدًا أن الهزيمة ليست نهاية الطريق بل درساً للنمو والتمكين (يونس، 2018، ص. 39).

كذلك ينظر فرانكل إلى الموت كحافز للحياة لا نهاية لها، إذ يقول: لسنا نحكم على السيرة الذاتية بطولها، بل بتراثها. حتى الحزن على فقد الأحبة يراه دليلاً على الوفاء والارتباط. وهذا ما يجعل البحث عن معنى إيجابي في الأزمات توجيهاً إنسانيًا وإلهيًا معًا، لقوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (القرآن الكريم، البقرة: 216) (يونس، 2018، ص. 40).

  • نموذج بولمان (2006): يرى أن النمو يتحقق عبر ثلاث عمليات أساسية: القوة من خلال المعاناة، إعادة التقييم الوجودي للمعتقدات، والتأهب النفسي الذي يمنح الفرد مناعة ومرونة أكبر تجاه الصدمات المستقبلية (يونس، 2018، ص. 42).
  • نموذج تيديشي وكالهون (2004–2006): يصف النمو من خلال تفاعل السمات الشخصية مع أساليب المواجهة والإفصاح الانفعالي. فالعمليات المعرفية كإعادة التفسير والاجترار الفكري للأزمة تعد أساساً لإعادة البناء النفسي وتحقيق التغير الإيجابي (يونس، 2018، ص. 46).

المفاهيم المرتبطة بنمو ما بعد الصدمة

يرتبط نمو ما بعد الصدمة بعدد من المفاهيم الإيجابية التي تسهم في توضيح أبعاده النفسية كالآتي:

التفاؤل (Optimism): يقوم على توقع نتائج إيجابية للمستقبل، بينما يشير النمو إلى تحقق هذه النتائج فعلياً كنتيجة للصراع مع التجربة الصادمة.

المرونة (Flexibility): تعني القدرة على التكيف مع الضغوط والتحديات على المستويات النفسية والاجتماعية والجسمية، في حين أن النمو يتجاوز مجرد التكيف ليشمل تغيراً إيجابياً في تقدير الحياة، وتعزيز العلاقات، وتقوية الشخصية والتماسك الأسري (يونس، 2018، ص. ٢٢).

ويعد مفهوم المرونة Resilience من أقرب المفاهيم إلى مفهوم نمو ما بعد الصدمة، فالمفهومان مرتبطان مع بعضهما البعض، وكلاهما يؤديان إلى التكيف الإيجابي بعد التعرض لحدث صادم.

ويُميز بعض الباحثين بين المرونة وبين نمو ما بعد الصدمة في المقولة التالية: تعبر المرونة عن العودة إلى (الوراء حالة ما قبل الصدمة)، بينما يعبر نمو ما بعد الصدمة عن القفز إلى (الأمام حالة جديدة بعد الصدمة)، لكن بعض الباحثين ضمّن المرونة في نمو ما بعد الصدمة ورأى أنه في نمو ما بعد الصدمة)، يمكن للفرد أن يقفز إلى الأمام وأن يعود إلى الوراء في نفس الوقت وهو ما يعبر عن الطبيعة المعقدة لنمو مابعد الصدمة. (مزنوق، ٢٠٢٣، ص. ٢٠)

ويتشابه نمو ما بعد الصدمة مع المرونة في النقاط الآتية:

  • كلاهما من القوى الإيجابية في الحياة.
  • كلاهما بمنزلة درع واق من التوتر والقلق في المستقبل.
  • كلاهما يدعو إلى النمو الشخصي.
  • كلاهما يحسن ويزيد من الوعي والإدراك.
  • كلاهما ينطوي على الحكمة.

ويختلف نمو ما بعد الصدمة عن المرونة في النقاط الآتية:

  • إن نمو ما بعد الصدمة غالباً ما يكون نتيجة للصدمة، أما المرونة فعادة ما تكون سمة من سمات الشخصية.
  • ينطوي نمو ما بعد الصدمة على إحداث تغيير في الشخصية ككل، بينما لا تؤدي المرونة إلى التغيير بل العودة إلى الوضع السابق.
  • الأشخاص الذين مروا بتجربة نمو ما بعد الصدمة؛ تعرضوا لحدث ضاغط أو صدمة في مرحلة ما من مراحل حياتهم، أما الأشخاص الذين يتسمون بالمرونة فلا يشترط تعرضهم للأحداث الضاغطة أو الصدمات. (مزنوق، ٢٠٢٣، ص. ٢٠-٢١)

الصلابة النفسية (Psychological Hardiness): تشير إلى اعتقاد الفرد بقدرته على مواجهة الضغوط باستخدام موارده بواقعية وإيجابية، من خلال الالتزام والتحكم والتحدي، وأشارت دراسات عربية إلى وجود علاقة بين الصلابة والخبرة الصادمة، ما يجعلها عنصراً أساسياً في مواجهة الأحداث الضاغطة (يونس، 2018، ص٢٢).

إحساس التماسك (Sense of Coherence): يتجسد في القدرة على فهم الضغوط وإدارتها وإيجاد معنى فيها، غير أن النمو يتخطى ذلك، إذ يحول الصدمة إلى مصدر قوة وفرصة للتطور الشخصي والاجتماعي (يونس، 2018، ص. ٢٣).

الازدهار النفسي (Psychological Thriving): يعكس مكاسب في المعرفة والثقة والعلاقات، ويحدث عندما يحول الأفراد التحديات إلى فرص للنمو. ورغم قربه من مفهوم النمو، إلا أن الأخير يعكس بعداً أعمق يتمثل في اكتساب الحكمة، والتعلم من التجارب، وتحويل الألم إلى دافع إيجابي شامل.

وبذلك، فإن نمو ما بعد الصدمة لا يقتصر على المقاومة أو استعادة التوازن، بل يمثل تحولاً نوعياً يحول التجربة المؤلمة إلى نقطة انطلاق للنضج والارتقاء الشخصي (يونس،2018، ص. ٢٤).

ورغم وجود بعض المصطلحات والمفاهيم القريبة من نمو ما بعد الصدمة والتي تعبر في بعض جوانبها عن تغيرات إيجابية ومرغوب فيها، فإن تيديشي وكالهون (2004) يفضلان استخدام مصطلح نمو ما بعد الصدمة لأنه:

1- يركز على نتائج الصدمات القوية strong shocks أكثر من تركيزه على نتائج المنغصات اليومية والضواغط البسيطة.

2- يعبر عن التغيرات الحقيقية التي يذكرها الأفراد بأنفسهم عن أنفسهم وليس عن التغيرات الوهمية.

3- يعبر عن عملية التغيير التي تستمر لدى الفرد بعد الصدمة وليس عن آلية من آليات التكيف التي يلجأ إليها الفرد في التعامل مع الصدمة ونتائجها.

4- ينطوي نمو ما بعد الصدمة على تهديد بتدمير المخططات الافتراضات الأساسية وتواجد الضيق الناتج عن الصدمة، وهو أمر لا تعبر عنه المصطلحات الأخرى.

إن نمو ما بعد الصدمة في النهاية يصف تجربة الأفراد الذين نموا في مجال أو أكثر من المجالات، حيث أنهم لم ينجو من الصدمة فقط، بل شهدوا تغييرات مهمة تتجاوز ما كانوا عليه قبل الصدمة، وبالتالي فإن نمو ما بعد الصدمة ليس مجرد عودة الفرد إلى ما كان عليه قبل الصدمة، بل إنه بالنسبة لبعض الأشخاص يمثل تجربة جيدة وفرصة للتحسن نحو الأفضل. (مزنوق، ٢٠٢٣، ص. ٢٥)

نمو ما بعد الصدمة الجماعي والتحول الاجتماعي:

يمكن أن تتجاوز آثار الصدمة نطاق الفرد لتشمل المجتمع بأسره، حيث يُعاد تشكيل القصة الجماعية في ضوء التجارب المؤلمة الكبرى كالحروب أو الكوارث أو الأزمات الاقتصادية. في هذه السياقات قد تنشأ تحولات إيجابية على مستوى القيم والاتجاهات، كما حدث في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية بانتقالها من ثقافة عسكرية إلى ثقافة سلم، أو في الولايات المتحدة عقب حرب فيتنام حين أعيد النظر في البعد الأخلاقي للحرب والثقة بالقيادة السياسية.

تتجسد قوة النمو الجماعي حين تُدمج الخبرات الفردية في الرواية المشتركة للمجتمع، مدعومة بقيادات قادرة على إعادة صياغة المعنى الجمعي. وتجارب مثل نهوض اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية توضح كيف يمكن للبحث عن معنى مشترك أن يحوّل الصدمة إلى دافع للنهوض والتطور (مزنوق، 2023، ص. 34–36).

خاتمة:

يتضح، في ضوء ما سبق، أن نمو ما بعد الصدمة ليس مجرد عودة إلى التوازن النفسي بعد المحن، بل هو عملية تحول عميقة تعكس قدرة الإنسان على استخراج القوة والمعنى من قلب المعاناة، فهو يتجلى في تعزيز العلاقات، وإعادة صياغة الذات، وتقدير الحياة، وفتح آفاق جديدة على المستويات النفسية والاجتماعية والروحية، وبذلك يصبح الألم، رغم قسوته، مدخلاً للتغيير الإيجابي والارتقاء الشخصي.

قائمة المراجع:

أبو عيشة، محمد سمير محمد. (2017). نمو ما بعد الصدمة وعلاقته بأعراض الاضطراب النفسي لدى مرضى السرطان [رسالة ماجستير منشورة، الجامعة الإسلامية، غزة].

خطاب، محمد أحمد محمود، ومحمد، إبراهيم يونس. (2021). قائمة نمو ما بعد الصدمة: الأسس النظرية والخصائص السيكومترية. مجلة الإرشاد النفسي، 68 (1). https://doi.org/10.21608/cpc.2021.231429

عبد العزيز، نادية محمود عليم. (2021). النمو الإيجابي بعد الصدمة وعلاقته بالأمل والصلابة النفسية لدى مرضى الفشل الكلوي. مجلة التربية في جامعة الأزهر،40 (189). https://doi.org/10.21608/jsrep.2021.154720

مزنوق، محمد صهيب. (2023). نمو ما بعد الصدمة: التحول من المِحنَة إلى المِنحَة. دار نقش للطباعة والنشر.  

يونس، إبراهيم. (2018). نمو ما بعد الصدمة: النظرية، القياس، الممارسة. دار يسطرون للنشر.

Calhoun, L. G., & Tedeschi, R. G. (2004). The foundations of posttraumatic growth: New considerations. Psychological Inquiry, 15(1), 93–102.

Facebook
Twitter
WhatsApp