المدرسة ليست مجرد مكان للتعلم، بل فضاء يفترض أن يشعر فيه الطالب بالأمان والانتماء، ولكن قد يتحول هذا المكان الآمن ألى مصدر تهديد نفسي أو عاطفي، ففي حجرة الصف، قد يظن الجميع أن مصدر الألم يأتي من زملاء قساة أو سلوكيات تنمر بين الأطفال، لكنّ هناك نمطًا أكثر خفاءً، وأشدّ إيذاءً: تنمّر المعلمين على الطلبة، المعلم الذي يُفترض أن يكون مصدر دعم وأمان، قد يتحوّل أحيانًا إلى أحد أسباب الخوف والانطواء وتدني الثقة بالنفس لدى الطالب.
وقد يكون ذلك سبباً لسلوكيات كالتمرد أو التطاول على المعلم أو الزملاء، وهي سلوكيات لا يمكن تبريرها، لكنها تستحق أن تفهم في سياقها؛ فكل سلوك أو قول يصدر من المعلم بقصد الإهانة أو التقليل أو السخرية أو الإقصاء أو الإذلال، قد يكون ذلك لفظيًا أو سلوكيًا أو عاطفيًا، وقد يتضمن السخرية العلنية من الطالب، ونبرة الاستهزاء أو التهكم المستمرة، والتهديد المستمر، أو المقارنة السلبية الدائمة بين الطلبة، أو تعمد تجاهل مشاركات الطالب، واستخدام ألقاب مهينة أو محبطة، كل ذلك من أشكال التنمر الأكثر خطراً على مجتمعنا ومستقبل أبنائنا.
ولو طرحنا السؤال على أنفسنا، بوصفنا خبراء، أو معلمين، أو إداريين، أو أولياء أمورعن سبب حدوث وظهور هذا التنمر من المعلمين الذي بات أكثر شيوعاً في مدارسنا، نرى أن المعلمين يعانون من ضعف في التأهيل التربوي والذي يسبب مشكلات في التعامل مع الفروق الفردية، والاحتراق النفسي وضغط العمل دون دعم نفسي أو دعم مهني، ونلاحظ أن هناك نقصاً في الوعي بخصائص صعوبات التعلم والاضطرابات النمائية المختلفة، التي يسبب الجهل بها لدى الكثير من المعلمين في الميدان وجود هذا التنمر والتوتر بين المعلم والطلبة، وهناك نقطة مهمة، وأتوقع أن العديد يؤيدونها وهي الثقافة المجتمعية التي تبرر” القسوة من أجل التربية”.
وللأسف يترك هذا التنمر أثاراً عديدة نفسية وسلوكية على الطلبة، فيصبح الطالب أقل ثقة بنفسه هذا إن لم يفقدها، ويصبح الشعور السائد هو الشعود بالدونية، التي يتبعها العزوف عن الدراسة والمدرسة والانطواء الاجتماعي، وقد يتبعها سلوك عدواني لفظي أو جسدي اتجاه المعلمين أو الأقران أو محتويات الغرفة الصفية أو البيئة المدرسية، والنتائج الأهم هنا والأكثر وضوحاً هي تدني التحصيل الدراسي، حتى عند وجود قدرات عالية أو درجة ذكاء بمستوى طبيعي أو أعلى من المتوسط، والأدهى والأمر هو تشوُّه صورة المعلم في الذاكرة المستقبلية للطفل، ووجود العدوانية المخفية والكره المخفي في ذاكرته وعقله وقلبه اتجاه المعلم والمدرسة والتعليم.
الأطفال ذوو صعوبات التعلم وذوو الاحتياجات الخاصة، قد يكونون الضحايا الأكثر هشاشة، فهم أطفال مختلفون عن النمط السائد أو الطبيعي والمتعارف عليه، فهم يعانون من صعوبات متنوعة، وقد يعاني بعض الأطفال من فرط حركة وتشتت انتباه، أو تأخر لغوي، أو محدودية في استخدام اللغة وهذا يجعل الطلاقة اللغوية غائبة في بعض الحالات مقارنة بأقرانهم، أولئك أطفال يبدون لغيرهم من المعلمين أو الإداريين غير المهنين، “غير منضبطين، أو مزعجين، أو فوضوين”، وهؤلاء الأطفال تحديداً بحاجة إلى التفهم والاحتواء، لا التأنيب أو التقليل من شأنهم، وقد كشفت دراسة لمنظمة UNESCO، عام 2018 أن 33% من الطلبة حول العالم أبلغوا عن تعرضهم لشكل من أشكال التنمر من معلميهم، سواء لفظياً، أو عاطفياً أو سلوكياً.
ونعود لطرح الأسئلة مرة أخرة: من المسؤول؟ وما الحل؟
في كثير من الأحيان يُقابل تنمر المعلمين بصمت داخل المؤسسة التعليمية، إما بدافع الحماية للزملاء، أو تجنب المواجهة، وهذا الصمت يجعل الطالب يشعر بالخذلان، ويؤسس لثقافة تطبيع مع الإساءة؛ لذا فإن استمرار هذا النوع من التنمر داخل البيئة المدرسية، بصمته الخفي وآثاره العميقة، يتطلب وقفة جادة ومراجعة حقيقية لطريقة إعداد للمعلم، ولطبيعة المناخ التربوي الذي نخلقه لأطفالنا؛ فالمسؤولية جماعية والحل يبدأ من الجذر.
الخطوة الأولى لحماية الطلبة من تنمر المعلمين تبدأ بتفعيل الميثاق الأخلاقي للمهنة التربوية، وتضمينه في السياسات المدرسية كمرجعية واضحة لسلوك المعلم، ولا يكفي أن يكون الميثاق وثيقة رمزية، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة وممارسة، تتضمن آليات للمساءلة والمراقبة، ولابد من تدريب المعلمين على مهارات الذكاء العاطفي والتواصل، وتهيئتهم لفهم الفروق الفردية بين الطلبة، وفهم الاحتياجات الخاصة بهم بداخل الغرف الصفية، وكيفية التعامل معها بمهنية وإنسانية، وكذلك من الضروري وجود أخصائي نفسي تربوي داخل المدرسة، ومرشد اجتماعي فاعل يراقب ويتابع ويواجه، أما الحملات التوعوية المستمرة للأهالي والطلبة والمجتمع فهي ركيزة لتعزيز ثقافة الاحترام بين أطراف العملية التعليمية (المدرسة، الطلبة، الأسرة).
قد تكون الكلمة التي يقولها المعلم عابرة بالنسبة له، لكنها راسخة في ذاكرة طفل، محفورة كجرح بات أثره جزءًا منه.
نحن لا نريد أن نربي أجيالًا تعرف الرياضيات ولا تعرف الأمان
تحفظ القواعد ولا تحفظ كرامتها
المعلم الذي يحتوي هو الذي يصنع الفرق، وذاك الذي يوجع بكلماته، قد يكسر روحًا لا تعود كما كانت أبدًا.