شهد ميدان القياس النفسي خلال العقود الأخيرة تحولًا جوهريًا في فهم الذكاء، من كونه بُعدًا كميًا عامًا إلى كونه منظومة قدرات وعمليات معرفية قابلة للتحليل البنائي والتفسير الإكلينيكي المتقدم، وفي هذا السياق، يُعد مقياس لايتر الأدائي العالمي – النسخة الثالثة (Leiter-3) أحد أبرز المقاييس غير اللفظية التي واكبت هذا التحول، مستندًا إلى نموذج كاتل–هورن–كارول (CHC) بوصفه الإطار النظري الأكثر شمولًا وتكاملًا لتفسير القدرات المعرفية.
لم تقتصر الصورة العربية من المقياس على الترجمة أو التكييف الثقافي، بل شهدت إعادة بناء نظرية وتطبيقية موسّعة، أسفرت عن انتقال المقياس من أداة لقياس الذكاء الأدائي إلى منظومة تشخيص نفسي متكاملة، مدعومة بنظام تصحيح إلكتروني يدمج بين الذكاء، السلوك التكيفي، التطور النمائي، والمؤشرات العصبية النفسية.
أولًا: الإطار النظري لمقياس لايتر-3 في ضوء نموذج CHC:
يعتمد مقياس لايتر-3 على النموذج الهرمي لنظرية CHC الذي ينظم القدرات المعرفية عبر ثلاثة مستويات:
- العامل العام (g) في المستوى الأعلى.
- القدرات الواسعة في المستوى الثاني (مثل: الاستدلال السائل Gf، المعالجة البصرية Gv، سرعة المعالجةGs، الذاكرة العاملة (Gwm).
- القدرات الضيقة في المستوى الأول، التي تمثل العمليات المعرفية المحددة.

وقد عززت تعديلات McGrew & Schneider من مركزية العمليات المعرفية (Processes) في تفسير الأداء، خاصة الانتباه، الذاكرة العاملة، وسرعة المعالجة، وهو ما انعكس مباشرة على البناء النظري للصورة العربية.

ثانيًا: دوافع تطوير الصورة العربية وإعادة البناء البنائي:
برزت الحاجة إلى تطوير الصورة العربية للأسباب الآتية:
1. التطور العلمي في نظرية الذكاء وتحديثات CHC المعاصرة.
2. خصوصية السياق الثقافي العربي في أنماط الأداء غير اللفظي واستراتيجيات الحل.
3. التوسع في الاستخدامات التشخيصية (اضطراب طيف التوحد، الإعاقة العقلية، صعوبات التعلم غير اللفظية، اضطرابات الانتباه).
4. الحاجة إلى تفسير إكلينيكي متعدد الأبعاد يتجاوز الدرجة الكلية للذكاء.
ثالثًا: من مقياس ذكاء إلى منظومة تشخيص نفسي متكاملة:
1. نظام التصحيح الإلكتروني كإطار جامع
تم تطوير نظام تصحيح إلكتروني خاص بالصورة العربية، ليكون منصة تشخيصية تجمع نتائج عدة أدوات، وتتيح:
– استخراج تقارير تفسيرية متقدمة.
– الربط بين المؤشرات المعرفية والسلوكية.
– دعم اتخاذ القرار التشخيصي وبناء خطط التدخل.
2. تكامل المقاييس الداعمة
شمل النظام الإلكتروني إدماج الأدوات الآتية:
– مقياس السلوك التكيفي – النسخة المحوسبة (الصورة العربية):
– لربط الذكاء الأدائي بالأداء الوظيفي اليومي في مجالات الاستقلالية والتفاعل الاجتماعي.
3. مقياس كازد لتشخيص اضطراب طيف التوحد CASD – كازد :
أداة تشخيصية قائمة على مؤشرات نمائية سلوكية، تُمكّن من التمييز بين الضعف المعرفي واضطرابات التواصل الاجتماعي.
– مقاييس ميريل–بالمر المعدلة للتطور النمائي – الصورة العربية (MPR-AV) :
– لتقييم شامل لمجالات التطور المعرفي واللغوي والحركي والاجتماعي-الانفعالي في الطفولة المبكرة.
4. اختبار ستروب النفسعصبي:
لتقييم الانتباه الانتقائي، الضبط التنفيذي، وسرعة المعالجة، بما يعزز تفسير أبعاد Gs والوظائف التنفيذية ضمن إطار CHC.

رابعًا: الأثر التطبيقي للمنظومة التشخيصية
أسهم هذا التكامل في:
– تحليل الملفات المعرفية غير المتجانسة بدقة أعلى.
– تعزيز الصدق التشخيصي عبر الربط بين الذكاء والسلوك والتطور.
– بناء خطط تدخل فردية قائمة على العمليات المعرفية المستهدفة.
– دعم العمل الإكلينيكي متعدد التخصصات ضمن إطار نظري موحد.
خاتمة
تمثل الصورة العربية لمقياس لايتر الأدائي العالمي – النسخة الثالثة (Leiter-3 AV) نموذجًا عربيًا رائدًا في توطين القياس النفسي المعاصر، حيث انتقلت من كونها أداة لقياس الذكاء الأدائي إلى منظومة تشخيص نفسي متكاملة قائمة على نموذجCHC، ومدعومة بنظام تصحيح إلكتروني يدمج بين الذكاء، السلوك، التطور، والوظائف التنفيذية. ويعكس هذا التطوير توجهًا علميًا حديثًا نحو التقييم متعدد الأبعاد، بما يخدم التشخيص الدقيق وبناء التدخلات النفسية الفعّالة في السياق العربي.
المراجع
حمدان، أحمد. (2025). نظريات الذكاء والتكوين العقلي: من العامل العام إلى نموذج .CHCبانا للاستشارات والأبحاث والتدريب.
حمدان، أحمد. (2025).تاريخ مقياس لايتر الأدائي العالمي للذكاء: من الجذور إلى الصورة العربية. بانا للاستشارات والأبحاث والتدريب.
Roid, G. H., Miller, L. J., Pomplun, M., & Koch, C. (2013). Leiter International Performance Scale–Third Edition: Examiner’s Manual.
Schneider, W. J., & McGrew, K. S. (2018). The Cattell–Horn–Carroll theory of cognitive abilities.









