في حياتنا اليومية، نمرّ بالكثير من التغيرات التي تتفاوت في شدّتها وتأثيرها علينا. بعضها بسيط وعابر، وبعضها الآخر يحمل قدرًا من القلق وعدم اليقين، الشعور بالقلق في مثل هذه المواقف ليس أمرًا سلبيًا، بل هو استجابة طبيعية تساعدنا على الانتباه والحماية، لكن في أوقات الأزمات الكبرى كالحروب، يتجاوز هذا القلق حدوده المعتادة ليصبح شعورًا عميقًا ومؤثرًا يصل إلى الأطفال أيضًا، الذين يعيشون هذه التغيرات بطريقتهم الخاصة ويفسرونها وفق قدراتهم المحدودة وخبراتهم البسيطة، وقد أظهرت الدراسات أن تأثير الحرب على الأطفال لا يقتصر على الدمار الجسدي، بل يشمل الصحة النفسية والعاطفية، ما ينعكس على سلوكهم اليومي وقدرتهم على التكيّف بعد انتهاء الصراع (UNICEF, 2025) .
الطفل لا يعيش الأحداث كما نعيشها نحن، لكنه يلتقط كل ما يدور حوله بحسّ عالٍ. يقرأ الخوف في العيون، يسمع التوتر في نبرة الصوت، ويشعر بالاضطراب حتى في لحظات الصمت، ومع تكرار التعرض لهذه المؤثرات، يبدأ إحساسه بالأمان بالتراجع، ويحل مكانه شعور غامض بالخطر، قد لا يستطيع التعبير عنه بالكلمات، لكنه يظهره في سلوكه، الأطفال الذين عاشوا تجارب النزاع يظهرون أعراضًا نفسية مثل القلق، الانسحاب الاجتماعي، واضطرابات النوم والتركيز، وهي علامات تُظهر مدى عمق تأثير الحرب عليهم.
قد يضطرب نوم الطفل، يعود إلى سلوكيات قد تجاوزها، أو يزداد تعلقه بالكبار، وفي حالات أخرى قد يظهر الخوف على شكل غضب أو بكاء أو تراجع في المهارات اليومية، وكلها تعكس حالة داخلية يحتاج الطفل لمساندته للتعامل معها.
وتزداد حساسية الأطفال ذوي الإعاقة، الذين يُعدّون من أكثر الفئات تأثرًا في مثل هذه الظروف. فهم يواجهون صعوبة في فهم الحدث أو تفسيره أو التعبير عن مشاعرهم، الطفل ذو اضطراب طيف التوحد قد يتأثر بشدة بأي تغيير في الروتين أو البيئة، ما قد يظهر على شكل سلوكيات انسحابية أو نوبات غضب أو تكرار سلوكيات نمطية. كما أن الطفل الذي يعاني من تأخر نمائي أو صعوبات تعلم يعيش القلق بشكل أعمق نتيجة محدودية قدرته على فهم الحدث أو طلب المساندة، مما يجعله يحتاج لدعم أكبر من الأهل والتربويين. (Latif et al., 2025)
يبقى العامل الحاسم هو حالة الأهل الانفعالية، فمهما حاولنا طمأنة الطفل بالكلمات، فإن سلوكنا هو الرسالة الأقوى، الأطفال، وخاصة ذوو الإعاقة، يمتلكون حساسية عالية اتجاه التوتر، وقد يلتقطون القلق من تعابير الوجه أو نبرة الصوت أو حتى من الصمت، لذلك فإن قدرة الأهل على ضبط انفعالاتهم، والتقليل من مظاهر القلق أمام الطفل، لا تعني إنكار المشاعر، بل إدارتها بوعي، بحيث لا تتحول إلى مصدر خوف إضافي.
وليس الأهل وحدهم من يؤثر في شعور الأطفال بالأمان، بل يلعب المعلمون والتربويون والإعلام دورًا أساسيًا، المدرسة تمثل مساحة آمنة للتعبير عن المخاوف واستعادة الروتين، والمعلمون الذين يعرفون علامات القلق والخوف قادرون على تقديم الدعم النفسي وتشجيع الأطفال على مشاركة مشاعرهم، إضافةً إلى تعليمهم مهارات مواجهة الخوف والتفكير الإيجابي، كما أن التربويين والمستشارين النفسيين يستطيعون تصميم أنشطة مناسبة للأطفال، خصوصًا ذوي الإعاقة، لتسهيل فهم الأحداث وتقليل شعورهم بالخطر، مما يساعدهم على تنظيم مشاعرهم ومواجهة القلق بطريقة بنّاءة، أما الإعلام، فيحمل مسؤولية كبيرة في نقل الأخبار بطريقة ملائمة للأطفال، مع التركيز على قصص الأمل والتعاون وحماية الأطفال بعيدًا عن صور العنف المباشرة، حماية الأطفال من آثار الحروب تحتاج إلى تعاون متكامل بين الأهل، المدرسة، التربويين، والإعلام، ليشعر الطفل بالدعم والاطمئنان ويكتسب أدوات للتعامل مع القلق والخوف (Walton & Nuttall, 1997).
في النهاية، قد لا نستطيع إيقاف الحروب، لكننا نستطيع أن نَكون الحاجز النفسي الذي يحمي أطفالنا من الانهيار، بين عالم مضطرب في الخارج وعالم داخلي هش، يقف الطفل محتاجًا إلى بالغ واعٍ، قادر على احتواء مشاعره وتنظيم خوفه، ومنحه الأمان الذي لا يُقال فقط… بل يُشعَر.
المراجع:
Nela, A. (2024). Psychological Effects of Armed Conflicts on Children. The Global Psychotherapist.
Latif, S., Muaileq, E. A. A., Chaabo, H., Rashid, F., Kelly, M., Khatri, N., et al. (2025). Cases of trauma due to war and violence among children in Gaza. Eastern Mediterranean Health Journal, 31(4), 210–215.
UNICEF. (2025). أطفال لبنان بعد الحرب: أزمة نفسية، تغذوية وتعليمية.
Walton, J. R., & Nuttall, R. L., & Nuttall, E. V. (1997). The impact of war on the mental health of children: a Salvadoran study.









