في لحظات تاريخية فارقة، يتحول رحيل شخصية سلطوية واحدة إلى حدثٍ يوقد شعلة من الحبور الجماعي الذي يتجاوز التفسيرات المنطقية المباشرة، لا يُصنف هذا الشعور كبهجة اعتيادية، هو تدفق وجداني يشبه انهمار السيول بعد انحباسٍ طويل، محملاً بركام الغضب المكبوت والندوب الوجدانية المتراكمة. في سياقات مثل التجربة السورية، أو غيرها من الشعوب التي تجرعت مرارة الاستبداد، برزت مشاهد تراوحت بين الاندهاش الفكري والتساؤل السلوكي. وقبل الانخراط في أي تشريح سياسي أو رصد تاريخي، يبرز تساؤل سيكولوجي جوهري: لماذا تبتسم الشعوب في حضرة غياب أو موت الجلاد؟ هل هو انحدار في منظومة القيم، أم هو صرخة لترميم كيانٍ متجذر نخرته سنوات القهر؟
إن عيشنا في بيئةٍ عرفت التجاوزات لعقود يجعلنا ندرك هذا التناقض الوجداني؛ فالموت في تراثنا هو “حرمة” تستوجب الخشوع والوقار، حتى أن الخصم المهزوم حين يترجل عن صهوة الحياة، يُمنح عادةً برهة من الصمت الاحترامي، في الموازين الأخلاقية الرفيعة، يُعد الفرح برحيل الآخر مؤشراً على تراجع الرهافة الوجدانية. لكن، إذا اعتبرنا هذا الحبور أمراً طبيعياً، فإننا نخاطر بتطبيع القسوة كنمط اعتيادي، وإذا وصمناه بـ “اللاأخلاقية”، فإننا نتجاهل الأثر الكياني لملايين البشر الذين رزحوا تحت وطأة الإنكار والبطش والمصادرة.
أولاً: تأصيل الظاهرة — ما وراء مفهوم (Schadenfreude)
يبرز في الأدبيات النفسية مصطلح (Schadenfreude) الألماني، والذي يُترجم بـ “اللذة المتأتية من معاناة الآخر”، لكن توظيف هذا المفهوم لوصف ابتهاج الشعوب بهلاك طغاتها يتطلب ضبطاً أكاديمياً دقيقاً؛ إذ إن ما نشهده يتجاوز التعريف الكلاسيكي للشماتة الفردية.
يشير مفهوم (Schadenfreude) في سياقه السلوكي التقليدي إلى رضا ذاتي عند رؤية إخفاق الآخر، نابعاً من المقارنة الاجتماعية أو الضغينة الشخصية، ويرى الباحث ريتشارد سميث في أطروحته “بهجة الألم” أن هذا الشعور يرتبط بإدراك الفرد أن الطرف الآخر “يستحق” ما أصابه، مما يحسن من وضع الذات النسبي.
بالمقابل، يختلف ابتهاج الشعوب بموت القامع جوهرياً؛ فهو ليس فرحاً بالحدث البيولوجي للموت، ولا استمتاعاً سادياً بالألم، هو تعبير عن “نهاية المظلومية المنهجية”، إنه أقرب إلى ما يُعرف بـ «التعافي الجمعي من الندوب الوجدانية» (Collective Healing) أو «العدالة الترميمية الرمزية» (Symbolic Restorative Justice)، الفارق هنا يكمن في المصدر؛ فالشماتة التقليدية تنبع من مشاعر سلبية فردية، بينما ابتهاج الشعوب ينبع من تجربة “نهاية مصدر التألم”.
ثانياً: البواعث السيكولوجية للتحرر الجماعي
لماذا تبتهج الشعوب في هذه اللحظات؟ يمكن رصد ثلاثة محركات أساسية:
1. الانعتاق من الأثر النفسي الجمعي:
القامع في الوعي الشعبي ليس مجرد حاكم، بل هو “مصدرٌ مستدام للتوتر الكياني”، في سوريا، حوّل النظام القهري السجون إلى أيقونات للرعب والتوحش، وصادر الإرادة لعقود، يميز علماء النفس بين الوقع النفسي الفردي والوقع النفسي الجمعي؛ الأخير كما يصفه بيسيل فان دير كولك، يترسخ في الذاكرة المشتركة ويؤثر في السلوك الاجتماعي العام، رحيل الجلاد يمثل “نقطة انقطاع” في مسار هذا الأثر؛ وكما يذكر فيكتور فرانكل، فإن الألم المكبوت يحتاج إلى “معنى” لكي يلتئم، وموت القامع يمنح سنوات المعاناة السابقة معنى جديداً مفاده أن “العدالة ممكنة”.
2. استعادة التوازن عبر العدالة الإجرائية:
في علم النفس الاجتماعي، تبرز «العدالة الإجرائية» (Procedural Justice) كحاجة فطرية، حين يفلت الطاغية من القصاص القانوني طوال حياته، يشعر المجتمع بـ “ظلم مركب” (Compound Injustice)؛ وهو شعور الغبن المزدوج من الفعل ومن الإفلات من العقاب، غياب الطاغية يوفر “عدالة رمزية” تعيد التوازن الوجداني للضحايا، وتساهم في الشفاء النفسي بعيداً عن الرغبة السادية في الانتقام.
3. تفكيك نظام “الرهبة المزمنة”:
تحت وطأة الاستبداد، ترزح الشعوب تحت نظام «الرهبة المزمنة» (Chronic Fear System)، وهي حالة تشبه “اضطراب الكرب المستمر” (Complex PTSD). يصبح الخضوع هنا استراتيجية بقاء حيوية، غياب الطاغية يفكك هذه الدائرة ويثبت تجريبياً زوال “الهالة المطلقة” التي روج لها النظام، مما يولد فرحاً بالانعتاق من “سجن نفسي” دام عقوداً.
ثالثاً: شواهد المنعطفات التاريخية والتحرر من الأثر
- سوريا (ديسمبر 2024): تجسد هذا المعنى بأقصى درجاته عند انهيار المنظومة القهرية، لم يكن رقص السوريين في الشوارع قسوة، كان إعلاناً عن انطفاء “جحيم وجداني” دام نصف قرن، تحطيم التماثيل وفتح السجون كان طقساً لترميم الكرامة المهدورة، وعودة اللاجئين كانت الثمرة العملية لثقتهم بزوال “عصر القمع”.
- إيران (2026): تتكرر الصورة اليوم في طهران ومدن أخرى؛ حيث يمثل الحبور الشعبي بتبدل ملامح السلطة صدىً للجرح المشترك، إن بكاء المهجرين فرحاً في المنافي يعكس وحدة “الألم الكياني” الذي تسببت فيه منظومات تسحق الإرادة.
- نماذج تاريخية: من إعدام موسوليني (1945) إلى نهاية عهود القذافي وصدام حسين؛ في كل هذه المحطات، لم يكن الفرح شماتة ضيقة، كان احتفالاً باستعادة “الحق في الحياة”.
رابعاً: الرادع الأخلاقي وحماية المسار
مع مشروعية هذا الفرح، يبقى التحدي في الحفاظ على الخيط الرفيع بين التحرر والسقوط في الانتقام، نحدد هنا “علامات التحذير” التي تستوجب اليقظة الوجدانية:
- التحول من الفرح بزوال المنظومة إلى الانتقام العشوائي من الأفراد.
- استبدال الرغبة في العدالة بالتشفي السادي في تفاصيل الألم.
- استخدام لحظة التحرر لتبرير ممارسات إقصائية جديدة.
إن “الفرح الصحي” هو الذي يمهد للبناء، ويحول طاقة الغضب إلى قوة دفع نحو صياغة عقد اجتماعي جديد يحترم الإنسان.
خامساً: ما بعد البهجة — النمو بعد المحنة
في علم النفس يُدرس مفهوم «النمو ما بعد الصراع» (Post-Conflict Growth) كعملية تتجاوز التعافي إلى إعادة بناء الهوية، الفرح برحيل القامع هو مجرد “عتبة”، والعبور الحقيقي يتطلب:
- توثيق الذاكرة: لضمان عدم ضياع حقوق الضحايا.
- العدالة الانتقالية: لترسيخ مفهوم القانون فوق الأفراد.
- ترميم الثقة الاجتماعية: لمعالجة الشروخ التي خلفها نظام البطش.
صرخة للحياة لا احتفاءً بالموت
إن ابتهاج الشعوب بهلاك جلاديها ليس نقيصة أخلاقية، هو احتفاءٌ بعودة “العدالة الكونية” ونهاية مصدر الألم الجماعي.
إنه فرحٌ بالحياة التي انبعثت من جديد بعد مواتٍ طويل، هذا الشعور مهما بلغت حدته، يجب أن يظل منطلقاً لبناء مجتمعات أكثر رصانة وإنسانية، لا مقدمة لدورات جديدة من العنف.
في سوريا اليوم، ندرك أننا لسنا شعوباً تتصارع، بل نحن كيانات مكلومة تبحث عن العدالة والسكينة والأمان والاستقرار، الشفاء الحقيقي يبدأ من الاعتراف بهذا الجرح المتجذر وفهمه، واليقين بأن الربيع، وإن كلف الكثير هو استحقاق طبيعي لكل روح تتوق للكرامة.
:المراجع
Feather, N. T., & Sherman, R. (2002). Envy, resentment, schadenfreude, and sympathy: Reactions to deserved and undeserved achievement and subsequent failure. Personality and Social Psychology Bulletin, 28(7), 953–961. https://doi.org/10.1177/014616720202800708
Frankl, V. E. (1985). Man’s search for meaning (Revised and updated ed.). Washington Square Press. (Original work published 1946).
Smith, R. H. (2013). The joy of pain: Schadenfreude and the dark side of human nature. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780199734542.001.0001
Tedeschi, R. G., & Calhoun, L. G. (2004). Posttraumatic growth: Conceptual foundations and empirical evidence. Psychological Inquiry, 15(1), 1–18. https://doi.org/10.1207/s15327965pli1501_01
Van der Kolk, B. A. (2014). The body keeps the score: Brain, mind, and body in the healing of trauma. Viking.









