في رحاب الألم الإنساني
تظل التجربة الشعورية للإنسان هي اللغز الأكثر تعقيداً في مسيرة الوعي البشري؛ إذ يتداخل فيها ما هو فطري وتكيفي بما هو مرضي ومعطل. وفي سياقنا الثقافي العربي، لطالما كان الشعر هو المختبر الأول الذي حُللت فيه المشاعر قبل ظهور المصحات والعيادات، ومع تصاعد وتيرة الحياة المعاصرة، برزت إشكالية مجتمعية كبرى تتمثل في “الخلط المفاهيمي” بين الحزن الإنساني الطبيعي (الأسى) وبين الاضطراب النفسي (الاكتئاب المرضي)، إن هذا الخلط لا يؤدي فقط إلى وصم المشاعر الفطرية بالمرض، بل قد يؤدي أيضاً إلى إهمال الحالات السريرية الحقيقية تحت ستار “الصبر” أو “عابرية الضيق”، ومن هنا نستحضر عبقرية أبي الطيب المتنبي، الذي استطاع قبل أكثر من ألف عام أن يضع يده على التخوم الفاصلة بين هاتين الحالتين ببراعة تشخيصية تذهل المتخصصين المعاصرين.
التحليل الأدبي-النفسي: ما وراء الدموع والسكينة
يقول المتنبي في بيتٍ يقطر استبصاراً:
وَرُبَّ كَئيبٍ لَيسَ تَنـدى جُفونُهُ … وَرُبَّ نَدِيِّ الجَفنِ غَيرِ كَئيبِ
وَلِلواجِدِ المَكروبِ مِن زَفَراتِهِ … سُكونُ عَزاءٍ أَو سُكونُ لُغوبِ
يرسم المتنبي هنا خريطة وجدانية متكاملة، في الشطر الأول، يكسر الشاعر الصورة النمطية التي تربط الحزن بالبكاء؛ فـ “ندى الجفن” ليس بالضرورة معياراً لصدق المعاناة، إن المتنبي يشير ببراعة إلى أن “الكآبة” الحقيقية هي تلك التي تتسم بالجفاف، وهو ما نسميه في علم النفس الحديث “الخدر العاطفي” أو “التسطح الوجداني”؛ حيث تتجمد المشاعر لدرجة يعجز معها الفرد عن ذرف الدموع، وهي سمة مركزية في حالات الاكتئاب السريري.
أما في البيت الثاني، فينتقل إلى تحليل “السكون” الذي يعقب الألم، فارقاً بين نوعين “سكون عزاء“، وهو السكون التكيفي الذي يعقب التفريغ العاطفي، حيث يجد الفرد مساحة للتصالح مع الفقد. والنوع الآخر هو “سكون لغوب“، واللغوب هو الإعياء التام والإنهاك الذي لا يزول بالراحة، وهو تجسيد دقيق لـلبطء النفسي الحركي وفقدان الدافعية الذي يميز الحالة المرضية. المتنبي هنا لا يمرض النص، إنما يصف الخبرة الإنسانية في أقصى تجلياتها، مميزاً بين من يعاني “ليتحرر” ومن يعاني “لينطفئ”.
التأصيل العلمي: التمايز بين الفطرة والمرض
لكيلا نسقط المفاهيم المرضية تعسفاً على الأدب، يفرق الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس (DSM-5) بين الأسى الطبيعي والاكتئاب المرضي بناءً على ديمومة الأعراض وتأثيرها الوظيفي:
- الأسى: (Grief/Sadness) استجابة حية، متحركة، ومرتبطة بسياق. يتميز بأنه يأتي في “موجات”، يتخللها لحظات من القدرة على الابتسام، وهو أداة تكيفية أشار إليها المتنبي بـ “سكون العزاء”.
- الاكتئاب المرضي: (Major Depressive Disorder) وفقاً لمنظمة الصحة العالمية :(WHO) هو حالة من الانخفاض المستمر في المزاج لفترة لا تقل عن أسبوعين، يصاحبها نضوب تام للطاقة (اللغوب). هنا يتحول الألم من رد فعل إلى “حالة كيانية” تلتهم قدرة الفرد على العمل والحياة.
وتؤكد دراسات حديثة (Montgomery, 1995; Roshida, 2007) أن المتنبي يقترب من المفاهيم الإنسانية لعلم النفس، حيث يسعى الفرد للتحقق حتى في لحظات الانكسار، مما يجعل الحزن عنده وسيلة للارتقاء لا للسقوط المرضي.
النسق الثقافي العربي وتجليات “المُعاودة النفسية“
إن إعادة قراءة المتنبي في سياق “المُعاودة النفسية” (Resilience) تمنحنا أداة ثقافية رصينة لنزع الوصمة عن المعاناة؛ إذ تُخرج الألم من دائرة “الاعتلال” إلى دائرة “الاختبار الوجداني”، لقد اخترنا مصطلح “المُعاودة “ليكون البديل الأدق لـ (Resilience) لكونه يعبر عن القوة الديناميكية للنفس في استعادة توازنها الأصيل بعد ضغط الأزمات.
في الثقافة العربية، لم يكن الحزن يوماً منقصة، بل ركن من أركان “المروءة”. وحين نفهم المعاناة بعدسة المتنبي، ندرك أن “سكون اللغوب” ليس تعباً عابراً، هو انقطاع في قدرة النفس على المعاودة يستوجب الرعاية، بينما يمثل “سكون العزاء” المسار الطبيعي لاستعادة الذات، إن المُعاودة لا تعني الجمود، تعني تحويل “الزفرات” إلى طاقة تعبيرية تحمي الفرد من الانزلاق نحو الخدر المرضي.
نحو رؤية إنسانية شاملة للممارسة والتوعية
- الممارسة العلاجية (رفض “تسطيح” الألم طِبياً) :إن التمييز بين الحزن والاكتئاب يحمينا من فخ “قَوْلَبَة المشاعر” (Medicalization)؛ أي الميل لاختزال الوجع الإنساني الفطري في مجرد اضطراب كيميائي، فليس كل قلبٍ محزون يحتاج إلى عقاقير، بل قد يحتاج إلى “إعادة بناء الصلة بالذات وبالعالم“، أو استعادة السكينة الروحية، أو تغيير في البيئة المحيطة. إن احترام الحزن الطبيعي هو احترام لآدمية الإنسان وقدرته الفطرية على المُعاودة.
- التوعية المجتمعية (من السطحية إلى التفهم) :حين يدرك المجتمع أن الاكتئاب هو “نضوب” (لغوب)، ستختفي النصائح السطحية مثل “ابتسم للحياة”، الوعي يعني احترام الخصوصية الثقافية والروحية لكل مجتمع في التعبير عن ألمه، واعتبار العلاقات الاجتماعية هي حائط الصد الأول.
- تخفيف خجل المعاناة: الاستشهاد برمز كالمتنبي يرفع الحرج عن طلب المساعدة، فإذا اعترف رمز القوة والأنفة بهذا التعب، فمن الطبيعي أن يمر به أي إنسان اليوم، مما يجعل طلب الدعم خطوة شجاعة تليق بالفرسان.
- لغة جديدة للتعبير: يقدم لنا المتنبي “مفتاحاً” بسيطاً للحديث اليومي؛ فبدلاً من قول “أنا متعب”، يمكن للشخص أن يسأل “هل أنا في سكون عزاء أم سكون لغوب؟“ هذا السؤال يفكك انغلاق الوجع ويختصر وقت التشخيص.
من النص إلى النفس
إن الرحلة من “جفاف الجفون” إلى “سكون العزاء” هي رحلة التعافي التي ينشدها كل متألم، لقد استطاع المتنبي أن يمنحنا اللغة التي نفتقدها لوصف مناطق الظل في أرواحنا، دعوتنا هي احترام “حق الإنسان في الحزن” دون مرضه، والوعي بـ “حق المريض في العلاج” دون وصمه، فبين “الزفرات” التي تحررنا و”اللغوب” الذي يقيدنا، تكمن قوة النفس في قدرتها على المُعاودة والاستبصار، والبحث عن مرافئ السكينة الواعية.
المراجع
American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
Chandler, J. B., & Chhabra, S. (2023). Depression. In StatPearls. StatPearls Publishing. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK430847/
Montgomery, J. E. (1995). Al-Mutanabbi and the psychology of grief. Journal of the American Oriental Society, 115(2), 285–292. https://doi.org/10.2307/604672
Roshida, A. R. (2007). Arabic poet Al-Mutanabbi: A Maslovian humanistic approach. PsyArt. https://psyartjournal.com/article/show/roshida_abd_razak-
World Health Organization. (2023, March 31). Depressive disorder
(depression). https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/depression









