جدلية لوم الضحية: بين فرضية العالم العادل والنسق الثقافي العربي

في اللحظة التي تقع فيها فاجعة، وقبل أن يتشكل التعاطف والتدبر الكامل في وعينا، يقفز إلى السطح غالبًا سؤال خفيّ ومُقلق: “ولكن، ماذا فعل هو ليحدث له ذلك؟”، قد يُطرح هذا السؤال بصيغ مختلفة: امرأة تعرضت للسرقة في شارع مظلم، فيهمس أحدهم “ما الذي أتى بها إلى هنا في هذا الوقت؟”، أو رجل يفقد مدخراته في عملية احتيال، فيعلق آخر “كيف له أن يكون بهذه السذاجة؟.

هذا الميل البشري، شبه الغريزي، لتحميل الضحية جزءًا من مسؤولية معاناتها، ليس مجرد قسوة عابرة، بل هو عرضٌ لانحياز إدراكي، وظاهرة نفسية عابرة للثقافات تعرف بـ “لوم الضحية” (Victim Blaming)  لفهم جذور هذه الظاهرة، لا بد من العودة إلى أعمال عالم النفس الاجتماعي الكندي ميلفن ج. ليرنر (Melvin J. Lerner) في ستينيات القرن الماضي، والذي طور مفهوم “فرضية العالم العادل” (The Just-World Hypothesis).

العقد النفسي مع الكون: فرضية العالم العادل

تنطلق فرضية ليرنر من فكرة بسيطة: لكي نتمكن من العيش بهدوء نسبي، ولكي نخطط للمستقبل ونلتزم بأهداف طويلة الأمد، نحن بحاجة إلى الإيمان بأن العالم مكان منظم، عقلاني، وعادل بشكل أساسي (1)، نحن نؤسس “عقدًا ضمنيًا” مع الواقع، مفاده أن الأفعال لها عواقب منطقية ومتوقعة؛ الصالحون يكافَؤون والطالحون يعاقَبون.

هذا الإيمان، سواء كان واعيًا أم لا، يعمل كدرع نفسي يحمينا من إدراك الحقيقة المزعجة بأن المصائب، الكوارث، والأحداث المروعة قد تكون عشوائية تمامًا، وقد تصيب أي شخص، في أي وقت، وبغض النظر عن أخلاقياته أو أفعاله، هذا الاعتقاد ليس مجرد تفاؤل ساذج، بل هو أداة إدراكية ضرورية. بدونها، سيصبح الخوف من المجهول ومن عبثية القدر مُشلًا للحركة.

لكن ماذا يحدث عندما تتحدى الواقعية القاسية هذا العقد النفسي؟ ماذا يحدث عندما نرى شخصًا بريئًا تمامًا يعاني معاناة مروعة؟ هنا يقع الصدام. مشاهدة معاناة الأبرياء تخلق حالة من “التنافر المعرفي” (Cognitive Dissonance). لدينا إيمان راسخ بأن “الناس يحصلون على ما يستحقونه”، وها هي حقيقة أمامنا “شخص بريء يعاني”، هذا التنافر مؤلم نفسيًا، ولحلّه، يتبع العقل أحد مسارين:

الأول: رفض فرضية العالم العادل، وهذا يعني قبول فكرة أن العالم مكان فوضوي، قاسٍ، وعشوائي. هذا المسار مرعب وجوديًا ويتطلب قوة نفسية هائلة لتحمله.

الثاني: إعادة تفسير الواقع ليتناسب مع الفرضية، وهذا هو المسار الأسهل والأكثر شيوعًا. بدلًا من تغيير إيماننا الراسخ بالعالم، نغير تصورنا للضحية، نبدأ بالبحث عن أي شيء “خاطئ” في سلوكها، شخصيتها، أو قراراتها.

في إحدى تجاربه الكلاسيكية، عرض ليرنر وسيمونز على المشاركين تسجيلًا لممثلة تتلقى ما بدا أنها صدمات كهربائية مؤلمة كجزء من تجربة تعليمية (2)، عندما أُخبر المشاركون أنهم لا يستطيعون التدخل لإيقاف معاناتها، وأنها ستستمر في تلقي الصدمات، بدأوا في إظهار تقييمات سلبية ومنحطة لشخصيتها، لقد قاموا بتجريدها من إنسانيتها والتقليل من شأنها ليجعلوا معاناتها تبدو “مستحقة” وبالتالي أقل إزعاجًا لهم.

أصداء ثقافية: بين الكارما والعاقبة الأخلاقية

لا تعمل فرضية العالم العادل في فراغ ثقافي، بل تتقاطع مع مفاهيم فلسفية ودينية حول العدالة الكونية، يمكن رؤية أوضح تجلياتها في مفهوم “الكارما” (Karma) السائد في العديد من الديانات والفلسفات الشرقية، من منظور سطحي تبدو الكارما تجسيدًا مثاليًا لفرضية العالم العادل، حيث تضمن أن الكون لديه “دفتر حسابات” أخلاقي لا يخطئ.

في المقابل، في الثقافات الغربية، يأخذ مفهوم “العاقبة الأخلاقية” (Moral Consequence) شكلًا مختلفًا، حيث يميل لوم الضحية إلى التركيز بشكل أكبر على الأفعال والخيارات الفورية للضحية ضمن هذه الحياة، كلا النموذجين، رغم اختلافهما، يخدمان الغرض النفسي نفسه: الحفاظ على وهم العالم العادل وحماية الذات من قلق العشوائية (3) .

تجليات العالم العادل في الثقافة العربية

عندما نطبق هذه العدسة التحليلية على المجتمعات العربية، نجد أن انحياز العالم العادل يتجلى في أشكال مركبة، تتغذى من نسيج ديني واجتماعي شديد الخصوصية.

المحور الديني: الابتلاء والحكمة الإلهية

الإيمان بـ “القضاء والقدر” هو أحد أركان الإيمان في الإسلام، وهو يشكل الإطار الأوسع لفهم المصائب في الثقافة العربية، هذا المفهوم، في جوهره الفلسفي، يقدم نسخة متسامية ومنظمة من “العالم العادل”؛ فالعالم ليس عادلًا بذاته، بل هو محكوم بحكمة إلهية مطلقة، وإن خفيت أسبابها عن البشر، المصائب ليست أحداثًا عشوائية، بل هي “ابتلاء”؛ أي اختبار من الله لعباده لقياس قوة إيمانهم وصبرهم.

هذا الإطار يمكن أن يكون مصدرًا هائلًا للقوة النفسية والمرونة؛ فالإيمان بأن المعاناة لها معنى وهدف، وأن الصبر عليها له جزاء عظيم، يساعد الأفراد على تحمل المشاق التي قد تبدو غير محتملة، لكن هنا يكمن المنزلق الدقيق نحو لوم الضحية، عندما يُساء استخدام هذا المفهوم من قبل الآخرين، قد يتحول من أداة للتعزية إلى أداة للّوم.

المحور الاجتماعي: الشرف والسمعة

بجانب الإطار الديني، تعمل منظومة اجتماعية متجذرة تتمحور حول مفاهيم “الشرف والعيب وسمعة العائلة”، في العديد من السياقات العربية، لا يُنظر إلى الفرد ككيان مستقل تمامًا، بل كجزء لا يتجزأ من جماعة، ومن ثم فإن أفعاله وسلوكه، وحتى ما يقع عليه من أحداث، ينعكس مباشرة على سمعة هذه الجماعة.

هذا التركيب الاجتماعي يخلق بيئة خصبة بشكل مأساوي للوم الضحية، خصوصًا في القضايا المتعلقة بالنساء والحالات الجنسية، فعندما تتعرض امرأة لاعتداء، غالبًا ما يحدث تحول كارثي في تركيز اللوم. بدلًا من إدانة الجاني وحده، يُفتح تحقيق اجتماعي غير معلن حول سلوك الضحية: ملابسها، سمعتها، وجودها في مكان أو زمان معين، طريقة كلامها.

شواهد ميدانية عربية على لوم الضحية

على الرغم من أن الظاهرة محل البحث مدروسة بكثافة في الأدبيات الغربية، فإن الأبحاث الميدانية العربية تكشف عن أنماط مشابهة:

في المجال الطبي، أظهرت دراسة نوعية أُجريت في لبنان أن عددًا من الأطباء يتجنبون التدخل الفعّال عند مواجهة حالات عنف منزلي، مفضلين إلقاء اللوم ضمنيًا على الضحية، إما بتبرير سلوك الجاني أو بتحميل المرأة مسؤولية ما حدث لها (4)، هذه الممارسة، حتى في فضاء يفترض أنه علاجي، تعكس ترسخ انحياز العالم العادل.

في التصورات الشبابية، دراسة أُجريت على طلاب جامعيين في لبنان أظهرت ميلاً واضحًا لتحميل النساء ضحايا العنف الجنسي جزءًا من المسؤولية، استنادًا إلى مفاهيم متوارثة عن الشرف والسلوك “المقبول” اجتماعيًا (5).

في الفضاء الرقمي، تحليل تفاعلات منشورات عن تجارب عنف على فيسبوك في مصر كشف أن جزءًا كبيرًا من التعليقات حملت طابع لوم الضحية، معتبرة أن سلوكها أو ملابسها كان سببًا فيما تعرضت له (6).

كسر الدرع: نحو تعاطف واعٍ

إن إدراكنا لوجود “انحياز العالم العادل” بداخلنا، سواء تجلى في صيغة دينية، اجتماعية، أو نفسية بحتة، هو الخطوة الأولى والأساسية نحو التعامل السليم معه، هذا الانحياز ليس دليلًا على الشر، بل هو شهادة على حاجتنا الإنسانية للنظام والمعنى، لكن هذا الدرع النفسي الذي يحمينا يأتي بتكلفة باهظة: فهو يغذي القسوة، ويبرر اللامبالاة، ويعيق العدالة الاجتماعية الحقيقية.

الخروج من هذا القفص الإدراكي يتطلب شجاعة فكرية ونضجًا واعياً، يتطلب منا القبول بفكرة قد تكون الأكثر إرعابًا على الإطلاق: أن العالم ليس عادلًا بالضرورة، أن المعاناة قد تكون عبثية، وأن الأشياء السيئة تحدث بالفعل لأناس طيبين. هذا الإدراك، رغم قسوته، هو ما يفتح الباب أمام التعاطف الحقيقي.

التعاطف الأصيل لا يسأل “ماذا فعلتَ لتستحق هذا؟”، بل يسأل “كيف يمكنني المساعدة؟”، إنه لا يسعى إلى إيجاد تفسير مريح لمعاناة الآخرين، بل يعترف بألمهم ويسعى للتخفيف منه، إن تجاوز انحياز العالم العادل يعني استبدال الحاجة إلى السيطرة الوهمية بالالتزام بالمسؤولية الحقيقية؛ مسؤوليتنا في بناء عالم أكثر عدلًا، ليس لأننا نؤمن بأنه كذلك بطبيعته، بل لأننا ندرك تمامًا أنه ليس كذلك، وأن الأمر متروك لنا لنجعله أفضل.

خاتمة

إن فهم آليات لوم الضحية وجذورها النفسية والثقافية يمثل خطوة حاسمة نحو بناء مجتمعات أكثر عدالة وتعاطفاً، المطلوب ليس إلغاء حاجتنا الإنسانية للمعنى والنظام، بل توجيهها نحو بناء أنظمة حقيقية للعدالة والدعم، بدلاً من الاكتفاء بأوهام العدالة الكونية التي تبرر معاناة الآخرين.

إنها دعوة لنكون الاحتواء الحصين الذي يلجأ إليه الآخرون، بدلاً من أن نكون القضاة الذين يصدرون أحكاماً من برج الأمان النفسي الوهمي، في هذا التحول من لوم الضحية إلى دعمها، نجد طريقنا نحو مجتمعات أكثر إنسانية ومرونة في مواجهة تحديات الحياة.

المراجع:

Lerner, M. J. (1980). The belief in a just world: A fundamental delusion. Plenum Press

Lerner, M. J., & Simmons, C. H. (1966). Observer’s reaction to the “innocent victim”: Compassion or rejection? Journal of Personality and Social Psychology, 4(2), 203–210.

Furnham, A. (2003). Belief in a just world: Research progress over the past decade. Personality and Individual Differences, 34(5), 795–817.

Lemonte, P., Diab, S., & Jabbour, S. (2012). Physicians’ attitudes towards domestic violence in Lebanon: Victim-blaming and barriers to screening. Eastern Mediterranean Health Journal, 18(7), 701–708.

Obeid, N., Chang, D. F., & Ginges, J. (2010). Beliefs about sexual violence among Lebanese students: The role of gender and religion. Sex Roles, 62(11–12), 751–762.

Arab Media Society. (2020). Between empathy and victim-blaming: The effect of personal ideologies and identities on users’ perception of the self-reported gender-based violence posts on Facebook in Egypt. Arab Media & Society Journal, 30, 112–128

Facebook
Twitter
WhatsApp