المخططات المعرفية غير التكيفية وتأثيرها في الصحة النفسية

يعد العقل البشري نظامًا معقدًا يجمع بين المعالجة المعرفية والعاطفية، حيث تتفاعل فيه العمليات العصبية والنفسية لتكوين هياكل معرفية تُعرف بـ “المخططات المعرفية”، تمثل هذه المخططات إطارًا ذهنيًا ينظم المعلومات ويوجه التصورات حول الذات والآخرين والعالم المحيط، وعلى الرغم أن معظم هذه الهياكل تبدأ بالتشكل خلال مرحلة الطفولة المبكرة إلا أنها قد تمتد لمراحل المراهقة المتأخرة وما بعدها متأثرة بالتجارب البيئية والاجتماعية، مما يؤسس لأنماط التفكير والسلوك التي تستمر في التطور مع مرور الوقت.

إن التجارب والخبرات التي يتعرض لها الفرد في مراحل عمره المبكرة، تنتج العديد من المخططات الإيجابية أو السلبية تبعا لنوع تلك الخبرات والتجارب؛ فالرعاية الآمنة والتعلق الإيجابي قد ينتجان مخططات معرفية إيجابية متعلقة بالثقة في المقابل عندما يتعرض الفرد للرفض أو الإهمال، أو يشعر بانعدام الأمان النفسي، فقد تتشكل لديه مخططات إدراكية غير تكيفية، مما يؤدي إلى تفسيرات غير دقيقة للواقع، ويسهم في ظهور اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب، وتشكل هذه الأطر المعرفية أنماطًا من التفكير السلبي التي تعيق تحقيق التوازن النفسي والرفاهية العاطفية.

مصائد الحياة تحدد كيف نفكر، ونشعر، ونتصرف، ونتعامل مع الآخرين”

نشأة المخططات المعرفية وتاريخها:

يُعد مفهوم المخططات المعرفية من الركائز الأساسية في علم النفس المعرفي، وقد شهد تطورًا ملحوظًا خلال القرن العشرين بفضل إسهامات علمية بارزة، بدأ هذا المفهوم مع عالم النفس جان بياجيه، الذي وصف المخططات بأنها هياكل معرفية أساسية تُستخدم لتنظيم المعرفة وفهم العالم (Piaget, 1952).

اقترح بياجيه أن المخططات تتطور من خلال تفاعل الفرد مع بيئته عبر عمليتي التمثل (Assimilation) والتكيف (Accommodation)، مما يشكل أساس النمو المعرفي لدى الأطفال، وقد أرسى هذا الإطار النظري قاعدة لفهم المخططات كأطر ديناميكية تتشكل استجابة للتجارب البيئية.

قدم آرون بيك، في الستينيات، مؤسس العلاج المعرفي السلوكي، ابتكارًا جديدًا من خلال ربط المخططات المعرفية بالاضطرابات النفسية، وقد ركز بيك على المخططات كأطر عقلية تنظم المعلومات وتوجه التفسيرات، خاصة في سياق الافتراضات الأساسية السلبية مثل “أنا غير محبوب” أو “العالم خطر”.

تتشكل هذه الافتراضات نتيجة لتجارب مبكرة، وتساهم في ظهور اضطرابات مثل القلق والاكتئاب (Beck, 1967)، وفقًا لبيك، تعمل هذه المخططات كمرشحات إدراكية قد تؤدي إلى تحيزات في تفسير الواقع، مما يعزز أنماط التفكير السلبي التلقائي، كانت إسهامات بيك رائدة حيث ربطت المخططات بشكل مباشر بالصحة النفسية وقدمت إطارًا علاجيًا لتعديل هذه الأنماط من خلال العلاج المعرفي السلوكي.

في السبعينيات، قدم مارفن مينسكي مفهوم ” الأُطُر” (Frames) كإضافة جديدة، حيث وصفها بأنها هياكل معرفية منظمة تخزن المعرفة وتساعد في معالجة المعلومات (Minsky, 1974). كانت إطارات مينسكي مشابهة للمخططات من حيث قدرتها على توجيه التوقعات والتفسيرات، مما أتاح منظورًا تقنيًا أثر بشكل كبير في تطور علم النفس المعرفي

في التسعينيات، قام جيفري يونغ بتطوير مفهوم المخططات اللاتكيفية المبكرة، مستندًا إلى أعمال آرون بيك ومبادئ التحليل النفسي، وقد ركز يونغ على التجارب المبكرة، مثل الإهمال أو الرفض، باعتبارها مصادر رئيسية لتكوين هذه المخططات، التي وصفها بأنها أنماط شاملة تنشأ نتيجة عدم تلبية الاحتياجات العاطفية الأساسية، مثل الحب والأمان، وتستمر في التأثير على العلاقات والسلوكيات طوال الحياة (Young, Klosko, & Weishaar, 2003). كما قدم يونغ نهج العلاج الموجه بالمخططات (Schema Therapy) كإطار علاجي متكامل يهدف إلى معالجة هذه الأنماط بعمق، موسعًا بذلك نطاق العلاج الذي وضعه بيك ليشمل الأبعاد العاطفية والسلوكية إلى جانب المعرفية.

المخططات غير التكيفية المبكرة هي أنماط عاطفية ومعرفية هدامة للذات، تبدأ في وقت مبكر من تطورنا وتستمر في التكرار طوال الحياة

خصائص المخططات المعرفية اللاتكيفية:

وفقًا لجيفري يونغ، تتميز المخططات المعرفية اللاتكيفية بخصائص جوهرية تجعلها أنماطًا عقلية وعاطفية وسلوكية عميقة التأثير، تُشكّل تحديًا كبيرًا في حياة الأفراد بسبب صلابتها وتأثيرها الشامل، هذه الخصائص التي وُصفت في إطار نظرية المخططات اللاتكيفية المبكرة (Young, 1990) تُبرز طبيعتها المعقدة ودورها في تعزيز الأنماط النفسية غير الصحية:

  1. الثبات والاستمرارية:

تُعد المخططات اللاتكيفية أنماطًا معرفية وعاطفية متجذرة تؤثر على الأفراد عبر مراحل حياتهم المختلفة، وتتميز هذه الأنماط بمقاومتها ومحاولة الحفاظ على نفسها بسبب عمقها وارتباطها بالتجارب المبكرة التي ساهمت في تشكيلها، وتشير الأبحاث إلى أن هذه المخططات تبقى مستقرة نسبيًا حتى في ظل التجارب الحياتية الجديدة، ما لم يتم تقديم تدخل علاجي (Bach, Lockwood, & Young, 2018).

  • الطابع الشامل والمتعدد الأبعاد:

تؤثر المخططات اللاتكيفية في جوانب متعددة من حياة الفرد، مثل العلاقات الشخصية، التفاعلات الاجتماعية، والتصورات الذاتية، فهي تحدد كيفية تفسير الفرد للمعلومات التي يستقبلها من بيئته، مما ينعكس على سلوكياته ومواقفه بشكل شامل، على سبيل المثال، أظهرت الدراسات أن هذه المخططات تلعب دورًا وسيطًا في العلاقة بين أنماط التعلق غير الآمن وأعراض اضطرابات الشخصية (Louis, Wood, Lockwood, & Ho, 2018).

  • التأثير العاطفي والمعرفي:

تسهم المخططات اللاتكيفية في تعزيز الاستجابات العاطفية السلبية، مثل القلق والاكتئاب والشعور بالعجز، من خلال خلق تحيزات إدراكية تؤدي إلى تفسيرات مشوهة للواقع، تشير الأبحاث إلى أن الأفراد الذين يمتلكون مخططات لا تكيفية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية، نتيجة تأثير هذه المخططات على تنظيم العواطف ومعالجة الضغوط النفسية (Thimm & Chang, 2022).

  • الارتباط بالتجارب المبكرة السلبية:

تتكون المخططات اللاتكيفية نتيجة لعدم تلبية الاحتياجات العاطفية الأساسية خلال الطفولة، مثل الحاجة إلى الأمان والقبول والدعم الأسري، تؤدي هذه التجارب إلى تشكيل أنماط معرفية وعاطفية ثابتة تؤثر على كيفية إدراك الفرد لنفسه وللآخرين، مما يسهم في استمرار دورات من السلوكيات والتفاعلات السلبية على مدار الحياة (Young, Klosko, & Weishaar, 2003; Bach et al., 2018).

“نحن نمضي في حياتنا ونحن معتادون على أنماط معينة تبلور أدوارنا وتوقعاتنا من الآخرين ونظرتهم لنا، فإذا نشأنا في عائلة يُساء إلينا فيها، أو يتم تجاهلنا، أو الصراخ علينا، أو انتقادنا باستمرار، أو السيطرة علينا، فإن مثل هذه البيئة تصبح مألوفة وننجذب لها ونوهم أنفسنا أننا يجب أن نعيد إنتاجها وتكرارها للحفاظ على ما نتوقعه من أنفسنا بما تمليه علينا مخططاتتنا، فنجد أنه وعلى الرغم من كون هذه البيئة غير صحية، فإن معظم من يحملون مثل هذه المخططات سيسعون لخلق بيئة تمثل امتداد لتلك البيئة التي اعتادوا عليها”

أصول المخططات اللاتكيفية المبكرة

  • التجارب المؤلمة في الطفولة:

تتكون المخططات اللاتكيفية المبكرة نتيجة للإحباط المستمر للاحتياجات النفسية الأساسية، مثل الأمان العاطفي، التقدير الذاتي، والشعور بالانتماء، يحدث ذلك نتيجة التعرض لتجارب سلبية في الطفولة، مثل الإهمال العاطفي، الرفض، التوبيخ، أو العنف (Young, Klosko, & Weishaar, 2003). تُرسخ هذه التجارب أنماطًا معرفية وعاطفية تؤثر سلبًا على كيفية تفسير الفرد للواقع (Young, Klosko, & Weishaar, 2003; زموري، 2022). على سبيل المثال، أظهرت دراسة زموري (2022) أن النساء المعنفات يُظهرن مخططات لا تكيفية مرتبطة بتجارب العنف المبكرة، مما يعزز مشاعر عدم الكفاءة لديهن.

  • أنماط التعلق غير الآمن:

يلعب التعلق غير الآمن بين الطفل ومقدمي الرعاية دورًا محوريًا في تكوّن المخططات اللاتكيفية المبكرة، وفقًا لنظرية التعلق، يؤدي غياب التعلق الآمن إلى تطوير نماذج عقلية داخلية سلبية حول الذات والآخرين، مما يُرسخ مشاعر العجز أو عدم الأمان (Bowlby, 1988)، على سبيل المثال، الأطفال الذين يعانون من تعلق قلق أو متجنب قد يطوّرون مخططات مثل “الاعتمادية/عدم الكفاءة” أو “عدم الثقة/الإساءة”، التي تؤثر سلبًا على علاقاتهم البينية في مرحلة البلوغ (Young, Klosko, & Weishaar, 2003). تشير الدراسات إلى أن هذه المخططات تتشكل نتيجة التفاعلات المبكرة مع مقدمي الرعاية، حيث يؤدي التعلق غير الآمن إلى تحيزات معرفية وعاطفية تُعزز التصورات السلبية للذات والعلاقات (Louis, Wood, Lockwood, & Ho, 2018).

  • الأنماط السلوكية المكتسبة من البيئة:

يمكن أن تتشكل المخططات اللاتكيفية المبكرة نتيجة تذوُّب الأنماط السلوكية السلبية التي يتعرض لها الأفراد من قبل الوالدين أو من البيئة الاجتماعية المحيطة بهم، على سبيل المثال، قد يطور الأشخاص الذين نشؤوا في بيئات تتسم بالصرامة أو النقد المستمر مخططات مثل “المعايير العالية غير الواقعية” أو “الشعور بالنقص/العيب”، مما يؤثر على كيفية إدراكهم لأنفسهم وللآخرين (Young, Klosko, & Weishaar, 2003). وقد أظهرت الدراسات أن هذه الأنماط المكتسبة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمخططات اللاتكيفية، وتؤثر على النتائج السلوكية، مثل الطموح الأكاديمي والتفاعلات الاجتماعية (خليف وآخرون، 2022).

  • التجارب الاجتماعية والثقافية:

تلعب التجارب الاجتماعية السلبية، مثل التنمر أو الرفض من الأقران خلال الطفولة، دورًا حيويًا في تشكيل المخططات اللاتكيفية المبكرة. تساهم هذه التجارب في تعزيز مشاعر عدم الكفاءة والعزلة الاجتماعية، مما يؤدي إلى تطوير مخططات مثل “العزلة الاجتماعية” و”النقص/العيب”، والتي تؤثر على كيفية إدراك الفرد لنفسه وعلاقاته مع الآخرين (Young, Klosko, & Weishaar, 2003). على سبيل المثال، يمكن أن يسهم التعرض للتنمر في ترسيخ تحيزات معرفية تعزز الشعور بالإقصاء أو النقص. كما تشير الدراسات إلى أن التأثيرات الثقافية، مثل التوقعات الاجتماعية الصارمة المتعلقة بالأداء أو المظهر، قد تزيد من حدة هذه المخططات من خلال تعزيز الضغط النفسي والشعور بالفشل (Young, Klosko, & Weishaar, 2003; Louis, Wood, Lockwood, & Ho, 2018).

مجالات المخططات المعرفية اللاتكيفية

حدد جيفري يونغ 18 مخططًا معرفيًا لا تكيفيا مبكرًا، موزعة على خمس مجالات تعكس إحباط الاحتياجات النفسية الأساسية:

المجال الأول: الانفصال والرفض

يتعلق هذا المجال بإحباط الحاجة إلى الأمان العاطفي، الحب، والقبول، نتيجة تجارب الإهمال، الرفض، أو العنف في الطفولة أو المراهقة، الأفراد الذين يعانون من هذه المخططات غالبًا يشعرون بأنهم غير محبوبين أو منفصلين عن الآخرين، مما يؤثر على علاقاتهم وثقتهم بالعالم. يشمل هذا المجال المخططات التالية:

  1. الهجر/عدم الاستقرار: توقع فقدان الدعم العاطفي أو التخلي من المقربين.
  2. عدم الثقة/الإساءة: توقع الإساءة أو الاستغلال من الآخرين.
  3. الحرمان العاطفي: الاعتقاد بأن الاحتياجات العاطفية لن تُلبى أبدًا.
  4. العيب/الخزي: الشعور بالنقص أو عدم القيمة مع حساسية مفرطة للنقد.
  5. العزلة الاجتماعية: الشعور بالانفصال عن المجتمع أو عدم الانتماء.

سارة تخشى من فقدان الحب من شريك حياتها الذي يعوض الهجر الذي عانقته في طفولتها، فتظهر تعلقًا بشريكها لتعويض هذا النقص، وبنفس الوقت تعمل لا شعوريا على إبعاد شريكها عنها ليؤكد مخطط الهجر توقعاته بأنه لا بد وأن تنتهي متروكة ومنبوذة. هذا التناقض العجيب بالنسبة للبعض، يعبر عن طبيعة البنية النفسية التي تعاني منها سارة التي تحمل مخطط الهجر

الحرمان العاطفي هو الاعتقاد بأن حاجتك للحب لن تُلبى أبدًا بشكل كافٍ من قبل الآخرين، تشعر أن لا أحد يهتم بك حقًا أو يفهم ما تشعر به. تجد نفسك منجذبًا إلى أشخاص باردين وغير معطاءين، أو تكون أنت نفسك باردًا وغير معطاء، مما يؤدي إلى تكوين علاقات تثبت حتمًا أنها غير مرضية، تشعر بأنك مخدوع، وتتقلب بين الغضب من ذلك والشعور بالألم والوحدة، والمفارقة أن غضبك يدفع الناس إلى الابتعاد أكثر، مما يضمن استمرار حرمانك.”

المجال الثاني: قصور الاستقلال الذاتي وضعف الأداء

ينتج هذا المجال عن إحباط الحاجة إلى الاستقلال والكفاءة، مما يؤدي إلى شعور الفرد بعدم القدرة على الاعتماد على نفسه أو تحقيق النجاح، غالبًا ما ينشأ هذا من بيئات مفرطة في الحماية أو النقد الزائد، يشمل المخططات التالية:

  1. الاعتمادية/العوز: الشعور بعدم القدرة على إدارة المسؤوليات بشكل مستقل.
  2. القابلية للأذى أو المرض: الخوف المبالغ من الكوارث العاطفية أو الصحية.
  3. التعلق بالآخرين/عدم النضج الذاتي: الارتباط المفرط بالآخرين مع شعور بعدم القدرة على العيش بدونهم.
  4. الفشل: الاعتقاد بالعجز عن تحقيق النجاح مقارنة بالآخرين.

لينا: تشعر أنها غير قادرة على اتخاذ قرارات بسيطة مثل اختيار وظيفة دون استشارة عائلتها (الاعتمادية/العوز)، بسبب تربيتها في بيئة مفرطة في الحماية، مما يضعف ثقتها بنفسها.

المجال الثالث: ضعف القيود أو الحدود

يتعلق هذا المجال بقصور في المسؤولية الاجتماعية أو احترام حقوق الآخرين، وغالبًا ما ينشأ من بيئات متساهلة بشكل مفرط أو تفتقر إلى وضع حدود واضحة، يشمل المخططات التالية:

  1. الجدارة/العظمة: الشعور بالتفوق واستحقاق معاملة خاصة.
  2. عدم كفاية ضبط الذات/التنظيم الذاتي: صعوبة التحكم بالدوافع أو تنظيم المشاعر.

نور: تجد صعوبة في التحكم بغضبها (عدم كفاية ضبط الذات)، بسبب غياب التوجيه في طفولتها، مما يؤدي إلى ردود فعل متهورة تؤثر على علاقاتها.

“غالبًا ما يُنظر إلى مرضى اضطراب الشخصية الحدية على أنهم محتاجون وليسوا جشعين؛ فهم يفعلون ما يفعله جميع الأطفال الصغار عندما لا يكون هناك من يعتني بهم أو يشعرهم بالأمان”

المجال الرابع: التوجه نحو الآخرين

ينتج هذا المجال عن إحباط الحاجة إلى التعبير عن المشاعر والاحتياجات الذاتية، مما يدفع الفرد إلى إعطاء الأولوية لاحتياجات الآخرين على حساب نفسه، غالبًا ما ينشأ من بيئات تُطالب بالتضحية أو الخضوع، يشمل المخططات التالية:

  1. الخضوع/الإذعان: الانصياع للآخرين لتجنب الغضب أو الرفض.
  2. التضحية بالذات: التخلي عن الاحتياجات الشخصية لإرضاء الآخرين.
  3. السعي للقبول/طلب التقدير: السعي المستمر لكسب قبول وإعجاب الآخرين.

ياسر: يتخلى عن راحته لمساعدة أصدقائه (التضحية بالذات)، بسبب تربيته على إعطاء الأولوية للآخرين، مما يؤدي إلى إرهاق نفسي دائم.

المجال الخامس: الحذر الزائد والكف الانفعالي

ينشأ هذا المجال من قمع المشاعر التلقائية وفرض معايير صارمة على الذات، غالبًا نتيجة نشأة في بيئات تُطالب بالكمال أو تُعاقب على الأخطاء، يشمل المخططات التالية:

  1. السلبية/التشاؤم: التركيز على الجوانب السلبية وتجاهل الإيجابية.
  2. الكف العاطفي: تقييد التعبير عن المشاعر لتجنب الخجل أو الرفض.
  3. صرامة المعايير/الحساسية للنقد: السعي لمعايير مثالية لتفادي النقد.
  4. العقابية: الاعتقاد بضرورة معاقبة الأخطاء بصرامة.

ريم: تركز دائمًا على المخاطر المحتملة في أي قرار (السلبية/التشاؤم)، بسبب نشأتها في بيئة تُركز على الأخطاء، مما يمنعها من تجربة فرص جديدة.

“كان حب والديك لك مشروطًا بتحقيقك لمعايير عالية، كان أحد الوالدين أو كلاهما يمثل نموذجًا لمعايير عالية وغير متوازنة، نشأت معاييرك الصارمة كطريقة للتعويض عن مشاعر النقص، أو الإقصاء الاجتماعي، أو الحرمان، أو الفشل، استخدم أحد والديك أو كلاهما العار أو النقد عندما كنت تفشل في تلبية التوقعات العالية”

علاقة المخططات بالاضطرابات النفسية:

تشير الأدبيات النفسية إلى أن المخططات اللاتكيفية المبكرة تُعد عوامل مساهمة ومؤشرات تنبؤية للاضطرابات النفسية (Thimm & Chang, 2022). تنشأ هذه المخططات من تجارب الطفولة السلبية، مثل الإهمال أو الإساءة، وتُشكل أنماطًا معرفية وعاطفية تؤثر على إدراك الفرد للذات والآخرين (Thimm & Chang, 2022). ترتبط المخططات بزيادة مخاطر الإصابة بالاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب والقلق، من خلال تعزيز التفكير السلبي وتجنب المواقف الاجتماعية (Bär et al., 2023). كما تُسهم في اضطرابات الشخصية عبر أنماط تؤثر على العلاقات البينية (Bach, Lockwood, & Young, 2018). تُفاقم هذه المخططات الأعراض النفسية عبر التفاعلات غير التكيفية مع الضغوط (Bär et al., 2023). تحليل تلوي أكد أن المخططات تُفسر نسبة كبيرة من التباين في الأعراض النفسية، مما يُبرز أهميتها في الوقاية والعلاج (Thimm & Chang, 2022). تُعد المخططات إطارًا مهمًا لفهم الصحة النفسية وتصميم التدخلات العلاجية (Thimm & Chang, 2022; Bach, Lockwood, & Young, 2018).

العلاج بالمخططات:

العلاج الموجه بالمخططات، الذي طوره يونغ في التسعينيات، هو نهج مدمج يجمع بين الأساليب المعرفية، السلوكية، العاطفية، والتجريبية لمعالجة المخططات اللاتكيفية الناتجة عن تجارب الطفولة السلبية (Young, Klosko, & Weishaar, 2003). يستهدف جذور المشكلات العاطفية والسلوكية، بهدف شفاء الجروح العاطفية وتعزيز أنماط صحية (Young et al., 2003). يستخدم تقنيات متعددة تشمل:

  1. إعادة الصياغة المعرفية: تحديد المعتقدات السلبية، مثل “أنا غير كافٍ”، وتحديها بأدلة واقعية لتقليل تأثير المخططات على التفكير
  2. الحوار مع الطفل الداخلي: تقنية عاطفية تُتيح للمريض التواصل مع تجارب الطفولة المؤلمة، لتلبية احتياجات عاطفية مثل الحب والأمان
  3. التصوير العقلي: إعادة تخيل ذكريات مؤلمة مع إدخال عناصر داعمة، مثل شخصية آمنة، لتخفيف الألم العاطفي
  4. تقنية الكراسي الفارغة: محاورة أجزاء الذات (مثل “الطفل المجروح” أو “الوالد الناقد”) لفهم الصراعات الداخلية وتقليل التوتر النفسي
  5. التدريب السلوكي: تغيير السلوكيات المرتبطة بالمخططات، مثل تجنب العلاقات بسبب مخطط “الهجر”، بتعزيز سلوكيات صحية
  6. التعامل مع أنماط المخططات: معالجة الحالات العاطفية المتغيرة (مثل “الطفل الغاضب” أو “الوالد العقابي”)، خاصة في اضطرابات الشخصية (Young et al., 2003).

يوفر المعالج علاقة داعمة تُشبه “إعادة الأبوة الصحية” لتقديم الأمان والقبول (Young et al., 2003). يُظهر العلاج فعالية في علاج اضطرابات الشخصية، مثل اضطراب الشخصية الحدية، والاضطرابات النفسية المزمنة، حيث يُقلل الأعراض ويُحسن جودة الحياة (Giesen-Bloo et al., 2006; Bär et al., 2023).

تقدم دراسة Spicer الحديثة إطارًا جديدًا لتكييف العلاج الموجّه بالمخططات للأفراد المصابين بالتوحد و/أو اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، مع الاعتراف بهم كأقلية تواجه ارتفاعًا في معدلات الاضطرابات النفسية المصاحبة، مثل اضطراب ما بعد الصدمة، القلق، والاكتئاب. تُركز الدراسة على دور التجارب التنموية، التأثيرات الاجتماعية، والصعوبات المستمرة في تشكيل المخططات اللاتكيفية، مثل العزلة الاجتماعية، تُقترح تكييفات علاجية تتضمن تعزيز المخططات التكيفية، مثل الاتصال والقبول، عبر تدريب الوالدين على أنماط أبوة داعمة، مثل الحب غير المشروط، لمعالجة الاحتياجات العاطفية غير الملباة. تُؤكد الدراسة على ضرورة تغيير الروايات المجتمعية حول التوحد وADHD للحد من تطور المخططات اللاتكيفية، مما يُمثل تقدمًا ملحوظًا في تطبيق العلاج (Spicer et al., 2024).

حاول أن تحترم الأسباب التي أدّت إلى نشوء مصيدة الحياة لديك في المقام الأول، ففي طفولتك، كانت ضرورية لبقائك العاطفي، لكن ما كان يومًا ما مفيدًا لك، بات الآن يضرك، وحان الوقت للتخلي عنه، حان الوقت لتبدأ رحلة بطيئة للخروج من إنكار الذات وهدم الذات، واستعادة حياتك لنفس

المراجع:

شيماء زموري. (2022). المخططات المعرفية المبكرة غير المتكيفة لدى النساء المعنفات. الروائز، 6(2)، 121-142.

حسن سيد حسن خليف، رندا، عبدالمحسن الحديبي، مصطفى، وصلاح الدين حسين الشريف، إيمان. (2022). المخططات المعرفية اللاتكيفية وأنماط التعلق كمنبئات بالطموح الأكاديمي لدى الطالب المعلم. دراسات في الارشاد النفسي والتربوي، 5(4)، 1-32.

Bach, B., Lockwood, G., & Young, J. E. (2018). A new look at the schema therapy model: organization and role of early maladaptive schemas. Cognitive behaviour therapy47(4), 328-349.‏

Bär, A., Bär, H. E., Rijkeboer, M. M., & Lobbestael, J. (2023). Early Maladaptive Schemas and Schema Modes in clinical disorders: A systematic review. Psychology and Psychotherapy: Theory, Research and Practice, 96(3), 716–747.

Beck, A. T. (1967). Depression: Clinical, Experimental, and Theoretical Aspects. Harper & Row.

Bowlby, J. (1988). A Secure Base: Parent-Child Attachment and Healthy Human Development. Basic Books.

Giesen-Bloo, J., Van Dyck, R., Spinhoven, P., Van Tilburg, W., Dirksen, C., Van Asselt, T., … & Arntz, A. (2006). Outpatient psychotherapy for borderline personality disorder: randomized trial of schema-focused therapy vs transference-focused psychotherapy. Archives of general psychiatry63(6), 649-658.‏

Louis, J. P., Wood, A. M., Lockwood, G., & Ho, M. R. (2018). The role of early maladaptive schemas in the relationship between attachment and personality disorder symptoms. Journal of Personality Disorders, 32(5), 653–670.

Minsky, M. (1974, June). A framework for representing knowledge.‏

Piaget, J., & Cook, M. (1952). The origins of intelligence in children (Vol. 8, No. 5, pp. 18-1952). New York: International universities press.‏

Spicer, L., DeCicco, E., Clarke, A., Ambrosius, R., & Yalcin, O. (2024). Understanding early maladaptive schemas in autistic and ADHD individuals: exploring the impact, changing the narrative, and schema therapy considerations. Frontiers in Psychology15, 1436053.‏

Thimm, J. C., & Chang, M. (2022). Early maladaptive schemas and mental disorders in adulthood: A systematic review and meta-analysis. International Journal of Cognitive Therapy, 15(4), 371–413.

Young, J. E., Klosko, J. S., & Weishaar, M. E. (2003). Schema Therapy: A Practitioner’s Guide. Guilford Press.

ملاحظة: الاقتباسات الموجودة في متن المقالة ضمن المربعات الزرقاء هي لجيفري يونغ.

Facebook
Twitter
WhatsApp