الكلمة تقتل أكثر من السيف “كيف نؤذي الإنسان دون أن نلمسه: التحرش الأخلاقي”

نتحدث طيلة الوقت عن التحرش المدرسي وخطورته على أبنائنا، ونتحدث بحرج عن التحرش الجنسي إذا كان في عالمنا العربي، أما إذا كان يخص العالم الأجنبي فنتحدث عنه دون كلل أو ملل، وكأنه يوجد هناك ولا يوجد هنا، ولكن نادرًا ما نتحدث عن التحرش الأخلاقي.

نتحدث عن العنف المرئي، مثل النساء اللواتي يتعرضن للضرب وتظهر عليهن كدمات واضحة، كالعين المتورمة أو آثار الضرب الظاهرة، وفي تلك الحالات، يمكننا القول بوضوح إن هذا عنف، لكن ما أقوله دائمًا هو أنه قبل أن تكون هناك ضربات، وقبل أن تظهر آثارها، كان هناك شيء غير سليم، وشيء غير مقبول.

عندما كنت طالبة في كلية علم النفس في جامعة دمشق، وقع بين يدي كتاب الطبيبة النفسية الفرنسية ماري-فرانس إيريغويان، «التحرش الأخلاقي: العنف الخفي في الحياة اليومية» (Hirigoyen, 1998)، كانت تلك أول مرة أقرأ وصفًا دقيقًا لنوع من العنف لم أكن أعرف كيف أسميه، عرضت إيريغويان في كتابها دراسة تحليلية لعدد من مراجعيها الذين كانوا ضحايا تحرش أخلاقي ممنهج، سواء في العمل أو في الحياة الشخصية، وفي كثير من الأحيان، لم يكن العنف واضحًا، بل كان الذي يظهر هو رد فعل الضحية، والذي قد يأخذ شكل اكتئاب، أو عدوان، أو انسحاب.

أسمت إيريغويان هذا النوع من السلوك «تحرشًا أخلاقيا»، واعتبرته شكلًا من أشكال العنف النفسي الخفي، وكان ذلك جديدًا آنذاك (Hirigoyen, 1998)، إنه عنف يتكون من أفعال صغيرة، يصعب ملاحظتها، لكنها تتراكم مع الوقت، ككلمات تقلل من قيمة الشخص، ونظرات ازدراء، ومواقف إقصاء، أو تجاهل متكرر، هذه التفاصيل الصغيرة، عندما تتكرر، تتحول إلى جرح نفسي، فالتكرار هو ما يحول الفعل الصغير إلى عنف.

قد يبدأ التحرش الأخلاقي بجملة بسيطة: “أنا أمزح فقط”، لكن مع الوقت، تتحول المزحة إلى وسيلة لتقليل القيمة، وإلى رسالة خفية بأن الضحية ليست كافية، إنه عنف يحدث عبر الزمن، عبر أحداث تبدو بسيطة إذا نظرنا إليها بشكل منفصل، لكن تكرارها يؤدي إلى تدهور تدريجي في الصحة النفسية، بل وقد يؤدي إلى صدمة نفسية (Hirigoyen, 2001).

إذا كانت هناك سلوكيات متكررة، وتدهور في الصحة النفسية أو الجسدية، وفقدان تدريجي للثقة بالنفس، فنحن أمام تحرش أخلاقي، هناك عنصر إضافي في التحرش الأخلاقي، وهو عنصر الاعتداء على هوية الشخص، تدرك الضحية هذا الاعتداء، حتى وإن لم يدركه العالم الخارجي، وكأن الرسالة الضمنية هي: «سأحطمك»، هذا التهديد لا يكون صريحًا دائمًا، لكنه حاضر في العلاقة.

كان من المهم لإيريغويان إضافة مصطلح «التحرش الأخلاقي»، خاصة أنها تنتمي إلى خلفية تحليلية تأثرت بأعمال فرويد، الذي تحدث عن المازوخية النفسية والعمليات اللاواعية المرتبطة بالمعاناة النفسية (Freud, 1924)، وبما أن مفهوم التحرش الجنسي كان معروفًا، فقد سمحت إضافة مفهوم التحرش الأخلاقي بتسمية شكل آخر من أشكال العنف النفسي.

التحرش الأخلاقي هو شكل من أشكال العنف النفسي الخفي، وغالبًا ما يكون غير مرئي، ويتشكل تدريجيًا من خلال سلوكيات متكررة تهدف إلى زعزعة استقرار الشخص، أو التقليل من قيمته، أو تدمير ثقته بنفسه (Hirigoyen, 1998).

إن فكرة الخير والشر تؤدي دورًا مهمًا في فهم التحرش الأخلاقي، يوضح جيرار بونيه أن بعض أشكال العنف النفسي تتضمن اعتداءً على القيم الأساسية التي تشكل هوية الإنسان، مما يؤدي إلى تشويه المعنى النفسي للعلاقة (Bonnet, 2001)، فيتحول الاحترام إلى احتقار، والثقة إلى شك.

وتشير الطبيبة النفسية فرانسواز سيروني، التي عملت مع ضحايا التعذيب، إلى أن الصدمات المتعمدة تؤدي إلى اضطرابات نفسية عميقة، خاصة عندما تستهدف هوية الإنسان وإحساسه بالانتماء (Sironi, 1999)، فالعنف النفسي لا يدمر الإنسان فقط من خلال الألم، بل أيضًا من خلال التشكيك في واقعه وإدراكه.

ومع ذلك، ليس كل المتحرشين واعين تمامًا بخطورة أفعالهم، تشير إيريغويان إلى أن التحرش الأخلاقي قد يحدث نتيجة نقص في التعاطف، أو نتيجة أنظمة عمل مسيئة، وليس دائمًا نتيجة نية واعية بالتدمير (Hirigoyen, 2001).

ناقشت الفيلسوفة حنّة أرندت مفهوم «تفاهة الشر»، وأشارت إلى أن العنف قد يحدث أحيانًا نتيجة الامتثال للنظام، وليس نتيجة نية إجرامية واعية (Arendt, 1963)، وهذا يطرح سؤالًا أخلاقيًا مهمًا حول مسؤولية الفرد داخل الأنظمة.

وتؤدي البيئة المؤسسية دورًا مهمًا، ففي أنظمة العمل التي تعتمد على الضغط المستمر والمنافسة الشديدة، يصبح الأفراد أكثر هشاشة، وقد يظهر التحرش الأخلاقي كوسيلة دفاع نفسية أو كآلية لإعادة إنتاج العنف داخل النظام (Einarsen et al., 2011).

التحرش الأخلاقي-المعنوي- موجود في جميع القطاعات المهنية، لكنه أكثر انتشارًا في مهن الرعاية والتعليم والمساعدة، حيث يكون الأفراد أكثر انخراطًا عاطفيًا وأكثر عرضة للاستنزاف النفسي، ولن يكون مفاجئًا أن نعلم أن النساء يتعرضن للتحرش الأخلاقي أكثر من الرجال، نتيجة عوامل اجتماعية ومهنية، ومع ذلك، يمكن لأي شخص أن يكون ضحية أو مرتكبًا لهذا النوع من العنف، لا يمكن اعتبار الضحايا مسؤولين عمّا حدث لهم، ففي كثير من الحالات، يكون هناك عدم توازن في القوة، ويستغل المتحرش نقاط ضعف الضحية، مما يؤدي إلى علاقة سيطرة نفسية.

يتضمن التحرش الأخلاقي أيضًا تشويشًا في التواصل، حيث يتم إرسال رسائل متناقضة، مما يؤدي إلى فقدان الضحية ثقتها بإدراكها. هذا ما تسميه إيريغويان «التواصل المنحرف» (Hirigoyen, 1998).

قد يكون الضحايا:

– الأشخاص ذوو الحساسية العالية.

– الأشخاص الملتزمون أخلاقيًا.

– العاملون في مهن الرعاية والتعليم.

– الأشخاص في موقع ضعف مؤسسي.

كيف نعرف أننا ضحية تحرش أخلاقي؟

– تشعر أنك مخطئ دائمًا.

– تبدأ في الشك بنفسك.

– تخاف من رد فعل الشخص الآخر.

– تفقد ثقتك بإدراكك.

قدم الفيلسوف مارتن بوبر تمييزًا مهمًا عام 1923 بعنوان «الأنا والأنت»، بالنسبة لهذا الفيلسوف، لدينا خيار بين موقفين تجاه العالم وتجاه الآخرين؛ الموقف الأول هو موقف «الأنا–ذلك»، حيث ينظر الإنسان إلى الآخر كشيء، أي يحوله إلى موضوع. وفي هذا المنظور، يبقى الإنسان وحيداً في مواجهة العالم، ويكتب بوبر أن عبارة «الأنا–ذلك» لا يمكن أن تُقال من كيان الإنسان الكامل، لأننا في هذه الحالة لا نشارك في العالم، بل ننظر إليه من بعيد، من برجنا العاجي، دون أن نلمسه أو يلمسنا، ودون أن ننخرط في علاقة حقيقية مع الآخر. أما الموقف الثاني فهو موقف «الأنا–أنت»، حيث يلتقي الإنسان بالآخر كشخص كامل، وهنا تحدث، بحسب مارتن بوبر، اللقاء الحقيقي: فعل كامل ومتبادل، يؤكد فيه كل شخص تفرده، وحضوره، ووجوده، في هذا اللقاء، يصبح كل طرف منفتحاً على الآخر، ويُكشف كل منهما من خلال الآخر، وتحدث عملية اعتراف عميقة بوجود الآخر، لكن لتحقيق ذلك، يجب أولاً الاعتراف باختلاف الآخر، فاختلافه هو ما يجعلنا بحاجة إليه، وتفرده هو ما نُقدّره ونمتن له، ويكتب بوبر: «أنا أتحقق من خلال لقائي بأنت، وأصبح أنا عندما أقول أنت».  (Buber, 1923)، وهكذا فالتحرش الأخلاقي يحدث عندما يتم اختزال الإنسان إلى “شيء”، ويتم إنكار إنسانيته.

العلاج والتعافي

يمكن لضحية التحرش الأخلاقي الخروج من هذه الأزمة، لكن التعافي يبدأ أولًا بـ:

– تسمية ما حدث.

– الاعتراف بأن ما حدث هو تحرش أخلاقي، وليس ضعفًا شخصيًا.

– استعادة الثقة بالإدراك.

– إعادة الثقة بمشاعرنا وفهمنا للواقع، بعد أن تم التشكيك بهما.

– إعادة بناء الحدود الشخصية.

– استعادة القدرة على حماية الذات نفسيًا ووضع حدود واضحة.

– العمل العلاجي النفسي: يساعد العلاج النفسي الضحية على استعادة تماسكها النفسي، وفهم التجربة، والتعافي من آثار الصدمة.

التعافي ممكن، لكنه يبدأ لحظة استعادة الإنسان حقه في أن يرى نفسه بوضوح، وأن يعترف بأن ما حدث لم يكن ضعفًا منه، بل عنفًا موجهًا ضده.

المراجع:

  1. آرنت، ‫ح. (2018). ايخمان في القدس: تفاهة الشر (نادرة السنوسي، مترجم). ابن النديم للنشر والتوزيع.
  2. Bonnet, G. (2001). Les perversions sexuelles. Paris: Presses Universitaires de France.
  3. Buber, M. (2016). Au commencement était… Martin Buber. Libres extraits de Je et tu. Revue du MAUSS, 47(1), 32-34. https://doi.org/10.3917/rdm.047.0032.
  4. Einarsen, S., Hoel, H., Zapf, D., & Cooper, C. (2011). Bullying and Harassment in the Workplace. CRC Press.
  5. Freud, S. (1924). The Economic Problem of Masochism.
  6. Hirigoyen, M.-F. (1998). Le harcèlement moral: la violence perverse au quotidien. Paris: La Découverte.
  7. Hirigoyen, M.-F. (2001). Malaise dans le travail. Paris: La Découverte.
  8. Sironi, F. (1999). Bourreaux et victimes. Paris: Odile Jacob.

Facebook
Twitter
WhatsApp