التعافي كما حدث: ممارسات الصحة النفسية المجتمعية خارج العيادات في السياق السوري

في السنوات الأخيرة، عاد سؤال الصحة النفسية إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في المجتمعات المتأثرة بالنزاع غير أن هذا السؤال يُطرح غالباً من زاوية ضيّقة، تُحيل التعافي إلى العيادات، والمختصين، والنماذج العلاجية الجاهزة، في السياق السوري، حيث الصدمة ممتدة وجماعية، تبدو هذه المقاربة غير كافية لفهم ما جرى فعلياً، أو ما فعله الناس حين لم تكن هذه الخيارات متاحة.

ماذا لو كانت الصحة النفسية قد أُديرت، إلى حدّ كبير، من داخل المجتمع نفسه؟

ماذا لو أنّ أدوات التعافي لم تكن غائبة، بل كانت حاضرة في العلاقات اليومية، والطقوس، واللغة المشتركة، دون أن تُسمّى علاجاً؟

الصدمة بوصفها خبرة جماعية

ما يميّز التجربة السورية أنّ الصدمة لم تكن حدثاً فردياً معزولاً، بل حالة جماعية طويلة الأمد. القصف، والنزوح، والفقدان، وعدم اليقين، لم تُصِب أفراداً بعينهم، بل شبكات اجتماعية كاملة.

في مثل هذا السياق، يصبح من الصعب التعامل مع الألم بوصفه مسألة شخصية تتطلب تدخلاً فردياً فقط بديلاً عن ذلك، تشكّل ما يمكن تسميته تنظيماً اجتماعياً للألم. لم يُحلَّل الخوف، لكنه وُضع في سياق مشترك. لم يُعالَج الحزن بمعناه الطبي لكنه حُمِل جماعياً، هذا التحويل من الفردي إلى الجمعي لم يُلغِ المعاناة لكنه جعلها أقل عزلة، وأكثر قابلية للاحتمال.

الضحك كفعل مقاومة صامت

قد يبدو الضحك في سياق الحرب فعلاً غير متوقع، وربما غير لائق ومع ذلك كان حاضراً بقوة، ليس بوصفه إنكاراً للواقع، بل طريقة للتعامل معه.

الدعابة السورية في سنوات الحرب كانت داكنة، ساخرة، وأحياناً قاسية، لكنها أدّت وظيفة نفسية واضحة: إعادة السيطرة ولو مؤقتاً على واقع مفروض، حين يضحك الناس على ما يخيفهم فإنّهم يعيدون ترتيب علاقتهم بالخوف الذي لا يختفي، لكنّه يفقد بعضاً من سلطته.

والأهمّ أن هذا الضحك كان جماعياً  يُقال في جلسة، أو في طابور انتظار، أو في لحظة عابرة، فيتحوّل إلى مساحة تنفيس مشتركة لا تحتاج إلى تفسير أو تبرير، هذا الشكل من التعامل مع الخوف لا يخصّ السياق السوري وحده، لكنه يكتسب هنا خصوصيته من كونه ممارسة نشأت في غياب بدائل مؤسسية مستدامة.

الجلسات النسائية: علاج بلا اسم

في البيوت، ومراكز الإيواء، والأحياء الجديدة، شكّلت الجلسات النسائية واحدة من أكثر مساحات الدعم النفسي ثباتاً، وإن بقيت خارج الرصد الرسمي، لم تكن هذه الجلسات مخصّصة للحديث عن الصدمة بوصفها موضوعاً بل للحديث عن الحياة كما هي: الأطفال، التعب، الغلاء، الذكريات، والخوف من الغد.

ما ميّزَ هذه المساحات هو غياب التقييم، لا أحد يسأل إن كانت المشاعر “في محلّها”، ولا أحد يقدّم حلولاً جاهزة، هذا القبول غير المشروط، وهذه المشاركة في الهشاشة، خلقت نوعاً من الأمان النفسي يصعب توفيره في بيئات أكثر رسمية، بالنسبة لكثير من النساء، كانت هذه الجلسات المساحة الوحيدة التي يُسمح فيها بالانكسار دون خوف من الوصم، ودون مطالبة بالصمود الدائم.

الطقوس: تنظيم الحزن بدل كتمه

في مواجهة الموت والفقدان، لعبت الطقوس الدينية والاجتماعية دوراً محورياً في إعادة بناء المعنى، العزاء، والدعاء الجماعي، والزيارات لم تكن فقط واجبات اجتماعية، بل أدوات لتنظيم الحزن. الطقس يمنح الألم شكلاً، وزمناً، وحدوداً، ويقول للناس: “هنا يمكنكم أن تحزنوا، ومعاً “.

هذه الطقوس لم تُخفّف الحزن بالضرورة، لكنها منعته من التحوّل إلى عزلة صامتة، كما أنها سمحت بالتعبير عن المشاعر ضمن إطار مألوف، دون الحاجة إلى شرح أو تحليل، في مجتمعات عاشت فقداناً واسعاً كان لهذا التنظيم الاجتماعي للألم أثر وقائي، حتى وإن لم يُسمَّ كذلك.

الحديث العابر: تفريغ بلا موعد

كثير من عمليات التفريغ النفسي حدثت في أماكن لا تُصنّف عادةً كمساحات دعم: طوابير الخبز، وسائل النقل، أو أثناء انتظار طويل.

هذه الأحاديث العابرة بين أشخاص ربما لا يلتقون مجدداً، حملت اعترافات مقتضبة، وجملاً ناقصة، لكنها كانت كافية لتخفيف الشعور بالوحدة. حين يسمع شخص قصة تشبه قصته حتى من غريب، يشعر بأنّ ما يمر به مفهوم، وأنه ليس خللاً شخصياً، هذا الإحساس البسيط هو أحد أعمدة الصحة النفسية، وغالباً ما يتحقق خارج أي إطار علاجي رسمي.

ما بين القيمة والحدود

من المهم عدم المثالية في قراءة هذه الممارسات، فالتعافي المجتمعي لا يعالج كل أشكال الصدمة، ولا يغني عن الحاجة إلى تدخلات متخصصة، خصوصاً في حالات الاضطرابات الشديدة، كما أنّ الاعتماد على المجتمع وحده قد يفرض ضغطاً غير معلن على الأفراد لكبت الألم باسم “التحمّل” أو “الصبر”، لكن الاعتراف بهذه الحدود لا يقلّل من قيمة ما حدث. بل يذكّر بأن الصحة النفسية ليست حقلاً مغلقاً على المختصين، بل عملية اجتماعية معقّدة، تتداخل فيها العلاقات، والمعاني، والطقوس، واللغة اليومية.

ما الذي يعنيه هذا للتنمية؟

أي مقاربة تنموية تتجاهل هذه الأشكال المحلية للتعافي تخاطر بإزاحتها، أو بإفراغها من معناها. بدل محاولة استبدالها بنماذج جاهزة، قد يكون الأجدى الإصغاء إليها، وفهم منطقها، والبناء عليها حيث أمكن. الصحة النفسية، في السياق السوري، لم تكن دائماً مشروع علاج، بل مشروع بقاء. والناس بموارد محدودة نجحوا في خلق مساحات للحياة داخل الألم، هذا لا يلغي الحاجة إلى العيادات، لكنه يذكّر بأن التعافي لا يبدأ فيها دائماً

لا يمكن اختزال ما حدث في المجتمعات السورية في مفهوم واحد، ولا يمكن الادعاء بأنّ هذه الممارسات عالجت كل ما انكسر، لكنها تكشف عن حقيقة أساسية: أنّ التعافي لم يكن انتظاراً سلبياً لتدخل خارجي، بل عملية تشكّلت في قلب الحياة اليومية.

في إعادة التفكير بالصحة النفسية كما في مفاهيم أخرى، قد يكون السؤال الأهم ليس: كيف نُدخل نماذج التعافي إلى المجتمع؟ بل كيف نفهم ما فعله المجتمع أصلاً، وما الذي يمكن دعمه دون تفكيكه؟

قد يبدأ التعافي في السياقات الهشّة من حيث لا نبحث عادةً: في الضحكة المشتركة، في الجلسة غير المخططة، وفي الطقس الذي يمنح الحزن شكلاً يمكن احتماله.

Facebook
Twitter
WhatsApp