يواجه الإنسان خلال حياته منذ لحظة ولادته حتى مماته العديد من التحديات والأحداث المسببة للضيق، إذ لا يمكن أن تخلو الحياة من المشقة والمعاناة، فهي مجبولة على ذلك كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (سورة البلد: 4).
لكنّ الأحداث ليست مهمة بقدر أهمية استجابتنا بعد وقوعها، فالاستجابة الإنسانية للأحداث أو المعاناة متنوعة، ولا تسير وفق مسار جامد؛ إذ يوجد المسار المَرَضي، ومسار التكيف، ومسار النمو، فهناك أفراد يحاولون التكيف مع هذه الأحداث عبر آليات عدّة، قد يكون من أهمها التراحم الذاتي، كأحد أبرز الآليات النفسية التي تُمكّن الفرد من التعامل بلطف ورحمة مع نفسه، وتجاوز محطات الألم دون لوم الذات أو تقريعها، والتراحم الذاتي لا يعني الضعف أو الاستسلام، بل يمثل شكلًا من أشكال القوة الرحيمة التي توازن بين الاعتراف بالمعاناة والرغبة في النهوض والنمو.
يسعى هذا المقال إلى توضيح التراحم الذاتي من حيث مفهومه ومكوناته وفوائده، والتعرف على نقيض التراحم الذاتي (النقد الذاتي)، وتقدير الذات، والمفاهيم الخاطئة الشائعة حول التراحم الذاتي، وصولاً إلى كيف يرحم الإنسان نفسه.
مفهوم التراحم الذاتي:
ينطوي مفهوم التراحم (Compassion) على بُعدين أساسيين: التراحم مع الذات، والتراحم مع الآخرين، ويمكن تعريف التراحم الذاتي بأنه انفتاح الفرد على معاناته وتأثره بها دون تجنّبها أو الانفصال عنها، كما يتضمن رغبة صادقة في التخفيف من المعاناة ومعالجة الذات بلطف ورفق (Thompson, 2024, p.4).
لقد اهتم علماء النفس بالعوامل التي تُعزز المواجهة الإيجابية والصمود النفسي، ومنها التراحم الذاتي الذي يُعد أحد أهم هذه العوامل، وصاغته لأول مرة عالمة النفس الأمريكية كريستين نيف Kristin Neff، كأحد المتغيرات الإيجابية في الشخصية، وإحدى آليات الصمود النفسي، ووسيلة إيجابية في توجه الفرد نحو ذاته، وشكل من أشكال توافق الشخص مع ذاته (إبراهيم وآخرون، 2025، ص.337).
إذ يُشير التراحم الذاتي إلى كيفية تعاملنا مع أنفسنا في حالات الفشل أو القصور أو المعاناة الشخصية المدركة (Neff. 2023. P.194).
مكونات التراحم الذاتي:
اللطف بالذات :(Self-kindness) يصف قدرة الفرد على تقليل النقد الذاتي خلال لحظات الألم، والتعامل بدلًا من ذلك بتفهم وتعاطف.
الإنسانية المشتركة :(Common humanity) تعني إدراك أن المعاناة والتجارب الصعبة جزء من الخبرة الإنسانية العامة.
اليقظة الذهنية :(Mindfulness) تعني الوعي بانفعالات الفرد دون المبالغة في التماهي معها.
ومن خلال هذه المكونات الثلاثة، يركّز التراحم الذاتي ليس على تغيير المشاعر ذاتها، بل على إحداث تحول في الطريقة التي يتفاعل بها الفرد مع مشاعره. (Foran, 2024, p.19)
نقد الذات :(Self-Criticism)
نقيض التراحم الذاتي، وهو أسلوب تفكير يتضمن الحديث الداخلي عن النفس بشكل سلبي للغاية، ومهين، ومثير للقلق، يمكن لنقد الذات أن ينشط نظام التهديد في الجسم أو يبقيه في حالة تحفز.
طبيعة نقد الذات:
– يكون محتوى أفكار نقد الذات قاسيًا جدًا.
– تكون اللهجة جافة، وقاسية، وهجومية، فيبدو الأمر وكأن الشخص يوبخ أو يلوم نفسه بطريقة قاسية جدًا أو عقابية، وقد يحـدث هـذا داخلنـا جميعاً بدرجـات متفاوتـة، وهـو شـائع جـداً فـي مجتمعنـا.
– قــد يشــعر الأشخاص الذيـن ينتقـدون أنفسـهم بقسـوة بمشـاعر مؤذيـة كاحتقـار أو كراهيـة أنفسـهم أو الاشمئزاز مـن ذواتهـم، حيـث يعتقـدون أنهـم لا يسـتحقون معاملـة أنفسـهم بشـكل أفضـل.
– غالبًا ما يتضمن أساليب التفكير غير المفيدة كالتسمية (إطلاق تعميمات مهينة عن أنفسنا بسبب سلوكنا في موقف معين)، والإلزامات (استخدام عبارات إلزامية مثل “يجب” لفرض مطالب غير معقولة أو الضغط على أنفسنا)، والإفراط في التعميم (أخذ موقف سلبي واحد واستنتاج أنه ينطبق على كل شيء).
ومن بعض الأمثلة الشائعة لتصريحات نقد الذات ما يأتي:
“أنا أحمق”، “أنا غبي”، “أنت عديم الفائدة ومثير للشفقة”، “ما كان يجب علي فعل ذلك”، “أنا لا أحسن التصرف أبدا”.
النتائج السلبية لنقد الذات: نقد الذات لا يجعلك تشعر بتحسن، ويؤدي عادة إلى مشاعر مثل القلق، أو الحزن، أو الاكتئاب، أو الشعور بالذنب، أو الخجل، أو الغضب، وهو شائع في العديد من مشاكل الصحة النفسية مثل الاكتئاب واضطرابات القلق ومشاكل صورة الجسد وتدني احترام الذات وغيرها.
إذ يمكن أن يسهم في بقاء الشخص عالقًا في هذه المشاكل لفترة أطول، لـذا فـإن معالجـة نقـد الـذات يبـدأ مـن خـلال اسـتبداله ببنـاء القـدرة علـى التراحـم الذاتـي؛ والـذي يلعـب دور فـي تسـهيل الصعوبـات التـي يعانـي منهـا. (سولسمان وآخرون، 2017، ص.12)
التراحم الذاتي وتقدير الذات (self-esteem):
يُعَدّ التراحم الذاتي وتقدير الذات من البُنى المكوِّنة لهوية الفرد؛ وتشير الهوية إلى تكامل إدراك الفرد لذاته مع معتقداته بشأن الكيفية التي يعتقد أن الآخرين ينظرون إليه من خلالها.
ويُعرَّف التراحم الذاتي بأنه قدرة الفرد على معاملة نفسه بلطف ورفق، ولا سيما عند التعرض لضيق أو معاناة انفعالية، أما تقدير الذات فيشير إلى الطريقة التي يُقيّم بها الفرد نفسه مقارنةً بالآخرين. (Arneson, 2024, p.58)
يختلف التراحم الذاتي عن تقدير الذات؛ فرغم ارتباطهما الوثيق بالصحة النفسية، إلا أن تقدير الذات هو تقييم إيجابي لقيمة الذات، بينما لا يُعدّ التراحم الذاتي حكماً أو تقييماً على الإطلاق، بل هو أسلوب للتعامل مع التغيرات المستمرة في شخصيتنا بلطف وتقبّل، خاصةً عند الفشل أو الشعور بالنقص.
تقدير الذات هش بطبيعته، يتأرجح صعوداً وهبوطاً تبعاً لنجاحنا أو فشلنا الأخير، ويُساندنا في أوقات الرخاء، وقد يتخلى عنا عند الشدائد، أما التراحم الذاتي فهو مصدر دعم موثوق حتى في أحلك الظروف.
يتطلب تقدير الذات الشعور بالتفوق على الآخرين، بينما يتطلب التراحم الذاتي ببساطة الاعتراف بأننا نشارك حالة النقص البشري، هذا يعني أننا لسنا مضطرين للشعور بالتفوق على الآخرين لنشعر بالرضا عن أنفسنا، كما يوفر التراحم الذاتي استقرارًا عاطفيًا أكبر من تقدير الذات لأنه موجود دائمًا من أجلنا عندما نكون في قمة النجاح، وعندما نفشل فشلًا ذريعًا، التراحم الذاتي صديق متنقل يمكننا الاعتماد عليه دائمًا، في السراء والضراء. ((Germer, Neff, 2019, p.25
“التراحم الذاتي صديق متنقل يمكننا الاعتماد عليه دائمًا، في السراء والضراء”
فوائد التراحم الذاتي:
يرتبط التراحم الذاتي ارتباطًا وثيقًا بالسعادة والشعور بالرضا عن الحياة، والمرونة العاطفية والقدرة على التكيف، والعادات الصحية كالنظام الغذائي وممارسة الرياضة، وبناء علاقات شخصية متزنة ومُرضية، كما يسهم في التخفيف من حدة مجموعة واسعة من الاضطرابات النفسية كالقلق، والاكتئاب، واضطرابات الأكل، والإدمان، واضطرابات الشخصية. (Ronen, Geller, 2025, p.13)
وترى نيف Neffأن التراحم الذاتي يُحسّن الأداء النفسي للفرد من خلال منع تفاقم تجارب الضيق نتيجةً للنقد الذاتي والعزلة والإفراط في التماهي مع الألم، كما قد يُعزز من فهم الأفراد لأنفسهم ومعرفة إمكانياتهم، كما أشارت مراجعات الأدبيات والتحليلات التلوية إلى وجود علاقات موجبة بين التراحم الذاتي وزيادة مستوى الرفاهية، وكذلك علاقات سالبة بين التراحم الذاتي والضيق النفسي، بما في ذلك الاكتئاب والقلق والتوتر. (Sessions et al, 2025, p.77).
والتراحم الذاتي يمكن أن يساعدنا على التوقف عن إصدار أحكام قاسية على أنفسنا بسبب حقيقة أننا جميعًا نواجه صعوبات في الحياة، غير أن قوة التراحم الذاتي لا تقتصر على حياتنا الداخلية فقط، فعندما ننمّي عادة التراحم الذاتي، سنجد أنها تساعدنا في فتح أعيننا على طرق جديدة للتغيير والنمو.
ويشمل التراحم الذاتي كلاً من القبول الرقيق لأنفسنا والعمل الجاد في العالم، فهو يساعدنا على وضع حدود في مواجهة المطالب المستحيلة والتوقعات غير الواقعية، ويحفزنا على خلق حياة منزلية ومكان عمل ومجتمع أكثر عدلاً. (, p.22024 ,Germer ,Neff)
مفاهيم خاطئة شائعة حول التراحم الذاتي:
أشارت ((Neff, 2023, p201 إلى المخاوف الشائعة بشأن التراحم الذاتي أنه يُعدّ ضعفًا، أو انغماساً في الذات، أو أنانية، وأنه قد يُضعف الدافعية.
التراحم الذاتي يقوي ولا يُضعف
التراحم الذاتي ليس أنانية بل يساعد على الاهتمام بالآخرين
فكيف يكونُ الإنسانُ رحيمًا بنفسه؟
هي النفس وديعةٌ أودعها الله فينا، فإذا علم العبد إنها وديعة عنده أحسن إليها حتى يرد الوديعة إلى صاحبها، فيرحمها ولا يظلمها، ويسعى لرحمتها، وتتجلى هذه الرحمة في مواضع عدة، منها:
– اللطف والرفق بالنفس وعدم القنوط من رجمة الله ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.﴾ (البقرة: 286)، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53)، وفي الحديث: “إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا”. وفي قول لأبي ذر “نفسي هذه مطيَّتي إن لم أرفُقْ بها لم تُبَلِّغْني”.
– تقوية العزيمة والإرادة، وعلوّ الهمة. ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159)،وفي الحديث: ” المؤمنُ القَوِيُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خيرٌ، احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ باللهِ ولا تَعْجَزْ”،وفي حديث آخر: “إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ مَعاليَ الأُمورِ، وأَشرافَها، ويَكرَهُ سَفْسافَها”.
– اغتنام الفرص في الحياة، للعمَلِ للآخِرةِ بِـملْءِ الأوقاتِ بالطاعاتِ ففي الحديث: ” اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ: شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك”.
– حفظ كرامة النفس، بالاستغناء عما في أيدي الناس، ففي الحديث: “واعلَمْ أنَّ شرفَ المؤمنِ قيامُه باللَّيلِ، وعزَّهُ استِغناؤهُ عنِ النَّاسِ”، وفي حديث آخر: “وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ”.
– احترام النفس وعدم تحقيرها ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ (الإسراء: 70) وفي الحديث: “لا يَحقِرَنَّ أحَدُكم نَفْسَه”، وفي حديث آخر: “لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، ولَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي”. وما ورد من شرح للحديث في موقع الدُّرَرُ السَّنِيَّة أن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نهى عن أنْ يَصِفَ الإنسانُ المسلمُ نفْسَه -إنْ أصابَها شَيءٌ مِن الضِّيقِ والضَّجَرِ- بالخُبثِ، وأمَرَ بإبدالِه بوصْفِ اللَّقَسِ، وهو الغَثَيان أو الضَّجرُ، مع أنَّ اللَّقَسَ والخُبثَ بمعنًى واحدٍ، وإنَّما كَرِه «خَبُثَت»؛ لأن لفظِ الخُبثِ والخَبِيثِ يُوصَفُ به الشَّياطينُ والكَفَرةُ والفَجَرةُ، وهذا لِمَا في وصْفِ النَّفْسِ بذلك مِن أثرٍ فيها.
– يرحم نفسه إذا أنقذها من النار، وذلك بالسعي الحثيث إلى طاعة الله واجتناب نواهيه والانقياد لأمره واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: 6).
– إصلاح القلب والحرص على سلامته ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْأَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ (الشعراء: 88-89). وفي الحديث: “ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ”، وحديث: “إِنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى أَجْسامِكُمْ، ولا إلى صُورِكُمْ، ولكنْ ينظرُ إلى قُلوبِكُمْ”.
– اتباع طريق الخير وتزكية النفس وتطهيرها من الرذائل ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9)﴾ (الشمس: 7-9).
– الاعتراف بالضعف والخطأ والتقصير، والاستغفار والتوبة ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 135) وفي الحديث: “طوبَى لِمَن وجَدَ في صَحيفَتِه استِغفارًا كثيرًا”.
– الصبر على الضراء، وعدم الطغيان بالنعمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له”.
في ضوء ما سبق يتبيّن أن:
التراحم الذاتي ليس دعوة إلى التهاون مع الذات، هو أن نعتني بأنفسنا في أوقاتنا كلها من خلال اللطف بالذات وإدراك أننا جميعاً نعاني ونكابد.
يعين التراحم الذاتي الإنسان على مواصلة الطريق بثبات واتزان، فالحياة بما تحمله من ابتلاءات وتحديات تحتاج إلى قلبٍ يرفق بنفسه، وعقلٍ يتفهّم ضعفه البشري، وروحٍ تستمد قوتها من الإيمان والرجاء.
يحرّر التراحم الذاتي الإنسان من قيود النقد القاسي واللوم المستمر، ويمنحه قدرةً أكبر على النهوض بعد التعثر، وعلى تحويل الألم إلى فرصةٍ للنمو، والفشل إلى خبرةٍ للتعلّم، وهو في الوقت ذاته لا يتعارض مع السعي والإصلاح، بل يدعمهما؛ إذ إنَّ من يرحم نفسه حقًا، يسعى لتهذيبها، وحمايتها من الهلاك، وتوجيهها نحو الخير والصلاح.
ومن أعظم ما يُدركه الإنسان في رحلته مع التراحم الذاتي أنَّ نفسه أمانة بين يديه، تحتاج إلى رعايةٍ ولطفٍ وتزكية، وأنَّ القسوة عليها لا تصنع إنجازًا دائمًا، بينما الرحمة بها تفتح أبواب التعافي والنمو والرضا.
بناء عادة التراحم الذاتي في حياتنا اليومية يُعد استثمارًا طويل الأمد في صحتنا النفسية، وعلاقاتنا الإنسانية، وقربنا من الله تعالى؛ فليكن التراحم الذاتي منهجًا نعيشه، ولنجعل من الرحمة بأنفسنا بدايةً لرحمةٍ أوسع بالآخرين، فـمن رحم نفسه، كان أقدر على رحمة غيره.
المراجع:
– إبراهيم، يسرى راضي، والوكيل، سيد أحمد، وعبد الوهاب، شرين. (2025). التراحم بالذات وعلاقته بالأعراض الاكتئابية لدى أمهات الأطفال ذوي اضطراب طيف الذاتوية. مجلة جامعة الفيوم للعلوم التربوية والنفسية، 19 (9)، 334- 388.
– البدر، عبد الرزاق. (2023). أحاديث إصلاح القلوب. دار الإمام مسلم للنشر والتوزيع. المدينة المنورة.
– سولسمان، ليزا، وكامبل، بروس، سانق، أديلن. (2017). كتيب بناء التراحم الذاتي. ترجمة مرام النواش. مبادرة نَفْس، المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية.
– Arneson, J. E. (2024). Exoneree self-esteem and self-compassion during reintegration. Doctoral dissertation, Walden University. https://scholarworks.waldenu.edu/dissertations/16305
– Foran, S. (2024). The Moderating Effects of Self-Compassion on the Relationship Between Shame and Depression in Military Populations [Dissertation (open access), Georgia Southern University. Georgia Southern Commons. https://digitalcommons.georgiasouthern.edu/etd/2813.
– Germer, Christopher, Neff, Kristin. (2019). Teaching the Mindful Self-Compassion Program A Guide for Professionals. Guilford Publications, New York.
– Neff, K. D. (2023). Self-compassion: Theory, method, research, and intervention. Annual Review of Psychology, 74, 193–218. https://doi.org/10.1146/annurev-psych-032420-031047
– Neff, Kristin, Germer, Christopher. (2024). Mindful self-compassion for burnout: tools to help you heal and recharge when you’re wrung out by stress. Guilford Publications. New York.
– Ronen, Galia, Geller, Shari, 2025: Grounding psychotherapy in self-compassion, The Guilford Press, New York.
– Sessions, Lucy, Robertson, Noelle, Jones, Christopher, Welham, Alice. (2025). Self-Compassion in Qualified and Student Social Workers: A Systematic Literature Review and Meta-Analysis, Journal of Evidence-Based Social Work, 22 (1), 76–103. https://doi.org/10.1080/26408066.2024.2439267
– Thompson, T. (2024). The extent that self-compassion and well-being predict burnout in online clinical psychology PhD student, Walden Dissertations and Doctoral Studies. https://scholarworks.waldenu.edu/dissertations/16169
المواقع الإلكترونية:
– الدُّرَرُ السَّنِيَّة:
– إسلام ويب:
– شبكة الألوكة:









