قد يبدو تعليم طفل مصاب بالتوحد مهارات معقدة، مثل استخدام جملة كاملة، أمراً مستحيلاً بالنسبة لبعض العائلات، إلا أن سحر تحليل السلوك التطبيقي (ABA) قادر على تحويل ذلك إلى واقع.
يُعد تحليل السلوك التطبيقي (ABA) نهجًا علاجيًا راسخًا يُستخدم لتحسين السلوكيات والمهارات المرغوبة من خلال تدخلات منهجية يمكن أن تفيد الأطفال المصابين بالتوحد.
من بين استراتيجياتها العديدة في تحليل السلوك التطبيقي، يُستخدم أسلوب التشكيل لتوجيه السلوك تدريجيًا نحو هدف مرغوب، يُعد هذا الأسلوب فعالًا بشكل خاص في تعليم مهارات جديدة أو معقدة مع تعديل السلوكيات، مما يجعله حجر الزاوية في ممارسة تحليل السلوك التطبيقي.
التشكيل (Shaping) يتم تعزيز العديد من الاستجابات بشكل كافٍ والحفاظ عليها من خلال المثيرات الطبيعية للتعزيز في البيئة الطبيعية، وتستمر هذه السلوكيات في البقاء ما دامت أداة لإحداث تغييرات مرغوبة. فعلى سبيل المثال، يستخدم الطفل حديث الولادة، الذي يمتلك ترسانة محدودة من الاستجابات، استجابات لفظية أولية مثل البكاء أو المناغاة أو إصدار الأصوات لجذب انتباه الآخرين، لاحقًا يتم تشكيل هذه الاستجابات لتصبح نطقًا أكثر طلاقة، ثم تتحول في النهاية إلى كلام تلقائي، ويتم اكتساب العديد من الاستجابات الجديدة بهذه الطريقة، إن احتمالات تقليل الدافع، أو الحصول عنلى التنبيه الحسي، أو التخلص من الانزعاج، هي بعض الأحداث المعززة التي تدعم هذه العملية. وهي تمهد الطريق للتطور السلوكي، ويظهر الاتجاه في التسلسل النمائي نتيجة لعملية التشكيل الذاتي (Auto Shaping) حيث تصبح الاستجابات العامة أكثر تحديدًا، والسلوكيات الإجمالية أكثر دقة، والاستجابات غير الهادفة أكثر غائية وموجهة نحو الهدف، ويساعد وجود بيئة غنية وتفاعلية في تسريع التطور السلوكي، وتسمى هذه العملية بالتشكيل الذاتي، ويلعب كل من التعلم الآلي (Instrumental Learning) والعمليات النمائية دورًا مهمًا فيها. (Jena, 2008, p. 65)
متى ينبغي استخدام أسلوب التشكيل في علاج التوحد؟
يُعدّ التشكيل أسلوبًا رائعًا لتعليم مهارة جديدة أو تعزيز مهارة موجودة لدى الطفل، وقد يكون التشكيل ضروريًا عندما لا يُظهر الطفل السلوك المستهدف (الهدف النهائي) أبدًا أو نادرًا ما يُظهره، وعندما تعلم أن انتظاره لإظهاره لتعزيزه سيستغرق وقتًا طويلًا؛ في هذه الحالة، من المرجح أن تصل إلى السلوك المستهدف بشكل أسرع بكثير من خلال تعزيز السلوكيات التي تُشبه السلوك المستهدف في الشكل والمضمون، ثمّ تشكيلها.
لتحديد متى يكون التشكيل مناسبًا، ابحث عن السلوكيات التي يمكن تقسيمها إلى خطوات أصغر وأكثر قابلية للتحكم والتي يمكن قياس التقدم التدريجي فيها بوضوح.
يُعد التشكيل مثالياً عندما لا يمكن تعلم السلوك في خطوة واحدة ولكن يمكن تطويره من خلال التقريبات المتتالية، مما يسمح بالتعزيز المستمر والتحفيز طوال عملية التعلم.
مثال على التشكيل في تحليل السلوك التطبيقي:
لنفترض طفلاً مصاباً بالتوحد يستعد للتدريب على استخدام المرحاض، لكي ينجح في التدريب، يحتاج الطفل إلى أن يكون قادراً على الجلوس على المرحاض لعدة دقائق متواصلة.
تمثل الخطوة الأولى في تقييم الوضع الحالي للطفل، لنفترض أنه يستطيع دخول الحمام لكنه لا يستطيع دخول المرحاض دون الانخراط في سلوكيات صعبة.
باستخدام التشكيل، يمكننا تقسيمها إلى خطوات أكثر قابلية للإدارة:
- الخطوة 1 :المس باب المرحاض .
- الخطوة 2: افتح الباب…
- الخطوة 3 :ادخل إلى…
- الخطوة الرابعة :قف هنا…
وهكذا دواليك حتى يحققوا هدف الجلوس على المرحاض لعدة دقائق.
سيتم تقديم الدعم، وتحديد معايير الإتقان قبل الانتقال إلى الخطوة التالية، على الرغم من أن هذه العملية قد تستغرق وقتًا وصبرًا، إلا أنها قد تكون أكثر سهولة ونجاحًا بالنسبة للطفل المصاب بالتوحد .
إجراءات التشكيل في تحليل السلوك التطبيقي :
تتضمن عملية التشكيل في عدة خطوات رئيسية لضمان التعلم الفعال وتعديل السلوك
إليكم دليل تفصيلي خطوة بخطوة حول كيفية تشكيل السلوكيات:
- حدد السلوك المستهدف: حدد السلوك المحدد الذي تريد تعليمه أو تعديله، مثل تعليم الطفل أن يقول “أريد قطعة بسكويت”.
- قسّم السلوك :قسّم السلوك المستهدف إلى خطوات أصغر وأسهل. على سبيل المثال، إذا كنت تُعلّم جملة كاملة، فابدأ بكلمة واحدة مثل “كعكة”.
- حدد مستوى التوجيه: حدد مقدار التوجيه الذي يحتاجه الفرد لتعلم المهارة. إذا كانت مهارة جديدة تمامًا، ففكر في استخدام توجيه أكثر وضوحًا.
- تعزيز التقريبات المتتالية: تقديم تعزيز لكل خطوة مكتملة.
- زيادة التقدم التدريجي: مع تحقيق الفرد لكل هدف صغير، قم بزيادة المعايير لتقريبه من السلوك المستهدف، استمر في تقديم التعزيز لكل خطوة تدريجية.
ربما تكون أفضل نصيحة في تشكيل السلوك هي أن نكون مرنين بما يكفي لتسريع أو إبطاء عملية التشكيل حسب الحاجة، خصوصًا في التشكيل النوعي، إن القدرة على تشكيل السلوك بفعالية هي مهارة تتطلب معرفة بقدرات الشخص وخبرة في تدريب أشخاص مختلفين على أداء مهام متنوعة، بالنسبة للأفراد الذين يعانون من صعوبات تعلم شديدة جدًا، مثل الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية العميقة، قد نحتاج حتى إلى تدريبهم على استرجاع أو استخدام أو استهلاك المعزز، تتوفر برامج حاسوبية تحاكي ميزات مهمة من عملية التشكيل وتساعد في تدريب العديد من المهارات التي يحتاج محللو السلوك إلى إتقانها من أجل تطبيق التعزيز بفعالية .(Sarafino, 2012, p. 151)
فوائد تشكيل السلوك:
يُعدّ التوجيه والتشكيل مفيداً للغاية عند تعليم مهارة جديدة لطفل مصاب بالتوحد، فهو لا يُحسّن اكتساب المهارات فحسب، بل يُعزّز أيضاً المرونة ويُقلّل من السلوكيات الصعبة، يمكن أن يساعد التوجيه الأفراد على الانخراط في أنشطة اجتماعية أكثر ملاءمة، وتوسيع مهاراتهم اللغوية، وتعزيز وصولهم إلى مدرستهم ومجتمعهم، كما يمكننا من خلال التشكيل وضع أهداف معقولة ويوفر للطفل العديد من فرص النجاح حسب طريقته في تعلم سلوك جديد صعب ويستخدم التشكيل عندما يكون السلوك المراد تعلمه على درجة من مرتفعة من الصعوبة. (حمد لله، 2023، ص 171)
نجحت دراسة أجريت عام 2019 في استخدام تقنيات التشكيل لزيادة التواصل البصري لدى ثلاثة أطفال في سن ما قبل المدرسة، مما حسّن قدرتهم على التركيز قبل تلقي التعليمات، تُعدّ هذه المهارات الأساسية ضرورية لتنمية اللغة والتحصيل الدراسي.
الصبر هو المفتاح:
على الرغم من أن الأمر قد يستغرق وقتاً، إلا أن وضع إجراءات محددة يمكن أن يسهل اكتساب المهارات ويعزز تغيير السلوك على المدى الطويل، وتتجلى فعاليته من خلال دوره في تحويل التحديات إلى مراحل قابلة للإنجاز.
إن التأكيد على أهمية التشكيل في العلاج السلوكي، يجعلنا نرى أن هذه الطريقة توفر مسارًا إيجابيًا ومشجعًا للنجاح، مما يساعد الأفراد على بناء المهارات الأساسية والوصول إلى كامل إمكاناتهم .
الأسئلة الشائعة
ما هو مثال على التشكيل في تحليل السلوك التطبيقي؟
ج: من الأمثلة على ذلك زيادة الوقت الذي يقضيه الطفل على مائدة الطعام مع عائلته، فإذا كان الهدف النهائي هو 20 دقيقة أثناء تناول الطعام، فقد تكون الخطوة الأولى هي 5 دقائق أثناء اللعب بالألعاب المفضلة
مثال 2: تعليم الطفل كتابة اسمه، في البداية، يُشجع الطفل على مسك القلم، ثم على وضع علامة على الورقة، وأخيراً على كتابة اسمه كاملاً بشكل صحيح، تُعزز كل خطوة على طول الطريق كلما اقترب الطفل من الهدف النهائي.
ما هو النشاط التشكيلي؟
النشاط التشكيلي هو أسلوب تعليمي منظم يتضمن تقسيم السلوك المعقد إلى خطوات أصغر يمكن التحكم فيها، وتعزيز كل خطوة تدريجياً حتى يصل الفرد إلى السلوك المستهدف النهائي.
ما الفرق بين التشكيل والتسلسل؟
يركز التشكيل على تعزيز التتابع التدريجي لسلوك واحد وصولاً إلى هدف نهائي، بينما يتضمن التسلسل تعليم سلسلة من السلوكيات. (بطرس، 2010، ص 173)
وفي الختام يظهر أن أسلوب التشكيل في تحليل السلوك التطبيقي (ABA) أداة فعّالة لتعليم المهارات المعقدة للأطفال المصابين بالتوحد، من خلال تقسيم السلوكيات إلى خطوات صغيرة قابلة للتحكم وتعزيز كل تقدم تدريجي. إن مرونة هذا الأسلوب، وقدرته على التكيف مع قدرات الفرد، تجعل منه حجر الزاوية في تعديل السلوكيات وتنمية المهارات الجديدة. ورغم أن العملية قد تتطلب وقتًا وصبرًا، إلا أنها تفتح الطريق أمام الأطفال لاكتساب مهارات أساسية، وتوسيع فرصهم في التفاعل الاجتماعي والتعلم الأكاديمي، وصولًا إلى تحقيق إمكاناتهم الكاملة. إن التشكيل ليس مجرد تقنية علاجية، بل هو مسار منظم ومشجع نحو النجاح، يترجم التحديات إلى إنجازات ملموسة ويمنح الأمل للعائلات في بناء مستقبل أكثر استقلالية لأطفالهم.
المراجع:
Jena, S. P. K. (2008). Behaviour therapy: Techniques, research and applications. SAGE Publications India Pvt Ltd.
Sarafino, E. P. (2012). Applied behavior analysis: Principles and procedures for modifying behavior. John Wiley & Sons.
Fonger, A. M., & Malott, R. W. (2018). Using Shaping to Teach Eye Contact to Children with Autism Spectrum Disorder. Behavior Analysis in Practice, 12(1), 216–221. https://doi.org/10.1007/s40617-018-0245-9
بطرس، بطرس حافظ. (2010). تعديل وبناء سلوك الأطفال. دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة.
حمد لله؛ منذر إبراهيم. (2023). الدليل العملي تحليل السلوك التطبيقي للأفراد ذوي الاضطرابات النمائية والتوحد. مكتبة الملك فهد الوطنية
المواقع:









