يُعرَّف التدخل المبكر بأنه مجموعة البرامج والإجراءات المنظمة التي تُقدَّم للأطفال ذوي التأخر النمائي والإعاقات أو المعرضين لها منذ ولادتهم وحتى سن مبكرة (عادة قبل سنّ 8 سنوات)، ويركز هذا المفهوم على تحسين فرص النمو واكتساب المهارات الأساسية من خلال خدمات متخصصة تشمل: التربية الخاصة، والعلاج الوظيفي، وعلاج النطق، والعلاج الطبيعي، والتعليم المبكر، والتأهيل النفسي والسلوكي، والتأهيل الاجتماعي.
أهمية التدخل المبكر
التدخل المبكر لا يقل أهمية عن الكشف المبكر؛ فالكشف عن الإعاقة هو مجرد بداية لمشوار طويل من العمل المركز على تحسين فرص للنمو للطفل. بينما التدخل المبكر هو استجابة فعلية تساهم بشكل مؤكد في مسار حياة الطفل وأسرته، وتشير الأدبيات إلى أن التأخر في الكشف وتقديم الخدمات المبكرة قد يؤدي إلى تفاقم التأخر النمائي في مجالات متعددة، وعادة ما يتسبب في تفاقم أثار ذلك في كافة مجالات النمو الذهني واللغوي والتواصل الاجتماعي.
استراتيجيات التدخل المبكر
خلال العديد من المراجعات للأبحاث العلمية المتخصصة تم الاطلاع على العديد من الاستراتيجيات الفعالة في التدخل المبكر والتي من أبرزها:
- العلاج الطبيعي وتنمية الجوانب الحركية الكبرى.
- التعليم المبكر المكثف.
- التأهيل الوظيفي وتنمية الجوانب الحسية.
- علاج النطق وتنمية اللغة الوظيفية الاجتماعية.
- التأهيل السلوكي التكيفي والاجتماعي.
- الخطة الأسرية وجلسات الدعم الأسري.
- مجموعة من البرامج متعددة التخصصات الطبية والاجتماعية.
وقد تبين أن مشاركة الأسرة في التخطيط وبناء البرنامج خلال فترة التدخل المبكر الأولى بالتعاون مع فريق التدخل تساهم بشكل كبير في تحسين فعالية النتائج المرجوّة في هذا المجال.
أمثلة تجارب عملية
نفذ المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الأردن (HCD) دراسة بالتعاون مع مؤسسة بانا للاستشارات والتدريب خلال العامين 2015-2016 حول واقع التدخل المبكر في الأردن وتطوير معايير متخصصة في مجال التدخل المبكر، وقد خلصت الدراسة للعديد من التوصيات التي ساهمت في تطوير خدمات التدخل المبكر في الأردن وتطوير التشريعات في هذا المجال.
وأشارت دراسة أجريت على الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في السعودية، بعد أن تم تقسيمهم لمجموعتين الأولى تلقت برنامجا متخصصا في التدخل المبكر والأخرى لم تتلقى أية تدخلات خلال فترة التطبيق، حيث أظهرت المجموعة الأولى تحسناً واضحا في مجالات النمو نتيجة لأنها تلقت برنامجا متخصصا في التدخل المبكر. كما تبين أنها استجابت بشكل أفضل مقارنة بالمجموعة الأخرى في المهارات السلوكية.
على مستوى أوسع هناك العديد من الدول قدمت نماذج مميزة مثل: أوغندا حيث تم تدريب العاملين الصحيين على الكشف والتدخل المبكر مع تتبع ما قبل/ بعد التدريب، وقد أظهرت النتائج تحسنًا في إحالات الأطفال للمهنيين وزيادة معرفة العاملين بكيفية تقديم الدعم المناسب.
كما تم تطبيق تدريب متخصص في الأردن بالتعاون مع وزارة التنمية الاجتماعية في دور حضانات الأطفال ما قبل سن الروضة وتدريب العاملات على برامج الكشف عن التأخر النمائي واستراتيجيات دمج الأطفال ذوي الإعاقة مع غيرهم من الأطفال وأظهرت النتائج تحسنا واضحا في تلبية احتياجات الأطفال وارتفاع مستوى تقبل مشاركتهم في مختلف الفعاليات المنفذة وزيادة أعدادهم في هذه الحضانات.
التحديات والآفاق
هناك العديد من التحديات في مجال التدخل المبكر، من أهمها: نقص الأخصائيين المدربين في مجال التدخل المبكر، وقلة الموارد المخصصة لدعم هذا القطاع، وضعف التغطية في المناطق النائية، وقلة البرامج المتخصصة الملائمة للبيئات العربية، وغيرها من التحديات. ومع ذلك، فإن الاتجاه العالمي يتجه نحو دمج خدمات التدخل المبكر في السياسات الصحية والتعليمية لتحقيق شمول أفضل.
ختامًا… التدخل المبكر الذي نريد هو الذي يُمكِّن الأطفال ذوي التأخر النمائي والإعاقات من اكتساب مزيد من المهارات الوظيفية الأساسية، ويقلّل من الحاجة إلى خدمات الدعم طويلة الأمد في المستقبل، مما يجعله استثمارًا مهمًا للمجتمعات، ولا يزال هذا المجال مبكرًا ليتم تقييمه في ضوء العديد من المعايير المتخصصة وفي ضوء دليل وطني شامل.









