اضطراب طيف التوحد لم يعد يُفهم اليوم كمجرد مجموعة من الاختلافات السلوكية التي تظهر عند الأطفال بعد سنتين أو ثلاث، بل كحالة نمائية عصبية معقدة تنشأ من تفاعل العوامل الوراثية مع الاستقلاب الخلوي وتطور الدماغ منذ المراحل المبكرة للطفولة، وربما حتى أثناء الحياة الجنينية، أظهرت دراسة مهمة أجريت في عام 2024 في جامعة University of California San Diego أن الأطفال الذين تم تشخيصهم بالتوحد لاحقًا لديهم بصمة أيضية مميزة منذ مرحلة الرضاعة المبكرة، تضمنت تغيّرات في مسارات إنتاج الطاقة الخلوية، استقلاب الأحماض الأمينية، وقدرة الجسم على مواجهة الإجهاد التأكسدي، قبل ظهور أي سلوكيات سريرية للتوحد.

اعتمد الباحثون على جمع عينات دم وبلازما من الأطفال في مرحلة الرضاعة، ومتابعتهم سريريًا حتى سن التشخيص التقليدي باستخدام أدوات معيارية مثل ADOS-2و ADI-R ما أتاح لهم الربط بين الاختلافات الأيضية المبكرة والتشخيص المستقبلي بشكل موثوق، مؤكدين أن هذه الفروق ليست مجرد ملاحظات عرضية، بل مؤشرات بيولوجية مبكرة للتطور العصبي المختلف، وقد صرح الفريق بأن “السلوك والأيض مرتبطان ارتباطًا وثيقًا ولا يمكن فصلهما”، مشيرين إلى أن العمليات الأيضية تمثل أساسًا بيولوجيًا يسبق ظهور الأعراض السلوكية.
تكمن أهمية هذه النتائج في أن الدماغ النامي حساس جدًا لأي اختلال في التمثيل الغذائي، بما في ذلك إنتاج الطاقة، توازن الأحماض الأمينية، وتنظيم الاستجابة للإجهاد التأكسدي، وهي عوامل قد تتأثر حتى أثناء تكوّن الدماغ الجنيني، خاصة في المراحل التي تتشكل فيها القشرة المخية والمهاد والمناطق المسؤولة عن التواصل الاجتماعي والمعالجة الحسية. هذا الفهم يفتح الباب للتفكير في تدابير دعم بيولوجية مبكرة تهدف إلى الحفاظ على التوازن الأيضي للدماغ النامي، مع التأكيد على أن المقاربة هي علمية محمية، أي أنها قائمة على فهم فيزيولوجي دقيق وقياسات حقيقية وليست اقتراحات علاجية افتراضية، دعم التمثيل الغذائي يشمل مراقبة صحة الأم أثناء الحمل، ضبط اضطرابات الغلوكوز أو نقص المغذيات الدقيقة، وتعزيز قدرة الجسم على مواجهة الإجهاد التأكسدي، وكلها استراتيجيات قائمة على المعايير الطبية والتغذوية المقبولة.
بعد الولادة، يظل الدماغ في مراحل تطور حرجة تجعل من مراقبة الوظائف الأيضية المبكرة، مثل إنتاج الطاقة، توازن مضادات الأكسدة، وتنظيم الأحماض الأمينية، أمرًا مهمًا لفهم كيفية تطور المسارات العصبية، تعزيز هذه العمليات البيولوجية قد يساعد الدماغ على الحفاظ على المرونة العصبية وتقليل شدة بعض المسارات التي، في ظل اختلالها، قد تسهم لاحقًا في ظهور بعض خصائص التوحد. لا يمكن اعتبار هذا تدخلًا علاجيًا للتوحد، بل إطارًا علميًا لفهم كيفية دعم النمو العصبي المبكر والحد من العوامل البيولوجية الضاغطة التي قد تؤثر على تطور الدماغ.
أي أن التوحد حالة نمائية شاملة، حيث يُنظر إليه من منظور التوازن الأيضي المبكر، الاستجابة الخلوية، وتنظيم النمو العصبي، وليس مجرد سلوك ظاهر.
هذا النهج لا يلغي أهمية الدعم السلوكي والتربوي، لكنه يضيف بعدًا بيولوجيًا مهمًا يوضح كيف يمكن أن يكون تحسين البيئة الأيضية للدماغ خلال الحمل والطفولة المبكرة خطوة علمية محمية لفهم أفضل للتوحد وتقليل المخاطر المرتبطة بخلل المسارات العصبية، وهو توجه يفتح آفاقًا جديدة للبحث الطبي المبكر ويمنح العلماء والأطباء أداة لفهم هذا الطيف العصبي من منظور أعمق وأكثر دقة علمية.
المراجع:
Li, H., Yang, Y., Yu, B., & Zhang, Y. (2025). The Metabolic Signature of Autism Spectrum Disorders Using Dried Blood Spots at Birth. Psychiatry Investigation, 22(6), 678–686. https://doi.org/10.30773/pi.2024.0293
He, Y., Xie, K., Yang, K., Wang, N., & Zhang, L. (2025). Unraveling the Interplay Between Metabolism and Neurodevelopment in Health and Disease. CNS Neuroscience & Therapeutics, 31(5). https://doi.org/10.1111/cns.70427









