كيف نربي أبناءنا بدون ضرب؟

لطالما ترددت على ألسنة بعض المربين عبارات قاسية مثل: “اكسر للفتاة ضلعًا، يخرج لها أربعة وعشرون”، و”اللحم الذي لا يُضرب لا ينضج”؛ كلمات تجسّد فلسفة تربية قاسية تستند إلى العنف أكثر من الفهم، وإلى الألم أكثر من الرحمة، لكن هل يُربّى الإنسان بالعصا؟ وهل تنمو النفوس تحت سياط التخويف والتأنيب؟

التربية في جوهرها ليست بالقسوة والعنف، بل بالحب والرحمة والحزم، والتوجيه بالحكمة، والقرآن الكريم يُرشدنا في قوله تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:

“فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ” (القرآن الكريم، آل عمران: 159)

أضع بين أيديكم، في هذا المقال، رؤية لتربية الأبناء بدون ضرب، حيث نسلط الضوء أولًا على مفهوم الثواب التربوي وأساليبه الفعالة مثل القبول، والكلمة الطيبة، والهدية، ودورها في غرس السلوك الإيجابي وتعزيزه، ثم ننتقل إلى الحديث عن العقاب التربوي، والتمييز بين توجيه السلوك وتقويمه، وبين الإيذاء والانتقام، مع عرض نماذج عملية للعقاب غير المؤذي نفسيًا أو بدنيًا، والمبني على الحوار والاحترام.

ونتوقف مع شروط استخدام الثواب والعقاب وكيفية اختيار الوسيلة المناسبة لعمر الطفل وسلوكه، دون إفراط أو تفريط، ثم نبيّن أضرار الضرب الجسيمة على الصحة النفسية للطفل، وعلى العلاقة بينه وبين والديه، وعلى شخصيته وتطوره الاجتماعي والمعرفي.

يقول فيلكس توما: إن كل وسائل التهذيب التي تُلقي الخوف والرعب هي بالإجمال مُضِرَّة غير نافعة، لأنها تُثبِّط الهمم بدلًا من أن تُنشِّطها، وتُقلِق العقل والقلب بدلًا من أن تُنيرهما أو تُهدِّئ ثائرتهما. (كاظم، 2011، ص. 137)

“الثواب والعقوبة كلا الأمرين مقرر في الإسلام في ميدان الحياة والتربية، ولكل منهما ضوابط وقواعد”

الثواب التربوي:

هو أثر يُحدثه المربّي في المتعلّم فور سلوكه سلوكًا إيجابيًا، فيُسبب له راحة نفسية أو مادية بهدف دفعه إلى تكرار هذا السلوك الإيجابي.

1. يبدأ الثواب التربوي بالقبول:

يعني القبول بالنسبة للطفل إحاطته بالحب والتعاطف، وكلّما كان القبول كبيرًا كانت المسافة بين الطرفين قصيرة.

2. البسمة والتبسّم وبشاشة الوجه:

لأن لغة التجهم والصرامة والجفاف تعطي نتائج مختلفة عن لغة البسمة والبشاشة والرضا، ولأن حسن الاستقبال، وإقبال الوجه، ونظر العينين تُعبّر عن احترام الطرف الآخر.

3. التقويم الإيجابي والكلمة الطيبة:

الكلمة الطيبة مثل: “أحسنت”، “ممتاز”، “بارك الله فيك”، وإشارة المربّي إلى الصواب فيما يقوم به الأبناء من أعمال ونشاطات والتقويمات والاختبارات تدخل في باب التقويم الإيجابي.

4. الغِذاء الطيب الحلال:

البدء بتحنيك المولود بموضوغ التمر يُعد من حسن استقبال المولود في أول دروبه في الحياة، والاستمرار في التغذية الجيدة معه بعد ذلك.

ومن هذا الباب، إن كانت الأم ربّة بيت مثالية تقوم بإعداد مائدة عامرة لأولادها مكافأةً لهم على مناسبة معيّنة كنجاح وتفوق، متدرّجة مع تطور وتقدّم أعمار أولادها، محافظةً على جاذبية التآلف الأسري.

5. ضمّة الأم لولدها الصغير:

يحتاج الصغير قبل الكبير، وإلى السنة العاشرة أو الثالثة عشرة، إلى ضمّة الأم حين خروجه من البيت، والتي لها الأثر الكبير عليه في نقل شحنة عاطفية دافئة إليه.

ويمكن استمرار هذا الأمر بعد هذا السن بشكل قبلة تُطبع على وجنته، أو كلمة طيبة، أو دعاء حسناً، فيكون لها الأثر الكبير الذي يحفظه من استقبال العواطف الناقصة خارج البيت، ويُعطيه دافعًا للسعادة وحبّ العودة إلى الأسرة.

6. الهديّة والمكافآت المادية:

تعد تعزيزًا للنجاح والسلوك الحسن، ولو كانت رمزية، ويُستحسن ربطها بهذا السلوك وذاك النجاح، وأن تكون في المناسبات فحسب، حتى لا تبتذل بكثرتها وسهولة الحصول عليها، فيقلّ تأثيرها وقد ينعدم.

7. الاهتمام بالإجازة الأسبوعية:

التي لها أثر كبير على زيادة الروابط الأُسرية وتجديد نشاط الأفراد.

قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “أجمّوا هذه القلوب، فإنها تملّ كما تملّ الأبدان”

شروط مطلوبة في وسائل الثواب:

1.أن تكون مناسبة لعمر الأبناء وجنسهم.

2.أن تكون المكافآت متدرّجة في القيمة المالية والتربوية.

3.ألا تكون الوسيلة مبالغًا فيها.

4.أن تهدف المكافآت إلى تعزيز قيمة تربوية محددة.

5.أن تكون بعض المكافآت قابلة للتخزين والحفظ لمدة طويلة.

6.أن تُكمل بعض المكافآت حاجات الأبناء ورغباتهم.

7.أن تكون المكافآت متنوعة، دائمة، متباعدة، ومختلفة.

8.أن يُرفق بتسليم المكافأة أو الثواب بيان السبب المبرّر لها.

أما العقاب:

فهو أثر يُحدثه المُربي في المتعلم فور سلوكه سلوكاً غير مرغوب فيه، فيُسبب له ألمًا نفسيًا أو ماديًا بهدف ردعه ومنعه من تكرار هذا السلوك السلبي.

ولابد في البدء من القول إن الصغير عمومًا ليس من أهل العقاب حتى سن البلوغ، لكن هذا لا يُعفينا من توجيهه وتربيته تهيئةً له لتحمل مسؤوليته في سن البلوغ والرشد.

نماذج العقاب التربوي:

1. الرفض والإباء للسلوك غير المرغوب:

يراقب الطفل في سلوكه رضا ولي أمره ليحصل منه على الموافقة والإعجاب لتأكيد الذات، فإذا لم يجد القبول والتأييد انكفأ عنه إلى ما يُحقق له ذلك، ويمكن أن يُعبَّر عن الرفض بانقباض الحاجبين أو الإشاحة والإعراض أو بكلمة “لا”، فإذا استجاب أُثني عليه، ولا بد هنا من التأكيد على أن الرفض يكون للسلوك غير المرغوب، وليس للشخص المخالف أو ذاته.

2. إظهار عدم الرضا:

إظهار السخط بالعبوس والتجهم، مع الحرص على إظهار الرحمة والمحبة للمعاقب، لئلا يُؤوَّل ذلك رفضًا له أو كرهًا، ويتم إقناعه بالقصد من العقوبة، وهي تعديل السلوك إلى ما هو نافع ومفيد.

3. التقويم الموضوعي والكلمة المؤلمة:

إن عبارة “خطأ” أو “عمل مرفوض” وكلمة “هذا العمل غير صحيح” أو “هذا الموقف منك ليس بطيب” كلها تصب في هذا الجانب، على أن نتوجه في التقويم إلى العمل لا إلى صاحبه، ولقد حذر الأخصائيون من خطورة قول المربي “أخطأت”، لأن هذه العبارة متوجهة إلى الشخصية لا إلى سلوكها.

4. الطعام والشراب الخشن:

لا يُعاقب بالطعام إلا من كان في مراحل متقدمة من العمر كابن العاشرة مثلًا، والإيلام هنا معنوي منصب على البدن، يمكن أن تجمع الأم بين الطعام الناعم والخشن إذا قصر الابن في واجباته المدرسية والمنزلية، بأن تُفرض عليه كِسرة من الخبز الجاف مثلًا. وهذه العقوبة لها مردود تربوي، تُعلّم الأبناء الصبر والتحمل وتقدير النعمة بالتعرف على أضدادها.

5. ضمة الأم أو الأب لولدها إلى الصدر:

ضم الوالدين ولدهما، أو حرمانه من ذلك، ووضع اليد الحانية على الرأس مع إظهار الأسف مما فعله من سلوك غير مرغوب، يُعتبر عقابًا. ويُستحسن إرفاق ذلك بحوار هادئ عن أضرار السلوك الذي فعله، والفرق بين هذا “الضم العقوبة” والضم السابق “الثواب”، أنه هنا مرفق بالأسى والحزن أو التوبيخ.

6. الحرمان من الهدية والمكافأة المادية:

وهو شكل من أشكال العقاب، ويجب أن يُوضح للمعاقَب ذلك لكيلا يفسره على أنه تحيز للآخرين أو ظلم له. ولا بد من التنبيه إلى أن الحرمان من المصروفات اليومية لا يصلح اعتباره عقوبة تربوية، لما له من أثر سلبي على شعور الأولاد تجاه أولياء أمورهم، لأن المصروف اليومي حق ثابت من حقوقهم الأصلية، فلا مساومة عليه.

7. اختصار واختزال الإجازة الأسبوعية:

حرمان الأبناء من الإجازة أو جزء منها، خاصة إذا كان الأبناء متعلقين بها، يُعتبر عقابًا تربويًا، مثال: عدم السماح له بإحدى ألعاب الرحلة، لكن لا يُحرم من مصروفها الخاص، لأن هذا قد يُشعره بالحسد تجاه إخوانه وأقرانه، ويمكن أن يُحوّر الحرمان فيها إلى تكليف، كزيادة نصيبه من جمع الحطب.

كيفية اختيار العقوبة:

1. حاوِر المخالف بكل هدوء.

2. ابحث له عن فرصة للإصلاح.

3. رتب العقوبات الممكنة، واعرضها عليه ليختار منها إن أمكن.

4. اوقع العقوبة عليه بعيدًا عن الآخرين.

5.أقم علاقة إيجابية مع المخالف.

6. رغبه بالثواب إن أصلح ما أفسد.

7. خذ بيده إلى طريق النجاح، ناصحًا مرشًدا. (كاظم، 2011، ص. 75-105)

من أضرار الضرب:

1. ضرب الطفل يولد كراهية لديه تجاه ضاربه.

2. الضرب يجعل العلاقة بين الطفل وضاربه علاقة خوف لا احترام.

3. الضرب ينشئ أبناء انقياديين لكل من يملك سلطة أو يكبرهم سنًا أو أكثرهم قوة، وهذا الانقياد يضعف الشخصية لدى الأبناء ويجعلهم أسهل للانقياد والطاعة العمياء، لا سيما عند الكبر مع رفقاء السوء.

4. الضرب يقتل التربية المعيارية القائمة على الإقناع وبناء المعايير الضرورية لفهم الأمور والتمييز بين الخطأ والصواب.

5. الضرب يلغي الحوار والأخذ والعطاء في الحديث والمناقشة بين الكبار والصغار ويضيع فرص التفاهم وفهم الأطفال ونفسياتهم ودوافع سلوكهم.

6. الضرب يفقر الطفل ويحرمه من حاجاته النفسية للقبول والاطمئنان والمحبة.

7. الضرب يعطي أنموذجًا سيئًا للأبناء ويحرمهم من عملية الاقتداء.

8. الضرب يزيد حدة العناد عند الأطفال غالبًا ويجعلهم عدوانيين.

9. الضرب قد يؤثر في الطفل ويحطم شعوره المعنوي بقيمته الذاتية، فيجعله منطويًا على ذاته، خجولًا لا يقدر على التكيف مع الحياة الاجتماعية.

10. الضرب يبعد الطفل عن تعلم المهارات الحياتية (الثقة بالنفس، النجاح، فهم الذات) ويجعله إنسانًا عاجزًا عن اكتساب المهارات الاجتماعية.

11. اللجوء إلى الضرب هو اللجوء لأدنى المهارات التربوية، وأقلها نجاحًا.

12. الضرب يعالج ظاهر السلوك ويغفل أصله.

13. الضرب لا يجعل السلوك مستقيمًا.

14. الضرب يقوي دوافع السلوك الخارجية على حساب الدافع الداخلي الذي هو أهم دينيًا ونفسيًا، فهو يبعد عن الإخلاص ويقرب من الرياء والخوف من الناس، فيجعل الطفل يترك العمل خوفًا من العقاب.

15. الضرب قد يدفع الطفل إلى الجرأة على الأب والتصريح بمخالفته والإصرار على الخطأ. (أبو سعد، 2006، ص. 213-214)

بعض الأساليب لعدم ضرب طفلك:

1. إن استغلالك لمهاراتك الأبويّة مثل التشجيع والتفاوض والدعم، ووضع الحدود والالتزام بها، كل هذا بالإضافة إلى التمكن من شحنة الغضب بأساليب صحيحة غير مؤذية، يجعلك قادرًا على تحقيق أهدافك والحصول على ما تريد بدون الحاجة لضرب طفلك.

2. إن الضرب يعلم طفلك أن القوة البدنية تمثل الطريقة الملائمة لتفريغ شحنة الغضب.

3. إن الضرب يدعم لدى طفلك الحاجة لاستخدام العنف بهدف الحصول على ما يريد.

4. يعمل الضرب على تشجيع اللجوء للكذب، ذلك لأنه يمثل تهديدًا لسلام الطفل البدني.

5. يعد الضرب رد فعل قصير المدى لا يعبأ بالعمليات الذهنية المهمة مثل تدبر أمر المشكلات، ويضحي بها من أجل النتيجة الفورية، وهذا ما يسبب آثارًا سلبية بعيدة المدى على العلاقة بينك وبين طفلك.

6. إن ردود أفعالك غير العنيفة مثل منع المزايا عن طفلك، من شأنها أن تعلم طفلك أن سلوكه الحالي ليس في صالحه بأي شيء، وذلك بعكس الضرب، فسوف يدرك أن هناك حوافز تدفعه ليغير من سلوكه.

7. اعلم أن طفلك سوف يصبح يومًا ما كبيرًا بما يكفي ليكيل لك الصاع صاعين بدنيًا وعاطفيًا. (أبو سعد، 2006، ص. 216)

ختامًا:

كيف نربي أبناءنا بدون ضرب؟ أولًا بتغيير نظرتنا إلى الطفل؛ فابنُك ليس نسخةً مصغرة من أخطائك أو مساحة لتفريغ غضبك، بل هو روح تتشكّل، وشخصية تنمو، تحتاج إلى الحبّ والتوجيه، لا إلى القسوة والعنف.

إن الطفل يولد مثل الصفحة البيضاء لم يكن قد تعلم بعد أي شيء سواء السلوكيات الصحيحة أو الخاطئة، لذلك علينا أن نعلمه ما هو صحيح وما هو خاطئ وفي طريقه ليتعلم سوف يخطئ ويتعثر في كثير من الأحيان والتصرف الصحيح هنا أن نعامله بلطفٍ ورفق لأن الرفق هو ما يدعم العلاقة بين الوالد وولده وليس الضرب.

نستطيع أن نربي أبناءنا بدون ضرب حين نُحسن استخدام الثواب التربوي بكل ما فيه من احتواء، وكلمة طيبة، وبشاشة، وهدية تعزز السلوك الإيجابي، ونستطيع الاستغناء عن العصا حين نُدرك أن العقاب التربوي لا يعني الإيذاء، بل التوجيه، والحرمان المؤقت من الامتيازات في بعض الأحيان، دون جرحٍ أو تحقير.

نُربي أبناءنا بدون ضرب حين نُدرك أضرار العنف، لا على جسد الطفل فحسب، بل على قلبه وروحه وعلاقته بنفسه وبمن حوله، ونُربيهم بدون ضرب حين نمتلك المهارات الأبوية: الصبر، الحوار، التفاوض، ضبط النفس، والإصرار على القيم لا على الانفعال.

لا يجب أن نضع لافتة على ظهر الطفل (عَليكَ أن تكون مثالياً) ولا يجب أن نحمّله ما لا نستطيع نحن الكبار أن نحمله، وعلينا أن نتذكر دائماً ما يبدأ بالود ينتهي بالود وما يبدأ بالقسوة ربما لا ينتج شيئاً أبداً.

قائمة المصادر والمراجع:

أبو سعد، مصطفى. (2006). الأطفال المزعجون (ط.2). الإبداع الفكري.

كاظم، محمد نبيل. (2011). كيف نؤدب أبناءنا بغير ضرب (ط.2). دار السلام.

Facebook
Twitter
WhatsApp