بين قطبي الغريزة والعقل: مقاربة تحليلية لجذور العنف وتجلياته المعاصرة

سفر في أعماق الشر البشري

في عتمة التاريخ البشري، تومضُ ومضاتٌ من نور الحضارة والفن، لكنها ما تلبث أن تُخفتَها شرارةُ العنف التي تشتعلُ بين الحين والآخر، لتُلقي بظلالها على العقل والوجدان، إن هذا التناقض الأبدي، بين قدرة الإنسان على الإبداع وميله إلى التدمير، لطالما شغل أذهان الفلاسفة والعلماء، وفي لحظة تاريخية فارقة، حين كانت نذر الحرب تلوح في أفق أوروبا، تبادلت قامات فكرية كبرى، هما ألبرت أينشتاين وسيغموند فرويد، مراسلةً عميقة حول السؤال الجوهري: “لماذا الحرب؟”، لم يكن هذا الحوار مجرد تبادل للآراء، بل كان محاولة منهجية لاستكشاف المسارات التي تُحوّل الإنسان، خالق الحضارة، إلى فاعل في العنف.

إننا اليوم، في خضم ما يشهده العالم من صراعات مركّبة، أحوج ما نكون إلى إعادة قراءة هذه الأفكار وتحليلها من منظور علم النفس الحديث، ليس فقط لفهم أسباب الحرب، بل لتفكيك الآليات النفسية التي تُغذيها وتُخلّفها في الوعي الجمعي، لا سيما في سياقات الصراع المعاصر حيث تتداخل الأيديولوجيات مع القوى العسكرية في بيئة عالمية مُلوثة.

    1.  الجانب المظلم للغريزة: محاكمة فرويدية للعدوان

يُشير فرويد في رده على أينشتاين إلى أن جذور العدوان تكمن في دافع الموت (Thanatos)  وهي غريزة تُعاكس غريزة الحياة (Eros) يُؤكد فرويد أن هذه الغريزة المدمرة تسعى إلى إعادة الكائن الحي إلى حالته الجامدة، وإذا ما وجهت عملها إلى الخارج، فإنها تتجلى في صورة رغبة في التدمير (Freud, 1933, p. 13). هذا المنظور يُقدّم إطاراً نظرياً لفهم العنف كقوة فطرية كامنة، يمكن استدعاؤها وتحريكها في ظروف معينة ولكن هل هذه الغريزة وحدها كافية لتفسير تجليات العنف الجماعي في العصر الحديث؟

إن هذا التساؤل يقودنا إلى أعمال تالية في علم النفس سعت إلى تعميق الفهم؛ فمن منظور التعلم الاجتماعي، يُجادل ألبرت باندورا بأن السلوك العدواني ليس فطرياً فحسب، بل يتم تعلمه من خلال الملاحظة والتقليد (Bandura, 1973). وبناءً على هذه النظرية، يمكن فهم تحول الأفراد نحو العنف كرد فعل مُكتسب من البيئة التي تُقدم نماذج عدوانية كحل للمشاكل؛ ففي سياقات الصراع، لا تُعد مشاهد العنف استثناءً، بل هي جزء من المشهد اليومي الذي يُعيد برمجة السلوك الجمعي، ويُغرس مفاهيم القوة والهيمنة كقيم أساسية.

    • آليات التبرير النفسي: حين يصبح الشر “مبرراً

عندما يقع العنف الجماعي، لا يمكن اختزاله في مجرد تعبير عن غريزة، إن التحول من الفرد العادي إلى مرتكب للعنف يتطلب آليات نفسية تُبرر الفعل وتُزيل الحواجز الأخلاقية، هنا تبرز أهمية المفاهيم التي حللها باحثون آخرون:

    • تأثير لوسيفر (The Lucifer Effect): يُظهر فيليب زيمباردو من خلال تجربته الشهيرة في سجن ستانفورد، أن الظروف الموقفية والضغوط الاجتماعية يمكن أن تُحوّل الأفراد “الطيبين” إلى مرتكبي عنف (Zimbardo, 2007, p. 6). إن العنف لا ينبع بالضرورة من شخصيات مريضة، بل من “ظروف مريضة”، هذا يفسر كيف يُصبح الأفراد الذين يُعرفون بسلوكهم السوي في ظروف معينة، قادرين على ارتكاب أفعال قاسية في سياقات أخرى.

    • تجريد الإنسان من إنسانيته (Dehumanization): يُحلل إرنست ستاوب هذا المفهوم كأحد “جذور الشر”، حيث يتم تصوير الأفراد أو الجماعات على أنهم أقل من البشر، مما يُسهل ارتكاب العنف ضدهم دون الشعور بالذنب (Staub, 1989, p. 13). إن هذا التجريد، الذي تُغذّيه الخطابات الإعلامية والسياسية، يُشكّل أساساً نفسياً لتبرير القتل والإبادة الجماعية.

    • الثقة العمياء (Blind Trust): يُوضح فاميك فولكان كيف تستغل القيادات في أوقات الأزمات الذاكرة التاريخية والرموز الجماعية لإضفاء الشرعية على العنف (Volkan, 2004, p. 11). ففي سياقات الصراع، يمكن أن تتحول الثقة إلى “ثقة عمياء” عندما يحل القلق الجمعي محل التفكير النقدي، كما حدث في العديد من النزاعات الإقليمية، حيث يصبح الجمهور مستعداً لتقبّل رواية القيادة دون مساءلة، مما يُشكل أرضية خصبة لانتشار العنف والتعصب.

    • بُنى الذهن وأسطورة العدو: يُقدم المفكر العربي عبد الوهاب المسيري تحليلاً عميقاً لكيفية بناء “بُنى ذهنية” تُرسخ صورة العدو المطلق وتجعله كائناً غير إنساني، مما يُبرر العدوان ضده هذا التحليل يتقاطع بشكل كبير مع مفهوم “تجريد الإنسان من إنسانيته” (dehumanization)، ويُعزز فهمنا لكيفية تغلغل هذه الآليات في الثقافة والخطاب.

    • الثمن النفسي للعنف: “الخدر الأخلاقي” والتحولات العصبية

إن العنف، سواء كان فرداً يرتكبه أو جماعةً تتعرض له، يُخلّف عواقب نفسية عديدة تتجاوز نطاق الصدمة المباشرة.

    • الخدر الأخلاقي (Moral Numbness): يشير ديف غروسمان إلى أن الجيوش تُستخدم أساليب معينة، مثل التكييف الشرطي، لتقليل المقاومة الأخلاقية لدى الأفراد تجاه القتل (Grossman, 1995, p. 120). لكن هذا “الخدر” له ثمن نفسي باهظ، حيث يُؤدي إلى تبلد عاطفي عام وفقدان القدرة على التعاطف، مما يُؤثر على العلاقات الاجتماعية بعد انتهاء الصراع.

    • التحولات العصبية للصدمة: أظهرت الأبحاث الحديثة في علم النفس العصبي أن التعرض المزمن للصدمة، كما يحدث في مناطق النزاع، يُحدث تغييرات في بنية الدماغ ووظيفته، على سبيل المثال، تُظهر دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) انكماشاً في حجم اللوزة الدماغية (Amygdala) لدى الناجين من الصدمات (McFarlane & Van der Kolk, 2021). هذه التغييرات تُؤثر على تنظيم العاطفة والاستجابة للتهديد، مما يجعل الأفراد أكثر عرضة للقلق والغضب، وأقل قدرة على التحكم في ردود أفعالهم، هذا يُفسر الميل المتزايد إلى العدوانية لدى الأفراد الذين عايشوا سنوات طويلة من العنف، حتى بعد انتهاء الصراع.

    • الطفولة والتربية: حجر الزاوية في بناء مجتمع مسالم

إن أي مقاربة لمنع العنف يجب أن تبدأ من المراحل التطورية الأولى للإنسان، تُظهر النظريات التطورية في علم النفس أن مرحلة الطفولة المبكرة حاسمة في تشكيل الميل إلى العنف أو التعاطف، إن التعرض للعنف أو الإهمال في الطفولة يمكن أن يُؤثر بشكل دائم على نمو الدماغ، خاصة في المناطق المسؤولة عن تنظيم العواطف والتحكم في الاندفاعات (Siegel, 2012). لذلك فإن حماية الأطفال في مناطق الصراع وتوفير بيئة آمنة وداعمة لهم، ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل أكثر سلاماً. إن توفير تعليم يعزز قيم التعاطف، ويُنمّي الذكاء العاطفي، ويُعلّم حل النزاعات بطرق غير عنيفة، هو جوهر الوقاية من العنف على المدى الطويل.

    •  نحو مقاربة منهجية للتعافي: ترياق “الإيروس” في مواجهة “ثاناتوس

إذا كان فرويد قد أشار إلى أن “إيروس” هو الترياق للرغبة المدمرة، فإن هذا يُعني أن الطريق إلى التعافي يكمن في بناء الروابط الإنسانية وتعزيز قوة العقل، إن هذه المقاربة تتطلب جهوداً منهجية على ثلاثة مستويات:

على المستوى الفردي: لا يمكن قمع الميول العدوانية بالكامل، ولكن يمكن توجيهها، يجب أن تُركّز برامج الدعم النفسي على مساعدة الأفراد على فهم وتحليل سلوكهم، وتزويدهم بآليات صحية للتعامل مع الصدمات والغضب، بدلاً من اللجوء إلى العنف (Berkowitz, 1993).

على المستوى المجتمعي: يجب العمل على إعادة بناء الروابط الاجتماعية التي مزّقها العنف. هذا يتطلب تعزيز قيم التعاطف والتسامح من خلال برامج تعليمية وثقافية تُشجع على رؤية الآخر كبشر، إن إعادة بناء الثقة، التي اهتزت بسبب الصراع، هي حجر الزاوية في التعافي. في هذا السياق، تُعد مبادرات “علم النفس المجتمعي” في الأزمات، التي تُركّز على تقوية الروابط الداخلية وبناء شبكات الدعم، نموذجاً فعالاً في إعادة إحياء النسيج الاجتماعي.

على المستوى المؤسسي: يجب على المؤسسات التعليمية والإعلامية أن تلعب دوراً محورياً في مقاومة “تجريد الإنسان من إنسانيته” و”التحريض على الكراهية”، إن الترويج للتفكير النقدي وتشجيع الحوار المفتوح هو السبيل الوحيد لمواجهة “الثقة العمياء” وتأثير “الخيال العدواني” الذي حلله سام كين (Keen, 1986).

دعوة إلى إعادة بناء الوعي

في نهاية المطاف، إن الرد على سؤال “لماذا الحرب؟” ليس بسيطاً، ولكنه لا يدعو إلى اليأس. فكما أشار فرويد، إن “التطور الثقافي للإنسان” و”الخوف المبرر من شكل الحروب المستقبلية” قد يدفعان البشرية نحو السلام (Freud, 1933, p. 16). إن ما يُميزنا كبشر هو قدرتنا على التعلم من تجاربنا، وقدرتنا على توجيه غرائزنا نحو البناء لا التدمير.

إننا لا نعيش في عالم مثالي، وربما لن نصل أبداً إلى “مجتمع يحكمه العقل” كما أشار فرويد، ولكننا نملك الأدوات اللازمة لمواجهة الظلام، إنها دعوة للبحث في أغوار النفس البشرية، لا لإدانة الشر، بل لفهمه وتفكيك آلياته. إنها دعوة لإعادة بناء الوعي، ليكون حصناً منيعاً ضد أي محاولة لتحويل الإنسان من كائن مبدع إلى آلة للدمار. إن الطريق إلى مستقبل أكثر إنسانية يبدأ من هنا، من فهم جوهري للواقع، ومن إيمان راسخ بأن “الملائكة الأفضل في طبيعتنا” (Pinker, 2011) هي القوة الحقيقية التي تستطيع أن تنتصر على قوى الظلام، وتُعيد للإنسان كرامته وعقله.

المراجع:

Bandura, A. (1973). Aggression: A Social Learning Analysis. Prentice Hall.

Berkowitz, L. (1993). Aggression: Its Causes, Consequences, and Control. Temple University Press.

Freud, S. (1933). Why War?. International Institute of Intellectual Co-operation.

Grossman, D. (1995). On Killing: The Psychological Cost of Learning to Kill in War and Society. Little, Brown and Company.

Keen, S. (1986). Faces of the Enemy: Reflections of the Hostile Imagination. Harper & Row.

McFarlane, A. C., & Van der Kolk, B. A. (2021). The neurobiology of PTSD and its implications for treatment. Psychiatry and the Neurosciences.

Pinker, S. (2011). The Better Angels of Our Nature: Why Violence Has Declined. Viking.

Siegel, D. J. (2012). The Developing Mind: How Relationships and the Brain Interact to Shape Who We Are. Guilford Press.

Staub, E. (1989). The Roots of Evil: The Origins of Genocide and Other Group Violence. Cambridge University Press.

Volkan, V. D. (2004). Blind Trust: Large Groups and Their Leaders in Times of Crisis and Terror. Pitchstone Publishing.

Zimbardo, P. P. (2007). The Lucifer Effect: Understanding How Good People Turn Evil. Random House.

Facebook
Twitter
WhatsApp